العربي الجديد - مهاجم ساحل العاج المشارك في المونديال يخضع لتحقيق في قضية مراهنات التلفزيون العربي - فن وحرفة.. حلاق ليبي يحوّل شَعر زبائنه إلى رسومات عن كأس العالم العربية نت - المغرب يرتقي إلى أفضل تصنيف في تاريخه بعد تعادل البرتغال رويترز العربية - مسؤول أمريكي: ترامب وبزشكيان وقعا مذكرة التفاهم الأربعاء قناة الجزيرة مباشر - أكسيوس: ترمب وقع شخصيا نسخة من الاتفاقية وأرسلت صورة منها لإيران والوسطاء روسيا اليوم - جرائم كييف.. إمعان في السلوك الإرهابي الجزيرة نت - حماس: توافقات واسعة مع الوسطاء بشأن تنفيذ اتفاق غزة روسيا اليوم - خلاف داخل إسرائيل بشأن عرض ترامب ترك مهمة التعامل مع حزب الله للجيش السوري والشرع فرانس 24 - مونديال 2026: إنكلترا تثأر من كرواتيا في فوز مثير 4-2 روسيا اليوم - شيخ الأزهر يعلق على اتفاق أمريكا وإيران
عامة

سوريا: شعبٌ ما زال يعيش داخل أسئلته الكبرى

القدس العربي
القدس العربي منذ ساعتين
1

في علم السياسة المقارن، تمر الثورات عادةً بمراحل معروفة ومتوقعة: الاندلاع، والذروة، والتحوّل، ثم الانتقال إلى التاريخ. تنتقل من الشوارع إلى الكتب المدرسية، ومن الحناجر إلى النصب التذكارية، ومن اللغة ا...

في علم السياسة المقارن، تمر الثورات عادةً بمراحل معروفة ومتوقعة: الاندلاع، والذروة، والتحوّل، ثم الانتقال إلى التاريخ.

تنتقل من الشوارع إلى الكتب المدرسية، ومن الحناجر إلى النصب التذكارية، ومن اللغة الحية إلى اللغة الأكاديمية الباردة.

وهكذا، يصبح الشهداء أسماءً على جدران، وتصبح المبادئ خطاباً رسمياً، وتتحول الأسئلة الكبرى إلى إجاباتٍ جاهزة تُحفظ في المناهج ولا تُعاش في الوجدان.

هذا ما حدث في فرنسا بعد 1789 ـ حين تحولت «الحرية، المساواة، الإخاء» من صرخةٍ في الشوارع إلى شعارٍ على الطوابع البريدية.

وفي روسيا بعد 1917ـ حين تحوّل لينين من ثائرٍ حي إلى تمثالٍ في الساحات العامة.

وفي إيران بعد 1979 ـ حين جرى تحنيط الثورة في دستورٍ ديني أُغلق باب تفسيره على غير المعممين.

لكن سوريا، كعادتها، لم تقرأ الكتاب نفسه!اليوم، بعد أكثر من أربعة عشر عاماً على انطلاق الثورة السورية، وبعد عام ونصف على تحرير دمشق، ما زالت كلمة «الثورة» تُتداول في اللغة اليومية للسوريين بكثافةٍ لا نظير لها في أي تجربة ثورية معاصرة، وهي ليست كلمةً في خطابٍ رسمي، ولا شعاراً في مناسبةٍ وطنية، وإنما هي مفردةٌ حية في النقاشات اليومية، حول موائد الطعام وفي تعليقات فيسبوك وفي المقاهي وفي خلافات العائلة.

وما زال الشهداء يحضرون في النقاشات السياسية، ليس كرموزٍ جامدة، وإنما كحججٍٍ حية يُستشهد بها في الخلافات حول الدستور والقانون وشكل الدولة.

فحين يُذكر اسم عبد الباسط الساروت في نقاشٍ سياسي سوري، مثلاً، لا يُذكر كتاريخ، وإنما كمعيار.

كأنه ما زال جالساً بيننا يسأل: هل هذا ما ضحينا من أجله؟ هذه ظاهرةٌ فريدة في التاريخ الثوري المعاصر، وهي تستحق التأمل الفلسفي قبل الحكم السياسي.

كتب الفيلسوف الألماني هيغل، يوماً، أن الروح لا تتقدم إلا من خلال التناقض، من خلال الصراع بين الفكرة ونقيضها، حتى تنبثق فكرةٌ أرقى وأعمق.

وما يجري في سوريا اليوم، بكل صخبه وخلافاته وانقساماته، يشبه، بشكلٍ لافت، هذه الديالكتيكية الهيغلية في أجلى صورها.

فالسوريون لا يختلفون على المصالح فحسب، بل يختلفون على المعنى.

على ماهية الحرية، وشكل العدالة، ومفهوم الكرامة، وطبيعة الدولة التي تستحقها دماء الشهداء.

وهذا النوع من الخلاف، المرهق والصاخب والمتشعب، هو في الحقيقة علامةٌ على شعبٍ لم يُفرّغ ثورته من محتواها، ولم يقبل بالتسوية الرخيصة التي تستبدل المبادئ بالمناصب والقيم بالامتيازات.

في الفلسفة السياسية، ثمة فرقٌ جوهري بين ما يسميه هابرماس «التواصل الأداتي»، حيث يتفاوض الناس على المصالح، و»التواصل التداولي»، حيث يسعى الناس معاً إلى بناء فهمٍ مشترك للحقيقة والقيمة.

ومعظم المجتمعات الغربية الناضجة اليوم تعيش في النوع الأول.

أما السوريون، فما زالوا في خضم النوع الثاني، رغم تكلفته العالية، هو الأكثر أصالةً وجمالاً إنسانياً.

ثم إن الخلاف السياسي، في معظم دول العالم اليوم، هو خلافٌ على المصالح: من يأخذ كم؟ ومن يحكم من؟ وأي مجموعة تكسب على حساب أي مجموعة؟ أما في سوريا، فما زال الخلاف في جوهره خلافاً على القيم والمعاني: ما الذي تعنيه الحرية فعلاً؟ كيف تبدو الدولة العادلة التي ضحى من أجلها مئات الآلاف؟ وكيف نبني مجتمعاً يليق بتضحياتٍ بهذا الحجم؟هذا يذكّرنا بما شهدته فرنسا في سنواتها الثورية الأولى، حين كان الجدل الفلسفي حول طبيعة الجمهورية والحرية والمساواة يشغل الشوارع والمقاهي والجمعية الوطنية في آنٍ واحد، أو بما شهدته الولايات المتحدة في سنوات التأسيس، حين تجادل الآباء المؤسسون بضراوةٍ حول معنى «الحرية» و»الحقوق» و»الشعب».

الفارق أن تلك النقاشات نُسيت جزئياً أو جُمِّدت في وثائق دستورية، بينما نقاش السوريين ما زال حياً ومتجدداً وغير مكتمل.

صحيحٌ أن هذا الواقع مُرهق.

وصحيحٌ أن الصخب والانقسام والجدل اليومي يدفع كثيرين إلى التذمر، ومنهم من يعتبره دليلاً على فشل الانتقال السياسي، أو ضعف الوعي الجمعي، أو غياب الثقافة الديمقراطية،لكن القراءة الأعمق، تاريخياً وفلسفياً، تقول عكس ذلك تماماً.

شعبٌ كامل ما زال يعيش داخل ثورته، ما زال يناقش الحرية وكأنها سؤالٌ مفتوح، وليس إجابةً جاهزة.

ما زال يحمل شهداءه في الضمير الجمعي، يرفض، أن يُحنَّط في دستورٍ يُغلق الأسئلة بدلاً من أن يفتحهافحين زار المفكر الفرنسي توكفيل أمريكا في القرن التاسع عشر، لاحظ أن ما يجعل الديمقراطية الأمريكية حيةً ليس غياب الخلاف، وإنما كثرته وعمقه وانتشاره في كل طبقات المجتمع.

وكتب أن الشعب الذي يتوقف عن النقاش العام هو شعبٌ بدأ يفقد حريته من الداخل قبل أن يفقدها من الخارج.

والحقيقة أن الإرهاق الذي يشعر به السوريون اليوم ليس إرهاق شعبٍ يدور في حلقات مفرغة.

بقدر كونه إرهاق شعبٍ يحمل أسئلةً أكبر من طاقة جيلٍ واحد.

وهذا النوع من الإرهاق هو الثمن الحقيقي للحرية، لا عَرَضٌ من أعراض الأزمة.

والأهم من ذلك: أن الشعوب التي تتعب من أسئلتها الكبرى وتتخلى عنها سريعاً، هي الشعوب الأكثر عرضةً للاستبداد، لأن الاستبداد لا يُبنى على شعبٍ يجادل، وإنما يُبنى على شعبٍ تعب من الجدال وقَبِل بالسكوت ثمناً للراحة.

وثمة، هنا، مفارقةٌ لافتة يغفل عنها كثيرون: فالدول التي نعتبرها اليوم نماذج للاستقرار السياسي، كهولندا وسويسرا والدنمارك، مرّت في مراحل تأسيسها بعقودٍ من الصراع الداخلي المرير حول الهوية والقيم وشكل الدولة.

وعليه، فما نراه في سوريا اليوم ليس استثناءً في مسيرة الشعوب نحو الحرية، وإنما هو القاعدة التاريخية لكل مجتمعٍ يبني نفسه من الصفر بعد انهيار الاستبداد.

الفارق الوحيد أن سوريا تفعل هذا في عصر السوشيال ميديا، حيث يُرى كل خلافٍ داخلي على الملأ، ويُحكم عليه في الوقت الفعلي، ما يجعله يبدو أكثر فوضويةً مما هو عليه في الحقيقة.

والحالُ أن ما يجري في سوريا اليوم، بكل تعقيداته وخلافاته وانقساماته، ليس استثناءً يجب الاعتذار عنه أو تجاوزه بسرعة.

وإنما هو ظاهرةٌ سياسية وفلسفية فريدة تستحق الدراسة والإعجاب قبل الحكم والإدانة.

شعبٌ كامل ما زال يعيش داخل ثورته، لا خارجها.

ما زال يناقش الحرية وكأنها سؤالٌ مفتوح، وليس إجابةً جاهزة.

ما زال يحمل شهداءه في الضمير الجمعي، وليس في المتاحف فقط.

وما زال يرفض، بوعيٍ أو بغير وعي، أن يُحنَّط في دستورٍ يُغلق الأسئلة بدلاً من أن يفتحها.

هذه ليست نقطة ضعف تحتاج إلى علاج.

هذه نقطة قوة تحتاج إلى إدراك.

لأن الشعوب التي تتوقف عن الاختلاف على قيمها هي الشعوب التي تتوقف عن النمو.

وسوريا بكل ما فيها من إرهاقٍ وجمال ما زالت تنمو!

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك