قناة التليفزيون العربي - تشمل جبهة لبنان.. مسؤول بالبيت الأبيض يكشف تفاصيل بنود مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية قناة الجزيرة مباشر - السفير الأمريكي في إسرائيل: لولا إسرائيل لما وجدت الولايات المتحدة DW عربية - طبيبة تكشف مزاعم انتهاكات.. والاعتقال يثير عاصفة في مصر CNN بالعربية - لبنان يرفض مقترح ترامب بشأن تولي سوريا مسؤولية مواجهة حزب الله الجزيرة نت - بعد ثلاثية الأرجنتين.. لاعبو الجزائر يعدون بالتعويض أمام الأردن والنمسا قناة العالم الإيرانية - قاليباف: إيران والصين ستقودان التكتلات الإقليمية الجديدة وكالة الأناضول - وزير الدفاع التركي يصل بروكسل لحضور اجتماع الناتو الجزيرة نت - ما نتائج الصدام بين إدارة ترمب وأنثروبيك حول الذكاء الاصطناعي؟ الجزيرة نت - توتال: الغاز الأمريكي لا يمكنه تعويض الإمدادات القطرية لأوروبا الشتاء المقبل وكالة الأناضول - أنقرة: تقرير البرلمان الأوروبي يتضمن تقييمات لا تتوافق مع الحقائق
عامة

"الزير سالم" مسلسل أحبَّه السوريون

تلفزيون سوريا
تلفزيون سوريا منذ 3 ساعات
1

لم يبقَ" الزير سالم" حياً في الذاكرة السورية لأنه روى حرب البسوس، بل لأنه روى البشر الذين تصنعهم الحروب. فبعد أكثر من ربع قرن على عرضه، ما تزال شخصياته تبدو مألوفة على نحو لافت؛ من الزير الذي رسخ حيات...

لم يبقَ" الزير سالم" حياً في الذاكرة السورية لأنه روى حرب البسوس، بل لأنه روى البشر الذين تصنعهم الحروب.

فبعد أكثر من ربع قرن على عرضه، ما تزال شخصياته تبدو مألوفة على نحو لافت؛ من الزير الذي رسخ حياته للثأر لأخيه، إلى اليمامة التي لم تستطع تقبّل خسارة والدها، والحارث بن عباد الذي اكتشف أن الحروب لا تترك أحداً خارجها، وضباع التي أدركت أن الألم أعقد من أن يُختصر في قاتل ومقتول.

وغالباً ما تُختزل حرب البسوس بحكاية ناقة قُتلت فاشتعلت بسببها حرب استمرت أربعين عاماً.

لكن ما منح هذه الحرب مكانتها في الذاكرة العربية لم يكن سببها الأول بقدر ما كان طبيعتها نفسها؛ فهي لم تكن حرباً بين غرباء، بل بين أبناء عمومة تجمعهم الأنساب والروابط والذكريات ذاتها.

وربما لهذا السبب بقيت قصتها حاضرة طوال قرون، لأن المأساة تصبح أكثر قسوة عندما تقع بين أشخاص يفترض أن ما يجمعهم أكبر مما يفرقهم.

وما التقطه ممدوح عدوان في" الزير سالم" لم يكن تفاصيل المعارك بقدر ما كان آثارها النفسية والاجتماعية.

فمن خلال شخصياته، قدّم استجابات مختلفة للفقدان والثأر والذاكرة والحياد، وهي استجابات ما تزال مألوفة في مجتمعات عاشت الحروب أو ما زالت تحمل آثارها.

الزير.

حين يتحول الثأر من حق إلى هويةمن السهل على أي مشاهد أن يتعاطف مع الزير سالم في بداية الحكاية.

فالرجل لم يدخل الحرب بحثاً عن المجد أو النفوذ، بل بعدما فقد أخاه كليب.

وفي سياق القبيلة الذي تدور فيه الأحداث، بدا طلبه بالقصاص أمراً منطقياً ومشروعاً.

لكن الزير الذي دخل الحرب في بدايتها ليس تماماً الزير الذي استمر فيها بعد سنوات طويلة.

فمع مرور الزمن، لم يعد الثأر مجرد وسيلة لتحقيق العدالة، بل أصبح جزءاً من هويته والمعنى الذي يمنح حياته اتجاهاً.

وفي هذه اللحظة لا يعود السؤال: كيف يثأر لأخيه؟ بل يصبح السؤال: من يكون إذا انتهى الثأر؟هذه ليست فكرة تخص الزير وحده.

ففي دراستهم حول ما يعرف بـ" المظلومية الجمعية"، يشرح الباحث دانيال بار-تال وزملاؤه، في دراسة بعنوان A Sense of Self-Perceived Collective Victimhood in Intractable Conflicts نُشرت في المجلة الدولية للصليب الأحمر، كيف تميل الجماعات التي تعرضت لصدمات كبيرة إلى بناء جزء من تعريفها لذاتها حول فكرة أنها ضحية.

ولا تكمن المشكلة في الاعتراف بالظلم أو المطالبة بالعدالة، بل في اللحظة التي تصبح فيها المظلومية المصدر الأساسي للهوية والنظرة إلى العالم.

وفي سوريا اليوم تبدو هذه الفكرة مألوفة أكثر مما ينبغي.

فسنوات الحرب الطويلة لم تنتج خسائر بشرية ومادية فقط، بل أنتجت أيضاً أفراداً وجماعات يعرفون أنفسهم من خلال ما خسروا أكثر مما يعرفون أنفسهم من خلال ما يريدون بناءه.

ولا يعني ذلك أن خسائرهم غير حقيقية أو أن غضبهم غير مشروع، بل يعني أن الألم حين يتحول إلى هوية يصبح التخلي عنه أكثر صعوبة من التخلي عن أي موقف آخر.

اليمامة.

" أريد أبي كليباً حيّاً"إذا كان الزير يمثل الإنسان الذي يحاول تحويل ألمه إلى فعل، فإن اليمامة تمثل الإنسان الذي يعجز عن التصالح مع خسارة غيّرت عالمه بالكامل.

لكن مأساة اليمامة لا تكمن في أنها رفضت نسيان والدها، بل في أنها عاشت في عالم لا يملك وسيلة أخرى للتعامل مع الفقد سوى الثأر.

فبين الرغبة المشروعة في العدالة والرغبة المستحيلة في إعادة الزمن إلى الوراء مساحة واسعة لم تكن متاحة لشخصيات حرب البسوس.

ولهذا لم تكن صرخة" أريد أبي كليباً حيّاً" تعبيراً عن الحزن فقط، بل عن غياب أي طريق آخر يمكن أن يقود إلى الإنصاف.

فالمجتمعات الخارجة من الحروب لا تستطيع بناء مستقبل مستقر إذا تجاهلت آلام الضحايا، لكنها لا تستطيع أيضاً أن تترك هذه الآلام أسيرة منطق الثأر.

ولهذا تقوم العدالة الانتقالية على مبادئ مثل كشف الحقيقة، والاعتراف بالضحايا، وجبر الضرر، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، بهدف تحويل الذاكرة من مصدر لصراعات جديدة إلى أساس لمصالحة مستدامة.

وفي سوريا اليوم ما تزال أسئلة الحقيقة والمحاسبة والاعتراف بالضحايا وجبر الضرر مطروحة من دون إجابات مكتملة.

وفي ظل غياب مسار واضح وشامل للعدالة الانتقالية، يبقى خطر تحوّل الذاكرة إلى ثأر قائماً، كما يبقى خطر تحوّل الظلم غير المعالج إلى مادة لصراعات جديدة.

فالمجتمعات لا تتجاوز مآسيها بالنسيان، بل بالعدالة.

وما تحتاجه ليس محو الذاكرة، بل إيجاد طريق يسمح للضحايا بالاحتفاظ بحقهم في الحقيقة والإنصاف من دون أن يصبح الألم ميراثاً تتناقله الأجيال.

الحارث بن عباد.

عندما لا يكفي الحيادإذا كانت شخصيتا الزير واليمامة تنطلقان من قلب المأساة، فإن الحارث بن عباد يقف في مكان مختلف تماماً.

فهو ليس أخاً للمقتول، ولا أباً لفاقد، ولا رجلاً يسعى إلى الثأر أو السلطة، بل الشخصية التي رأت الكارثة مبكراً وحاولت الابتعاد عنها.

ومن هذه الشخصية خرجت العبارة الشهيرة: " لا ناقة لي فيها ولا جمل.

"لم يكن الحارث جباناً أو متردداً، بل كان من القلائل الذين أدركوا أن الحرب إذا اشتعلت فلن تترك أحداً خارجها.

لذلك حاول تجنيب قومه صراعاً رأى عواقبه قبل أن يراها الآخرون، مؤمناً بأن الدم لا يتوقف عند أصحابه الأوائل، وأن كل ثأر جديد يولد ثأراً مقابلاً له.

لكن الحرب لم تحترم حياده.

فبعد سنوات من محاولات الابتعاد، قُتل ابنه بجير، ليجد الحارث نفسه داخل الصراع الذي حاول طويلاً تجنبه.

وهنا تتحول الشخصية من رمز للحياد إلى رمز لمأزق أكثر تعقيداً: ماذا يفعل الإنسان عندما تأتي الحرب إليه رغم أنه لم يذهب إليها؟هذا السؤال لا يبدو بعيداً عن التجربة السورية.

فخلال السنوات الماضية حاول كثيرون البقاء خارج الاستقطاب السياسي أو الاجتماعي أو الطائفي، مؤمنين أن الابتعاد عن الصراع كفيل بحمايتهم منه.

لكن تجربة الحارث تطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً اليوم: هل يكفي الابتعاد عن الصراع لحماية المجتمع من حرب جديدة، أم أن مسؤولية منع الانزلاق إليها تقع على الجميع؟ولا تكمن مأساة الحارث في أنه فشل في البقاء على الحياد، بل في أنه كان محقاً منذ البداية.

فقد فهم أن الحرب ستبتلع الجميع، ثم اضطر إلى مشاهدة نبوءته وهي تتحقق أمامه.

ضباع.

أأنا أخت القاتل أم أمّ القتيل؟إذا كانت هناك شخصية واحدة قادرة على تفكيك المنطق الذي تقوم عليه الحروب الأهلية، فقد تكون ضباع، لأن الحروب تحتاج دائماً إلى رواية واضحة: طرف مظلوم وطرف ظالم، قاتل وقتيل، حق وباطل.

في بداية الأحداث تبدو ضباع جزءاً من هذه الرواية.

فهي أخت كليب المقتول، وتنتمي إلى معسكر يطالب بالثأر.

لكن الحرب لا تحترم هذه الحدود البسيطة، فبعد أن يُقتل ابنها تجد نفسها أمام سؤال لم تعد الرواية التقليدية قادرة على الإجابة عنه: " أأنا أخت القاتل أم أم القتيل؟ "قد تكون هذه الجملة واحدة من أهم الجمل في الدراما السورية، لأنها تكشف طبيعة الحروب نفسها.

ففي هذه اللحظة تنهار الرواية التي قسمت العالم إلى ضحايا وجناة، ويصبح الواقع أكثر تعقيداً من أن يُختصر في معسكرين متقابلين.

والجليلة عاشت المأساة نفسها بشكل مختلف.

فهي زوجة كليب المقتول وأخت جساس قاتله، في تذكير دائم بأن البشر لا يعيشون دائماً داخل الهويات البسيطة التي تفرضها الحروب.

ففي الحروب الطويلة لا يبقى الناس داخل الخانات التي بدؤوا منها.

الضحية قد تصبح أماً لضحية جديدة، والعائلة التي تطالب بالثأر قد تجد نفسها بعد سنوات تحمل جروحاً أخرى لا تقل عمقاً.

وهذا ما يتقاطع مع مفهوم" المظلومية الجمعية"، الذي يصف ميل الجماعات المتصارعة إلى رؤية نفسها بوصفها الضحية الأساسية، وصعوبة الاعتراف بآلام الآخرين.

وضباع تكسر هذا المنطق بالكامل.

فهي لا تتخلى عن حزنها على كليب، لكنها لا تستطيع أيضاً تجاهل حزنها على ابنها.

وتكتشف أن الحرب التي بدأت دفاعاً عن قتيل واحد انتهت بإنتاج قتلى جدد.

وربما لهذا تبدو ضباع شديدة المعاصرة بالنسبة إلى السوريين اليوم.

فبعد سنوات طويلة من الدم والخسارات، بات من الصعب العثور على عائلة لم تخسر شخصاً أو شيئاً عزيزاً عليها.

ومع تراكم هذه الخسارات يصبح الإصرار على رواية واحدة للألم أكثر صعوبة.

وتبدو ضباع تذكيراً بأن الاعتراف بألم الآخرين لا ينتقص من ألمنا، وأن الخروج من الحروب لا يبدأ عندما ينسى الناس ضحاياهم، بل عندما يدركون أن ضحايا الآخرين بشر مثلهم أيضاً.

الهجرس.

الجيل الذي ورث الذاكرةإذا كان الزير واليمامة وضباع والحارث قد عاشوا المأساة منذ بدايتها، فإن الهجرس يمثل جيلاً مختلفاً تماماً، إنه ابن الحرب.

لم يشهد مقتل كليب، ولم يعش لحظة الانفجار الأولى، لكنه ورث نتائجها كلها.

لقد نشأ داخل عالم شكّلته الحرب قبل أن يولد، حتى أصبحت جزءاً من الواقع الذي عرفه منذ طفولته.

في سوريا اليوم نشأ جيل كامل لا يتذكر ما قبل الحرب، أو لا يعرف عنه سوى ما سمعه من الكبار.

وهذا الجيل، مثل الهجرس، لم يختر الظروف التي وُلد فيها، لكنه سيحمل آثارها لسنوات طويلة.

أكثر من مسلسل عن حرب قديمةولعل عبقرية العمل لا تكمن في أنه روى حرباً استمرت أربعين عاماً بين أبناء العمومة، بل في أنه كشف كيف تتحول الحروب مع الوقت من حدث إلى حالة، ومن نزاع إلى هوية.

فمع مرور السنوات لم يعد أبطال حرب البسوس يقاتلون بسبب السبب الأول وحده، بل بسبب ما راكمته الحرب فوقه من دماء وثارات وذكريات جديدة.

ولعل المأساة الأكبر في حرب البسوس أنها لم تترك منتصرين.

فبعد أربعين عاماً من القتال، كان لكل طرف قتلاه وخساراته وذكرياته وجراحه الخاصة.

وحين انتهت الحرب لم يكن السؤال من انتصر، بل من بقي من الذين خاضوها.

وربما لهذا بقيت القصة حية في الذاكرة العربية؛ لأنها تذكّرنا بأن بعض الحروب تطول إلى درجة يصبح فيها الجميع خاسرين، حتى أولئك الذين يعتقدون أنهم انتصروا.

وربما كان هذا هو التحذير الأهم الذي يتركه المسلسل لمشاهديه اليوم: فالحروب الأهلية لا تصبح خطيرة عندما يختلف الناس، بل عندما يصبح ألم كل طرف أهم من قدرته على رؤية ألم الآخرين.

وعندما تتحول ذكريات الدم إلى هوية، والثأر إلى ميراث، لا يعود السؤال كيف بدأت الحرب، بل كم جيلاً ستحتاج حتى تنتهي.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك