القاهرة ـ «القدس العربي»: شهدت فضاءات العرض البديلة والمستقلة في منطقة «وسط البلد» في العاصمة المصرية القاهرة، مساء الثلاثاء، انطلاق سلسلة من الفعاليات والمعارض التشكيلية المعاصرة التي تنظمها تجمعات شبابية من الفنانين البصريين.
وتأتي هذه العروض لتقدم قراءة بصرية ومفهومية مغايرة تبتعد عن القوالب الكلاسيكية، وتضع «تحولات المدينة المعمارية وسيكولوجية سكانها» تحت مجهر النقد الفني.
المعارض التي افتتحت أبوابها، وجذبت قطاعاً واسعاً من النقاد والمهتمين بالحراك الثقافي المستقل، لا تقف عند حدود عرض اللوحات التقليدية، لكنها تعتمد بشكل أساسي على التجهيز في الفراغ والفنون التركيبية، والوسائط المتعددة بالإضافة إلى الفوتوغرافيا التوثيقية؛ مما يمنح المتلقي تجربة بصرية وحسية تشتبك مباشرة مع واقع مجاله الجغرافي المعاش.
يركز صناع هذا الحراك التشكيلي من جيل الشباب على ثيمة أساسية ومحورية، وهي رصد وتوثيق الأثر النفسي والاجتماعي (السوسيولوجي) للتغيرات العمرانية المتسارعة التي شهدتها القاهرة في السنوات الأخيرة.
فمن خلال زوايا تصوير مبتكرة وتراكيب بصرية معقدة، يحاول الفنانون تتبع ملامح الفقد والتحول في هوية العاصمة البصرية؛ حيث يُعاد تفكيك علاقة المواطن بالشجرة، والرصيف، والمبنى التاريخي، والمساحات المفتوحة التي طالما شكلت وجدان «القاهريين» لقرون.
ويرى نقاد تشكيليون شاركوا في الندوات النقاشية المصاحبة للمعارض، أن الأعمال المعروضة تمثل صرخة فنية جادة لإنقاذ «الذاكرة البصرية الجمعية» من خطر الطمس والتنميط.
فالأعمال لا تتباكى على الماضي بروح «النوستالجيا» الاستهلاكية، بل تحاكم الحاضر وتطرح تساؤلات مشروعة حول مستقبل الفضاء العام، وكيف يمكن للإنسان العربي أن يحافظ على اتزانه النفسي والروحي في بيئة يطغى عليها التمدد الإسمنتي الجاف وغياب المساحات المشتركة الحرة.
أحد أبرز ملامح هذا الحدث الفني هو الإصرار الجماعي على اختيار فضاءات عرض بديلة ــ مثل الشقق القديمة ذات الطراز المعماري الكولونيالي، أو الورش الصناعية المهجورة وسط العاصمة ــ والابتعاد الكامل عن قاعات العرض الحكومية التابعة للمؤسسة الرسمية، أو الغاليريات التجارية النخبوية.
هذا التمرد المكاني يفسره المنظمون على أنه رغبة حقيقية في تحرير الفن التشكيلي من أسواره الطبقية، ودمجه في الحياة اليومية لعابري السبيل وسكان وسط المدينة.
فالهدف لم يعد نيل رضا لجان التحكيم أو بيع اللوحات بأسعار فلكية، بل فتح حوار مفتوح وصادق مع الشارع، ومخاطبة الجمهور العادي الذي يُعد المتأثر الأول والمسؤول الأخير عن تشكيل ملامح المدينة.
وظف الفنانون أدوات العصر التقنية بشكل لافت؛ حيث دمجت بعض العروض بين التسجيلات الصوتية الحية لضوضاء الشارع القاهري (من أصوات الباعة وأبواق السيارات والتهدم البنائي) وبين المجسمات البصرية؛ مما خلق حالة من «السينوغرافيا التفاعلية» تجعل الزائر يشعر وكأنه يسير في قاهرة موازية، يعاد تركيبها وتفكيكها أمامه.
يظل هذا الحراك التشكلي المستقل، الذي تتزامن عروضه مع نقاشات ثقافية واسعة في مصر حول قضايا الهوية والمعمار، نموذجاً حياً لقدرة الفن على التحول إلى وثيقة تاريخية وإنسانية.
إنها سيناريوهات بصرية مكتوبة بأيدي جيل يرفض أن يكون مجرد شاهد صامت على تغير ملامح مدينته، فيختار الكاميرا، والضوء، والمجسم، ليعيد كتابة قصة القاهرة برؤية فنية باقية للزمن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك