خلال العقود الماضية كان واضحاً أن هناك توجها دولياً لتشجيع الأقلية على حساب الأغلبية في العالم الإسلامي، وفي القلب منه العالم العربي.
رأى الذين دعموا هذا التوجه أن ذلك سيحقق عدداً من الأهداف، في مقدمتها ضرب السنة بالشيعة، داخل الجسد العربي، لإشغال العرب والمسلمين بصراعاتهم الداخلية، ولربما استلهمت تجربة الصراعات التاريخية بين الفريقين، والنتائج التي تحصل عليها الآخر الغربي، كنتيجة لتلك الصراعات، حيث لم يبرز «التشيع السياسي» إلا وكان هناك صراع، من دون أن يعني ذلك أنه صراع بين الشيعة والسنة، بالمفهوم الديني المذهبي، ولكنه كان صراعاً بين الفريقين بالمفهوم الطائفي السياسي.
ولذا لم يكن غريباً أن يتفجر الصراع الطائفي بين المسلمين، عند بروز «التشيع الصفوي»، وقبله «التشيع الفاطمي»، وهي الصراعات التي أعاقت كثيراً القوة الإسلامية، في مواجهة التحديات العسكرية والأمنية القادمة من الضفة الأخرى للأبيض المتوسط، مع الأخذ بعين الاعتبار فترات انشغل فيها «التشيع السياسي» بمحاربة الروم البيزنطيين، كما هو الشأن عند سيف الدولة الحمداني، لأن هذا التشيع كان تشيعاً عربياً، في توجهاته، وكان في قصائد المتنبي الكثير من «الإحالات القومية»، في رسم ملامح هذا التشيع الذي لم يكن تشيعاً طائفياً، قدر ما كان «تشيعاً قومياً» إن جاز التعبير.
صحيح أن قروناً من التعايش المذهبي بين السنة والشيعة كانت هي القاعدة، لا الاستثناء، لكن الصحيح ـ للأسف ـ أن ذلك كان على مستوى «التشيع المذهبي الديني»، لا «التشيع السياسي الطائفي»، والحقيقة التي يؤيدها التاريخ أنه كلما أطل التشيع السياسي برأسه بدأ بتفجير الصراع مع المسلمين، دون غيرهم، وفي الصفويين والفاطميين أمثلة واضحة، مع التسليم بحقيقة أن الفاطميين، حاولوا صد بعض الهجمات الصليبية، على بلاد الشام.
وفي العصر الحديث هناك مثال آخر شديد الوضوح على هذه الحقيقة، حقيقة أن «التشيع السياسي» عنصر صراع، وعامل تفجير للمجتمعات العربية من داخلها، هذا المثال يتجسد في «الثورة الإيرانية»، عام 1979، وهي الثورة التي تفجرت بعدها مباشرة عدة عمليات أدت إلى الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، وكان ـ ولا يزال ـ ضمن أدبياتها «تصدير الثورة الإسلامية»، وهو المبدأ الذي تحول في بعض تجلياته إلى إنشاء المليشيات الإيرانية الولاء، في عدد من البلدان العربية.
وكأمثلة أخرى على حقيقة كون «التشيع السياسي» عامل صراع داخل الجسد المسلم بإمكاننا أن ننظر إلى دور حزب الله اللبناني في الحرب الطائفية، وكيف كانت مرجعية «شيعة لبنان»، قبل مجيء الإمام موسى الصدر إلى البلاد، ضمن مسؤوليات «دار الافتاء اللبنانية» الموحدة، إلى أن بدأ ظهور «التشيع السياسي»، بحركة أمل التي كانت فكرة الصدر، ومن ثم نشوء «حزب الله».
يمكن كذلك الاستدلال بحركة الحوثيين في اليمن، وهي الحركة المنضوية ضمن موجة «التشيع السياسي» الحديث، وقد شنت هذه الحركة حرباً متواصلة في البلاد، وتسببت في حرب أهلية قاسية، لا يزال اليمنيون يعانون من ويلاتها إلى اليوم، ويمكن الاستشهاد بمزيد من الأمثلة في العراق وسوريا، حيث شكل «التشيع السياسي»، وليس الديني عامل صراع وتفجير للمجتمعات من الداخل.
يبقى السؤال: هل يتم تحجيم «التشيع السياسي»، بعد أن أتم مهمته في تفجير الصراعات الطائفية، لكي يظل ضرره محصوراً داخل الجسد العربي الإسلامي المنهك، بعيداً عن المصالح الدولية؟بالعودة إلى الاستثمار الدولي في هذه التوجهات الطائفية يمكن بسهولة التوصل إلى نتيجة مفادها أنه كان هناك رضى دولي عن تمدد تلك التوجهات، شريطة ألا تتجاوز الحد المسموح به، وهذا الحد المسموح به هو الذي يجعل نتائج هذا التمدد تنخر في الجسد العربي، من أجل مزيد من مراكمة عوامل إضعاف هذا الجسد المثخن بجراحات كثيرة.
وقد كانت السنوات الماضية شاهدة على غض الطرف عن نمو وتمدد تلك التوجهات التي أسهمت في ما وصلت إليه المنطقة من استنزاف مادي وروحي.
واليوم، وبعد أن استنفدت تلك التوجهات الغرض المحدد، وبعد أن تجاوزت ما رسم من حدود التمدد كان لا بد من كبح جماحها، بعد أن حققت ـ بعلم منها أو من دون علم ـ ما هو مطلوب منها، وما هو مرسوم لها، من إضعاف وهدر لطاقات دول المنطقة لصالح القوى الإقليمية والدولية، التي أتاحت الفرصة لهذا التمدد، ثم رأت بعد ذلك أنه آن الأوان لمرحلة الانكماش، وكبح الجماح.
وقد كان تقدير من رسم تلك السياسات ـ دولياً وإقليمياً ـ أن الأقلية مهما كانت قوتها فإنها لن تشكل خطراً على المصالح الدولية، وأن خطرها ـ في المقابل ـ سوف يظل محصوراً على الأغلبية المحيطة، وأن تلك التوجهات يمكن تحجيمها، حالما يمتد خطرها ليشمل المصالح الإسرائيلية والدولية.
وقد أخذ راسمو تلك السياسات الدولية بعين الاعتبار تجارب التاريخ، التي كان واضحاً، من خلالها، أن دعوات «التشيع السياسي» عندما تتحول إلى دولة فإنها تتجه ـ أول ما تتجه ـ إلى محيطها السني، لضربه والتوسع على حسابه.
كانت تلك التقديرات صحيحة إلى حد كبير، حيث حدث الصراع الطائفي، وتفجرت الجروح القديمة، وتم استدعاء الصفويين والفاطميين، وتم الذهاب أبعد من ذلك إلى العلويين والأمويين، وتم الحديث عن «معسكر يزيد»، و»معسكر الحسين»، وغيرها من مفردات ومصطلحات ساعدت على تسعير الضرام الطائفي في عدد من البلدان العربية التي نشأ وتمدد فيها هذا التشيع المسيس الذي كان – ولا يزال ـ رأس مشروعه في إيران.
ويبقى السؤال: هل يتم تحجيم «التشيع السياسي»، بعد أن أتم مهمته في تفجير الصراعات الطائفية، وإضعاف الجسد العربي الإسلامي، وهل سقوط النظام السوري، وضرب حزب الله، وتحجيم المليشيات الولائية في العراق، وإضعاف الحوثيين يمثل بداية النهاية لهذه المشاريع العابرة للحدود الوطنية، والساعية ليوتوبيا «دولة الإمام»، أم أنها مجرد مرحلة يراد منها إعادة هذه التيارات للدور المرجو منها، في الاكتفاء بتسعير الصراعات الطائفية، وعدم التعرض للمصالح الدولية؟يظل السؤال مفتوحاً على احتمالات مختلفة، لكن الواقع أن الضربات التي تعرض لها هذا التشيع السياسي تنبئ عن محاولات إبعاد ضرره عن المصالح الدولية، ليكتفي بدوره التقليدي في إذكاء الحروب والصراعات، داخل الجسد العربي والمسلم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك