كشف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في المغرب، أن عدد الجرائم المرتبطة بالعنف في المدن ارتفع من 46 ألفاً و553 عام 2023 إلى 60 ألفاً و54 عام 2024، بزيادة تجاوزت 29% خلال سنة واحدة.
وأكد استمرار المنحى التصاعدي خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2025.
وأكد المجلس، وهو مؤسسة استشارية دستورية للحوار والتشاور وتقديم المقترحات، في دراسة أصدرها الأربعاء الماضي بعنوان" السلوك المدني في الفضاءات العمومية: نحو ترسيخ قيم المواطنة في خدمة التنمية المستدامة"، أن العنف لم يقف عند حدود العنف الجسدي، إذ ارتفعت حالات التحرش بشكل ملحوظ، من 1674 عام 2023 إلى 2657 في العام التالي، وتواصل أيضاً المنحى التصاعدي في الأشهر الثمانية الأولى من عام 2025 بـ2822 حالة.
وفي قراءة لهذه الأرقام، رفض المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي اختزال المسألة بمجرد ظاهرة أمنية، وأكد أنها" تعكس في العمق أزمة في منظومة التنشئة الاجتماعية وتراجعاً في قيم العيش المشترك".
وربط السلوك بمجموعة محددات بنيوية أبرزها التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية، وضعف التأطير المؤسساتي، وتنامي التأثيرات السلبية للفضاء الرقمي على أنماط السلوك الفردي خصوصاً لدى الشباب.
وبينما تشير أرقام العنف في المجال الحضري بالمغرب إلى تحوّل في التبليغ عن المخالفات والجرائم، وتطور في آليات المراقبة وأولويات تدخل السلطات العمومية للحدّ من الأفعال الماسة بالنظام العام وسلامة الأشخاص والممتلكات، يرى المجلس أن الانتقال الفعلي إلى فضاء عمومي أكثر أمناً لن يتحقق عبر تكثيف الإجراءات الأمنية فقط، بل يستدعي استراتيجية وطنية شاملة ترتكز على التعليم والتحسيس والقدوة المؤسساتية الحسنة.
وبالنسبة إلى رئيس المركز المغربي للمواطنة (غير حكومي)، رشيد الصديق، تعكس المؤشرات الخاصة بتصاعد العنف داخل المدن منحى يستحق التوقف عنده بجدية، خصوصاً أن نسبة الارتفاع المسجلة خلال سنة واحدة ليست قليلة.
ويلفت إلى أهمية التعامل مع الأرقام بمنطق التحليل وليس بمنطق التهويل، لأن العنف الحضري ظاهرة معقدة وذات أبعاد متعددة، ولا يمكن اختزال أسبابها في عامل واحد أو ظرفية معينة.
ويوضح لـ" العربي الجديد"، أن" المدن المغربية تشهد تحوّلات اجتماعية سريعة تترافق مع تغيّر في أنماط التنشئة الاجتماعية وأدوار بعض المؤسسات التقليدية، وعلى رأسها الأسرة والمدرسة، ما يؤثر على عملية ترسيخ قيم الاحترام والانضباط وحلّ بعض الفئات، خصوصاً الشباب، النزاعات بطرق سلمية".
ويرى أن" عوامل الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية تبرز بوصفها أحد المحددات المهمة للظاهرة، من خلال البطالة، وضعف الإدماج الاقتصادي والاجتماعي، والشعور بالإقصاء أو فقدان الأفق لدى بعض الشباب.
وهذه الأوضاع قد تساهم في تنامي مشاعر الإحباط والتوتر وتزيد قابلية بعض الأفراد للانخراط في سلوك العنف والإجرام.
أيضاً تساهم اختلالات ترتبط بالمجال الحضري نفسه في تغذية هذا المنحى، والأحياء التي تعاني من ضعف التجهيزات أو تدهور الفضاءات العمومية أو محدودية الخدمات والمرافق الموجهة إلى الشباب تكون أكثر عرضة لظهور بعض مظاهر الانحراف والعنف.
وتؤكد دراسات عدة أن جودة الفضاء الحضري والإحساس بالنظام والأمن يلعبان دوراً مهماً في الحدّ من السلوك المنحرف".
ويؤكد الصديق أنه" لا يمكن تجاهل تأثير عوامل ترتبط بتعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية، وتنامي بعض أشكال العنف الرمزي واللفظي عبر الفضاء الرقمي التي قد تنتقل أحياناً إلى الواقع وتتحوّل إلى ممارسات عنيفة داخل الفضاءات الحضرية.
ويقتضي فهم هذه الظاهرة اعتماد مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار مختلف المحددات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمؤسساتية التي تؤثر في السلوك داخل المجال الحضري، بعيداً عن أي تفسير أحادي أو اختزالي".
ويرى أن" مواجهة العنف داخل مدن المغرب والسيطرة عليه وتقليصه تتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الحلّ الأمني وحده، رغم أهميته في حماية المواطنين وحفظ النظام العام، وتعزيز فعالية السياسات الأمنية والوقائية، وضمان التطبيق العادل والحازم للقانون، ما يعزز الشعور بالأمن ويرسّخ الثقة بالمؤسسات ويحدّ مظاهر الإفلات من العقاب".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك