لا يمكن الجزم بأن تقدم المجتمعات مرهون بطبيعة السلطة الحاكمة؛ فإذا كانت السلطة منفتحة تقدم المجتمع، وإذا كانت قمعية أعاقت التطور.
وربما كان هذا التصور أكثر دقة في مراحل سابقة من التاريخ، حين كانت الأنظمة المغلقة قادرة على فرض عزلة شبه كاملة على مجتمعاتها، وبالتالي التحكم بمسار تطورها.
لكن في الواقع المعاصر، ومع الانفتاح الإعلامي والتقني المتسارع، تبدو الصورة أكثر تعقيداً.
فالمجتمعات غالباً ما تستمر في التطور بغض النظر عن طبيعة السلطة، وأحياناً رغماً عنها.
يمكن ربط تطور المجتمعات بوجود مسارين متوازيين يتحركان باستمرار داخل أي مجتمع:أولاً: مسار البنية السياسية: ويشمل القوانين، والحريات، وآليات المشاركة السياسية، وشكل العلاقة بين الدولة والمجتمع.
غالباً ما يكون هذا المسار خاضعاً لسلطة الدولة أو النخب الحاكمة، التي تمتلك القدرة على توجيهه والتحكم في حدوده ومداه.
ثانياً: مسار الوعي المجتمعي: وهو قدرة المجتمع على استيعاب الأفكار الجديدة والتفاعل معها.
ويتغذى هذا المسار من عوامل متعددة، مثل التعليم، والإعلام، والهجرة، والانفتاح الثقافي، ووسائل التواصل الاجتماعي.
ولا يعني تطور الوعي المجتمعي بالضرورة انتقاله الدائم نحو مزيد من الليبرالية أو الانفتاح، بل مجرد تحوله المستمر وتبنيه أفكاراً جديدة تختلف عما سبقها.
الفجوة بين هذين المسارين تحدد مدى صحة هذه المجتمعات، فكلما كانت الفجوة قليلة كانت المجتمعات محصنة أكثر ضد الأزمات.
وعند اتساع هذه الفجوة كثيراً تنشأ لحظات التوتر والتحول السياسي والاجتماعي.
قد يتباعد أحد المسارين عن الآخر، لكنهما يميلان على المدى الطويل إلى الاقتراب من بعضهما.
عندما يسبق الوعي المجتمعي البنية السياسية: تونس نموذجاًتقدم تونس نموذجاً لمجتمع تجاوز فيه الوعي المجتمعي السقف السياسي الذي فرضته السلطة.
فعلى مستوى الدولة، عانت البنية السياسية لفترة طويلة من الجمود نتيجة طبيعة النظام السلطوي، الذي ضيق مساحة المشاركة السياسية والحريات العامة.
لكن في المقابل، استمر الوعي المجتمعي في التطور عبر التعليم والانفتاح والإعلام.
ومع مرور الوقت، اتسعت الفجوة بين المسارين كثيراً، لذلك لم يحتج الأمر سوى إلى شرارة واحدة لتتم عملية إعادة ضبط لشكل البنية السياسية، لتقترب من مستوى الوعي المجتمعي الذي كان قد تجاوزها.
عندما تسبق البنية السياسية الوعي المجتمعي: التجربة الغربيةفي بعض الدول الغربية يظهر المشهد بصورة معاكسة؛ إذ تتقدم البنية السياسية أحياناً على الوعي المجتمعي.
تتبنى الدولة على سبيل المثال تشريعات جديدة تتعلق بقضايا اجتماعية وثقافية، مثل التحول الجنسي أو جواز تناول القنب الهندي، أو غيرها من التشريعات التي لا تحظى دائماً بإجماع مجتمعي واسع.
ويمكن أن ينجم عن هذا التمادي في هذه التشريعات سخط مجتمعي يتجلى في مظاهرات تحت مسميات مختلفة، لتتعاظم لاحقاً على شكل انفجارات.
الربيع العربي: عندما تبلغ الفجوة حدها الأقصىيمكن فهم الربيع العربي بوصفه" لحظة الفجوة غير القابلة للردم" بين وعي مجتمعي صاعد وبنية سياسية عاجزة عن استيعابه، مع الأخذ بعين الاعتبار أن العامل الاقتصادي كان حاضراً بقوة، وإن لم يكن محور هذا النقاش.
فعندما يرتفع سقف الوعي المجتمعي كثيراً فوق السقف السياسي المسموح به، يصبح التغيير — سواء جاء على شكل إصلاح أو انفجار — مسألة وقت.
لكن نتائج هذا التغيير تختلف من مجتمع إلى آخر.
ففي حين جرى الانتقال السياسي في تونس بصورة أكثر سلاسة نسبياً، وشهدت مصر في بدايات الحراك انتقالاً أقل كلفة، كانت الكلفة في سوريا وليبيا واليمن أعلى بكثير، نتيجة غياب مؤسسات سياسية — البنية السياسية — قادرة على استيعاب الوعي المجتمعي أو تنظيمه.
هذا الفراغ ساهم في حدوث فوضى وانقسامات وصراعات داخلية.
في النهاية، لا يبدو أن تقدم المجتمعات مرتبط بشكل مطلق بطبيعة السلطة، بقدر ما يرتبط بحركة الوعي داخل المجتمع نفسه.
فالسلطة قد تبطئ التحول أو تسرعه، لكنها لم تعد قادرة — كما في السابق — على إيقافه بالكامل في عالم مفتوح ومتصل.
وحين تتسع الفجوة بين البنية السياسية والوعي المجتمعي، يصبح التغيير حتمياً، وإن اختلفت أشكاله ونتائجه من مجتمع إلى آخر.
لذلك فإن استقرار المجتمعات لا يتحقق فقط بامتلاك السلطة، بل بقدرتها على فهم التحولات المجتمعية ومواكبتها قبل أن تتحول الفجوة إلى صدام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك