قد تبدو الواقعية التعبيرية في الفن كنزوع الكامن المنطوي في النفس الانسانية نحو التحقق والتجسد في مساحات اللوحة، والتكريس في مجال الفن، كما أن هذا الكمون ليس للذات الفردية فقط في تطلعها نحو آفاق رحيبة ممكنة، بل الذات الجمعية التي تخص المجتمعات، ومخاضاتها العامة في الوجود والموقع الثقافي من الآخر، ومن ثم فالفنان التعبيري مهما أوتي من عاطفة مشبوبة، تمثل وعيه الفني وطاقته الوجدانية، فهي في النهاية محصلة جامعة لا تنفصل عن تطلع مجتمعه ونشدان الحياة لدى فئات واسعة منه.
ولعل مثل هذا الشأن، يغدو جلياً ومقارناً، حين تشاهد معرضاً تشكيلياً تعبيرياً في كردستان العراق، فاللوحة المجتمعية التعبيرية الكردستانية، لا تخفى على زائر مدن السهول الجبلية والمساحات الربيعية الخضر، التي تزدهي بجمال أخاذ وسط فعالية بشرية تحتفي بالطبيعة، لكنها لم تنس وتؤكد سرديتها العامة بأنها مكلومة بأثر بربري للإبادة والانفال، وكأن الاحتفاء بالمساحات الخضر، هو شكل تعبيري للظفر شبه النهائي والحذر من ويلات المستبدين وعدم نسيان أفعالهم الوحشية، فلم يزل اللون الأزرق الرمادي الكابي، يتسلل بين ثنايا الطبيعة الخضراء، ومساحات اللوحة المشرقة، ويخفي مواقد الذات الجمعية في «كوانين» الطغاة.
وعبر هذه التعبيرية المقارنة بين لوحتين، بين الواقع والفن كما ترى هذه القراءة، أقام الفنان الكردي ستار قادر معرضه التشكيلي الأخيرـ في قاعة المتحف في السليمانية من التاسع من حزيران/يونيو الجاري وحتى الحادي عشر منه، وحفلت المساحات اللونية في لوحاته، سواء كانت أفقاً او سماء بعيدة لا متناهية بخطوط معتمة تنطوي على أسى وندوب حزن عميق، في الوقت الذي تخفي شخصياتها التعبيرية في مكان ما من اللوحة، تطلعاً ونشداناً يتخطيان وطأتها الراهنة، وإذا كان الجسد الطافح بالرغبة يبدو سجين ورهين المكان الموحش، غير أنه يرقب وينتظر أفقه الذي تنقله إليه الإضاءة اللونية المشرقة والمشهد البصري الوردي، مثل صراع محتدم بين الداخل الحزين والخارج المنفتح على الطبيعة الخضراء.
إن البساط الوردي للطبيعة الخلابة في عدد من اللوحات، يتحرك منتشراً بأزهاره القرمزية المجللة بالبياض، من خلال بؤرة اللوحة، وكلما تحركت البؤرة باتجاه معين مثل ثوب واسع وفضفاض لفتاة جميلة، انبثقت رغبة حبيسة في كل مكان، ويزيد من تقنية التعبير، أن انتشار الازهار، يتحرك بطيئاً ليسعى مجهزاً على أفق اللوحة التعبيري الأزرق المعتم، ويوشك على سد أبعاد السطح التصوري بالكامل.
وفي سياق آخر، في لوحات أخرى، يتخذ ثوب الأزهار الفضفاض وخطوطه الواسعة، استدعاءً لفكرة ما تنزل من سموها الى الأرض، عبر جذب ربما معاكس في سلالم مهيأة للنزول أكثر من الارتقاء وفكرة إنسانية جاهزة للتكامل والرسوخ الأرضيين أكثر من أن تكون غيبية ويوتوبيا شائعة.
يبدو أن أزمة أي فنان تشكيلي تعبيري، هي تجنب الوقوع في الحكي والسرد، اللذين يطغيان على موضوعة المشهد البصري المجرد، وهيمنة الحركة والشكل أكثر من معنى اللون وخاصيته في التعبير، ومع ذلك فقد استطاع الفنان قادر أن يتخطى بقدر مميز تلك الأزمة الفنية في أسلوبه من خلال المساحات اللونية المعبرة، وبناء لوحة الأفكار والرؤيا تبعاً لذلك بما يشكّل وعيه الفني وتجربته المميزة في هذا الحقل التعبيري في الرسم.
واعتمد الفنان قادر إنشائية التحليق بين أفق اللوحة، أو بعدها العميق، والكتلة اللونية التي تنطلق منها الأفكار والأحاسيس وحتى الحدوس والترقب، فكانت لوحاته تشترك في موضوعة إنسانية واحدة، تتوزع وتتكامل كلها مثل لونين متبايين، الداخل والخارج، الأرض والسماء، الأنا والآخر، الغيبي والفيزيقي، الشاهد والغائب، الواقع والفن، كما تسهم على نحو تواصلي عميق مع اللوحة التعبيرية المجتمعية في كوردستان العراق ليس على نحو مباشر بل عبر ثنائية نصية وتواصلية معاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك