يواصل الاقتصاد الإسباني نموه بوتيرة تجذب الانتباه، مقارنةً مع معظم الاقتصادات الأوروبية الكبرى، فقد سجل سوق العمل مؤخراً مستويات عالية في التوظيف، كما حافظت البلاد على فائض في الحساب بدعم قوي من قطاعات الخدمات والسياحة، وإضافة إلى ذلك فإن جميع الأرقام الاقتصادية تفوق التوقعات.
مع هذا كله، خلف هذه المؤشرات الإيجابية، ثمة سؤال مهم: هل يعكس النمو الاقتصادي في إسبانياً تحسناً حقيقياً ومُستداماً على مستوى معيشة المواطن الإسباني؟ وهل يشعر المواطن الإسباني حقاً بالازدهار الاقتصادي؟ نما الناتج المحلي الإجمالي الإسباني خلال عام 2025 ما يقرب من 3%، وقد استمرت هذه الوتيرة القوية من النمو حتى مطلع عام 2026، خصوصاً مع وصول عدد العاملين إلى مستويات عالية في البلاد لم تُسجل من قبل، ولكن بالعودة إلى الناتج المحلي واحتساب قيمته على الفرد الواحد، بعد احتساب التضخم وتكاليف الحياة، تُظهر النتائج أن هذا النمو ليس مُستداماً.
توضح البيانات الأوروبية الأخيرة أن نصيب الفرد في إسبانيا هو أقل من متوسط باقي الاقتصادات المتقدمة في دول الاتحاد الأوروبي، حيث توجد فجوة كبيرة مع اقتصادات دول كبرى مثل ألمانيا وفرنسا، على سبيل المثال لا الحصر، على الرغم من مستويات النمو المتواصلة.
يشير خوان كوماتشو، مدير فرع بنك كايشا في مدريد، وأستاذ الاقتصاد في جامعة خوان كارلوس، في حديثه لـ" العربي الجديد"، إلى أن فكرة النمو الإسباني" أشبه بطائرة تعمل بمحرك واحد، وهذا المحرك هو سوق العمل.
في حين تبقى المحركات الأخرى، وأهمها محرك الإنتاجية، غير قادرة على دفع الاقتصاد إلى مستويات أفضل من حيث الدخل والثروة".
ويتابع الخبير الاقتصادي قائلاً: " إن استمرار هذا النموذج سيزيد من تعقيد المشكلة في السنوات القادمة، خصوصاً إذا ما أخذنا عوامل اجتماعية أخرى في الاعتبار، وهي: تسارع شيخوخة السكان في إسبانيا، وسياسات الاتحاد الأوروبي بالنسبة إلى الهجرة".
في السنوات الأخيرة، بدأت تتردد في إسبانيا مفاهيم جديدة على الاقتصاد.
وكان ما يسمى" اقتصاد منخفض التكلفة" أحد أبرز هذه المفاهيم، والمقصود به، كما توضح لـ" العربي الجديد" الخبيرة الاقتصادية، خيما كاستيو، هو" التنافس على انخفاض التكاليف، وليس اقتصاداً رخيصاً بالضرورة".
وتتابع كاستيو: يعني ذلك" تنافساً على انخفاض تكاليف الأجور وحجم الشركات، عوضاً عن الاعتماد على التكنولوجيا والقيمة المضافة العالية والابتكار".
وبالفعل، بالنظر إلى هيكل الشركات الإسبانية، الغالبية الساحقة منها هي صغيرة.
فعلى سبيل المثال، تصل نسبة المؤسسات التي تضم أقل من عشرة موظفين إلى أكثر من 90% من إجمالي الشركات.
وفي هذا الإطار تقول كاستيو: " إن هذه النسبة من الشركات الإسبانية تحدّ من القدرة على الاستثمار والتوسّع في الأسواق العالمية، إذ يواجه هذا النوع من الشركات صعوبات في التمويل، إضافة إلى عدم امتلاك قدرة على تحمّل المخاطر المرتبطة بالتحوّل الرقمي".
وتتابع كاستيو: " عدم امتلاك تمويل يحدّ من قدرة الشركات على الاستثمار في مجالات الأتمتة والذكاء الاصطناعي، في عالم أصبحت فيه هذه الأمور اليوم معياراً رئيسياً من أجل رفع الإنتاجية وتحسين القدرة التنافسية".
قد يكون التحدي الأكبر أمام الاقتصاد الإسباني، بعيداً عن الأداء القوي من حيث الأرقام والإحصائيات، هو القدرة على أن ينتقل هذا النمو من الورق إلى حياة المواطن العادي، وبالتالي يصبح ملموساً في رفاهية المواطنين، فبالكاد تشعر الأسر الإسبانية بهذا النمو إلا على الورق وفي نشرات الأخبار.
ويعود ذلك، وفقاً للخبراء، إلى مجموعة من العوامل المباشرة التي ترتبط بالحياة اليومية وبجيب المواطنين، وأبرزها: عدم زيادة الأجور، وارتفاع تكاليف المنتجات، وارتفاع تكاليف السكن بالنسبة إلى معدل الدخل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك