لم تعد" الهوسة" تقتصر على مضارب العشائر أو ساحات المناسبات الشعبية في مناطق جنوبي العراق ووسطه، فالإيقاع الحماسي الذي ارتبط لعقود بالمناسبات الاجتماعية، وبالحروب والبطولات، انتقل من فضائه المحلي إلى الفضاء الرقمي عبر الهواتف، ما جعله أحد أبرز أشكال التراث الشعبي العراقي انتشاراً.
والهوسة هي أهازيج لها إيقاع خاص ترافقها حركات متناسقة يمارسها الرجال في الأعراس والمهرجانات والتجمعات العائلية، وفي بعض الفعاليات الرسمية، لإثارة الحماس واستحضار إرث ذاكرة ممتدة عبر القرون.
ويقول الباحث في التراث العراقي أحمد الحيالي لـ" العربي الجديد"، إن الهوسة تمثل أحد أقدم أشكال التعبير الشفهي، وتعود جذورها إلى مئات السنين، إذ كانت قبائل العراق تستخدمها لتوثيق البطولات والمواقف الكبرى، ونقل الأخبار، وتحفيز المقاتلين في أوقات النزاع، وهي جزء أصيل من الذاكرة الثقافية والاجتماعية، وسر بقائها يكمن في قدرتها على إثارة المشاعر الجماعية، إذ تمنح شعوراً بالانتماء، وبالتفاعل المشترك.
ويضيف الحيالي: " ليست الهوسة مجرد كلمات تُلقى بإيقاع جماعي، بل سجل اجتماعي وثقافي يحمل قيماً ومعاني تتعلق بالشجاعة والكرم والانتماء والتضامن، وتمتلك كل قبيلة أو منطقة هوساتها الخاصة التي تعبر عن هويتها وتاريخها، فيما كانت بعض الأهازيج تتنقل بين المناطق لتصبح جزءاً من الذاكرة الشعبية المشتركة.
تطورت الهوسة مع الزمن، وانتقلت من ساحات القتال والمناسبات العشائرية إلى الأعراس، والاحتفالات الدينية والاجتماعية، ثم وجدت لنفسها مساحة على شبكة الإنترنت، ما سمح بوصولها إلى الأجيال الشابة التي لم تكن على تماس مباشر معها".
بدوره، يؤكد الموسيقي محمد السلطان، أن أهازيج جنوب العراق تمتلك عناصر فنية تجعلها قادرة على الوصول إلى جمهور واسع، حتى خارج البيئة العراقية.
ويوضح لـ" العربي الجديد" أن" الإيقاع القوي والمتكرر يمثل العنصر الأبرز في نجاح هذا اللون الفني، إذ يستطيع المستمع التفاعل معه حتى لو لم يفهم الكلمات، على غرار الكثير من الموسيقى الشعبية الرائجة حول العالم، ومنصات التواصل الاجتماعي ساهمت في نقل الهوسة من إطارها المحلي إلى الفضاء العالمي، خاصة مع انتشار مقاطع الفيديو القصيرة (ريلز) التي تركز على اللحظات الحماسية والمؤثرة، وهي لحظات تتقن الهوسة صناعتها بامتياز".
ويشير السلطان إلى أن" بعض الهوسات الشعبية العراقية حققت انتشاراً استثنائياً خلال السنوات الأخيرة، ومن بينها أهزوجة (جيناك بهاية وأهلك وفاية) التي حصدت ملايين المشاهدات، وجرى تناقلها على نطاق واسع داخل العراق وخارجه، وأصبحت من أكثر المقاطع تداولاً في المناسبات المختلفة، وعلى منصات متعددة.
ما يجذب الجمهور الأجنبي هو الطاقة الجماعية التي تنقلها الأهازيج، إلى جانب الأداء الحركي والتفاعل الجماهيري الذي يرافقها، ما يجعلها تجربة بصرية وسمعية متكاملة".
وانعكس الانتشار المتزايد بصورة مباشرة على أصحاب المهنة أنفسهم، وفي مقدمتهم" المهاويل"، وهم من يكتبون ويرددون هذه الأهازيج.
يقول المهوال علي الشمري لـ" العربي الجديد"، إنه بدأ ممارسة هذا الفن منذ سنين طويلة متأثراً بأفراد من عائلته كانوا يرددون الهوسات في المناسبات الاجتماعية والعشائرية.
موضحاً أن" مهمة المهوال لا تقتصر على رفع الصوت أو ترديد الكلمات، بل تتطلب القدرة على كتابة النصوص، وصياغة الصور الشعرية، واختيار المفردات التي تلائم كل مناسبة، فلكل حدث طبيعته الخاصة، وهناك أهازيج للأعراس، وأخرى للمناسبات الاجتماعية، أو للمواكب، أو المواقف العشائرية، ويحتاج المهوال إلى معرفة واسعة بالعادات والتقاليد، وبطرق مخاطبة الجمهور".
ويشرح الشمري: " شهرتي زادت بعد انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، فقبل سنوات كانت الدعوات تقتصر على مناطق معينة، أما اليوم، فأتلقى دعوات من محافظات مختلفة، وأحياناً من مناطق لا تُعد الهوسة جزءاً من تراثها المحلي، إذ بات الناس يطلبون هذا اللون الفني لأنه يخلق أجواء من الحماس والتفاعل".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك