كلما ضاقت الحجة عند بعضهم، خرج من يقول: «البحرين لا توجد فيها قبائل، بل عوائل فقط»، في محاولة لتسطيح التاريخ وتفريغه من عمقه، وكأن القبيلة نقيض للوطن، أو أن الانتماء القبلي يلغي مفهوم الدولة الحديثة.
والحقيقة أن هذه المقولة لا تصمد لحظة أمام محكمة التاريخ، لأن البحرين لم تولد بالأمس، ولم تبدأ صفحاتها مع القرن العشرين، بل تمتد جذورها العربية إلى قرون طويلة، حين كانت قلب إقليم البحرين التاريخي الذي عرفته المصادر العربية والإسلامية منذ ما قبل الإسلام، وهو الإقليم الذي كان يمتد من ساحل الخليج وحتى الأحساء والقطيف، وكانت الجزيرة الحالية قلبه النابض ومحطته البحرية الكبرى.
لقد سكنت هذا الإقليم قبائل عربية عريقة، وفي مقدمتها عبد القيس وبكر بن وائل وتغلب، وهي بطون من ربيعة العدنانية، وكانت هذه القبائل صاحبة حضور راسخ في شرق الجزيرة العربية قبل الإسلام وبعده.
وعندما أشرق نور الإسلام، كانت قبيلة عبد القيس من أوائل القبائل التي وفدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، معلنة إسلامها طواعية دون قتال، فاستقبلهم النبي الكريم بقوله المعروف في كتب السيرة: «مرحباً بالقوم غير خزايا ولا ندامى».
ومن رحم هذا الانتماء العربي الأصيل، نشأت على هذا الإقليم عبر القرون دول عربية متعاقبة، حملت رايتها قبائل عربية معروفة النسب: فالعيونيون الذين أسسوا دولتهم في القرن الخامس الهجري ينتسبون إلى عبد القيس العدنانية ذاتها، ومن بعدهم العصفوريون فالجبريون، وكلاهما من بني عقيل العامرية العدنانية.
وهذا التتابع التاريخي، الذي تذكره مصادر تاريخ الإقليم، يؤكد أن من حمل راية الحكم على هذه الأرض جيلاً بعد جيل كان من أصول عربية معلومة، لا من هويات طارئة أو مجهولة النسب.
ثم جاء عهد الدولة الخليفية الحديثة، حين تمكّن الشيخ أحمد بن خليفة، الملقّب بالفاتح، من استعادة البحرين عام 1197هـ الموافق 1783م، ضمن تحالف بني عتبة العربي الذي وثّقته المصادر البريطانية والعربية على السواء، لتبدأ منذ تلك اللحظة مرحلة الدولة البحرينية الحديثة التي امتدت حتى يومنا هذا.
وعلى مدى القرون التالية، احتضنت البحرين قبائل عربية متعددة توافدت إليها من عمق الجزيرة العربية، منها الدواسر، وبني تميم، وعنزة، وبني خالد، والعجمان، والجبور، والسادة الأشراف، وغيرها من الأسر والعشائر التي أسهمت في التجارة والعلم والغوص والزراعة والإدارة وبناء المجتمع البحريني بكل تفاصيله، وكان أبناء هذه القبائل من السنة والشيعة على السواء، فالقبيلة لم تكن يوماً حكراً على مذهب واحد، وإنما كانت امتداداً طبيعياً للبيئة العربية في الخليج، يصهرها انتماء واحد للأرض والهوية.
ومن الطريف أن البعض يتحدث عن «العوائل» وكأنها شيء منفصل عن القبائل ومناقض لها، مع أن علم الأنساب العربي، وهو علم مدوّن ومحكم منذ القرون الأولى، يقرر أن العائلة فرع من فخذ، والفخذ من بطن، والبطن من قبيلة.
فالقبائل لا تتعارض مع العوائل، بل العوائل هي الامتداد الطبيعي والتفصيلي لها، والتمييز بينهما لا يعدو كونه لعباً بالمصطلحات لا حجة تاريخية.
ولم يكن البحرينيون يوماً أسرى للانتماءات الضيقة، فقد انصهرت كل هذه المكونات القبلية والعائلية، بسنّتها وشيعتها، تحت راية وطن واحد، وهو ما أكده دستور مملكة البحرين ذاته حين نص في مادته الأولى بوضوح لا يقبل التأويل على أن «مملكة البحرين دولة عربية إسلامية مستقلة ذات سيادة كاملة».
وهذا النص الدستوري ليس مجرد عبارة شكلية، بل هو إقرار سيادي بهوية الدولة وانتمائها التاريخي والعربي الذي لا يحتمل المزايدة.
إن الاعتزاز بالجذور العربية والقبلية لا يتعارض مع المواطنة الحديثة، كما أن الاعتزاز بالعائلة لا يلغي التاريخ ولا يُسقطه.
فالدولة الحديثة تقوم على المواطنة والقانون والمؤسسات، أما التاريخ فهو ذاكرة الشعوب وسجلّها الذي لا يُمحى، ولا يمكن أن يُطوى بجملة عابرة تُقال في مجلس، أو برأي يتكرر دون سند.
ومن أراد أن يكابر ويقول إنه لا توجد قبائل في البحرين، فليخبرنا بإجابة تاريخية موثقة: من هم عبد القيس وبكر بن وائل الذين استقبلهم رسول الله بنفسه؟ ومن أقام الدولة العيونية والعصفورية والجبرية على هذه الأرض قروناً؟ ومن هم بنو عتبة الذين استعادوا البحرين عام 1783م بوثائق مؤرَّخة ومحفوظة؟ ومن أين جاءت الدواسر وبنو تميم وعنزة وبنو خالد التي تعيش بيننا اليوم بأسمائها وأنسابها المعروفة؟التاريخ لا يخاصم أحداً، لكنه لا يجامل أحداً أيضاً، ولا يرضى أن يُعاد كتابته بجملة تُقال على عجل في مجلس.
فالقبيلة جزء من الذاكرة، والعائلة جزء من المجتمع المعاصر، أما البحرين فهي البيت الكبير الذي يتسع للجميع، بسنّته وشيعته، بقبائله وعوائله، وستبقى عربية الهوية، خليجية الانتماء، موحدة بأهلها، كما كانت عبر القرون، وكما نصّ عليها دستورها، وكما سطّرها تاريخها الذي لا يُزوَّر.
هذا الموضوع من مدونات القراء ترحب" البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected].

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك