إسلام مشهور.
ضابط شاب اختار طريقًا لم يكن سهلًا يومًا، طريقًا يبدأ بالواجب وينتهي أحيانًا بالشهادة، حمل روحه على كفه منذ تخرجه في كلية الشرطة، وعاش مؤمنًا بأنّ خدمة الوطن ليست وظيفة، بل رسالة يدفع أصحابها أثمانًا باهظة دفاعًا عن الآخرين.
وتأتي حكايته بالتزامن مع ذكرى ثورة 30 يونيو، تلك اللحظة التي استعادت فيها الدولة المصرية توازنها وبدأت معركة طويلة ضد الإرهاب والتطرف، معركة وقف فيها رجال الجيش والشرطة في الصفوف الأولى، وقدّموا خلالها مئات الشهداء الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لاستقرار الوطن وحماية شعبه.
نشأ إسلام في بيت عسكري منضبط، فوالده أحد رجال القوات المسلحة الذي وصل إلى رتبة لواء، وتأثر الابن منذ صغره بما رآه من التزام واحترام للناس وانضباط في العمل، فقرر أن يسير على الطريق ذاته لكن من بوابة كلية الشرطة.
تخرج الضابط الشاب والتحق بالعمل في قطاع الأمن العام بقسم شرطة الزاوية الحمراء، وهناك حمل معه وصية والده التي لم تغب عن ذهنه يومًا: «عامل الناس باحترام يا إسلام ومتظلمش حد»، فكانت تلك الكلمات دستورًا في حياته المهنية والإنسانية.
انتقل بعد ذلك إلى قطاع الأمن المركزي بمعسكر الشهيد سلامة عبدالرؤوف، وهناك عرفه زملاؤه بلقب «خريج المدرعة»، وشارك في العديد من المأموريات والمداهمات الأمنية التي استهدفت العناصر الإرهابية والخارجة عن القانون.
لم يكن إسلام بطلا داخل العمل فقط، بل كان صاحب قلب رحيم خارج ساعات الخدمة، حيث اعتاد مع عدد من زملائه تخصيص جزء من رواتبهم لكفالة الأيتام ومساعدة المحتاجين والتصدق عقب كل مأمورية ناجحة.
كان الشهيد شديد التعلق بأسرته، بارًا بوالدته إلى أبعد الحدود، يردد دائمًا أنّها أقرب الناس إلى قلبه، ويحرص على إدخال السعادة إلى نفسها في كل مناسبة، كما كان يستعد لبدء حياة جديدة بعد أشهر قليلة من خطبته وقبل موعد زفافه المنتظر.
في التاسع عشر من أكتوبر عام 2017 أجرى والده اتصالًا هاتفيًا به للاطمئنان عليه، فأخبره بأنّه موجود داخل القطاع وسيعود إلى المنزل في اليوم التالي، لم يكن أحد يعلم أنّ تلك الكلمات ستكون الأخيرة.
وفي صباح العشرين من أكتوبر تحركت قوة أمنية إلى منطقة الواحات لمداهمة وكر إرهابي شديد الخطورة تابع لعناصر تكفيرية مسلحة، وكانت واحدة من أصعب المواجهات التي خاضتها أجهزة الأمن في حربها ضد الإرهاب.
وسط تبادل كثيف لإطلاق النيران، قاتل الضباط والجنود ببسالة في مواجهة العناصر الإرهابية، وكان النقيب إسلام مشهور بين الرجال الذين تقدموا إلى الصفوف الأولى غير عابئين بالخطر.
هناك، في قلب الصحراء، ارتقى الشهيد بعد أن نطق الشهادتين، وسقط جسده الطاهر بينما ظل اسمه حاضرًا في سجل الأبطال الذين دفعوا حياتهم دفاعًا عن الوطن.
تلقت أسرته نبأ استشهاده وسط صدمة وحزن كبيرين، لكن الفخر كان حاضرًا كذلك، فابنهم رحل وهو يؤدي واجبه في واحدة من أعنف المعارك ضد الإرهاب.
لم تتوقف القصة عند لحظة الاستشهاد، إذ واصلت أجهزة الدولة ملاحقة العناصر الإرهابية المتورطة في الهجوم، وتمكنت وزارة الداخلية بالتنسيق مع القوات المسلحة من تتبع الجناة وتوجيه ضربات قوية لهم وتحرير النقيب محمد الحايس والقضاء على عدد من أخطر العناصر الإرهابية.
كما ألقي القبض على الإرهابي الليبي عبدالرحيم المسماري أحد المشاركين في الهجوم، وصدر بحقه حكم بالإعدام بعد إدانته في القضية.
رحل إسلام مشهور قبل أن يرتدي بدلة زفافه بـ3 أشهر فقط، لكنه ارتدى ما هو أبقى وأشرف، ثوب الشهادة.
لم يكن يبحث عن بطولة أو شهرة، ولم يغادر منزله وهو يعلم أن ذلك اليوم سيكون الأخير في حياته، لكنه فعل ما اعتاد أن يفعله دائمًا، ذهب إلى واجبه.
رحل «خريج المدرعة» وبقي اسمه محفورًا بين أبطال الواحات، شاهدًا على جيل من رجال الشرطة واجه الإرهاب بصدور مفتوحة وإيمان لا يتزعزع، وبقيت حكايته تروي للأجيال أن هناك رجالًا اختاروا الوطن أولًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك