غير أن خلف هذا المشهد البروتوكولي تكمن تفاصيل دقيقة تكشفها قراءة متعمقة لتصريحات الباحث في شؤون الشرق الأوسط بمركز الإمارات للدراسات الاستراتيجية خميس آل علي، ورئيس المجلس الاستشاري بجامعة ماريلاند فرانك مسمار، خلال حديثهما إلى" رادار" على سكاي نيوز عربية، حيث تتقاطع حسابات الانتخابات الأميركية مع مأزق طهران الاقتصادي والداخلي، وسط تكتم متعمد من الوسطاء، وجدل لم يحسم بعد بين صقور الحسم العسكري وصقور الحل الدبلوماسي.
اللقطة الختامية.
من الحرب إلى مذكرة تفاهميرى آل علي أن المشهد الراهن يجسد اللحظة التي انتظرها ترامب منذ بداية الحرب: خروج شخصية إيرانية لتوقيع" صفقة من نوع ما" معه.
ويوضح أن هذه الصفقة تتمثل في مذكرة تفاهم تنهي الحرب وتعيد فتح مضيق هرمز، على أن تؤجل القضايا الخلافية الحساسة إلى مرحلة الستين يوماً المقبلة.
وبهذا تكون المنطقة قد انتقلت من الحرب إلى التفاوض على إنهائها خلال الهدنة، تمهيداً للتفاوض على تسوية نهائية شاملة.
تنازلات متبادلة وسؤال استراتيجي عن مستقبل طهرانيشير آل علي إلى أن الطرفين اقتنعا بضرورة الوصول إلى أرضية مشتركة: فواشنطن قدمت" تنازلا استراتيجياً" بقبولها التفاوض مع القيادة الجديدة في طهران، في حين يمثل توقيع إيران مذكرة التفاهم مع إدارة قتلت المرشد علي خامنئي قبل 3 أشهر، ولم يدفن إلى اليوم، تنازلا كبيراً من جانبها.
ويطرح سؤالا استراتيجيا مفتوحا: هل تختار القيادة الجديدة استعادة قدراتها العسكرية من صواريخ ومسيرات، أم تتجه نحو تحول هيكلي يقدم التنمية وحسن الجوار على حساب التسلح؟
صندوق استثماري بشرط السلوك لا منحة مجانيةوبشأن التسريبات المتعلقة بصندوق استثماري لإيران، يوضح آل علي أنها غير مؤكدة بعد، لكنها تتسق مع أسلوب مفاوضي إدارة ترامب، خصوصاً ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، القائم على 3 عناصر اعتمدت سابقاً في خطة غزة: تجزئة الحل على مراحل، وحشد دعم دولي، وإدراج حوافز اقتصادية.
ويشدد على أن أي أموال لن تكون منحة للنظام الإيراني، بل استثمارات مرهونة كلياً بتغير سلوكه، أي التزامه باحترام جيرانه والتوقف عن دعم الوكلاء ونشر الفوضى، خطوة مقابل خطوة.
وبذلك تجد طهران نفسها أمام خيارين: تكرار سياسة جلبت عليها حربين خلال عام واحد، أو اعتماد متبادل اقتصادي قائم على حسن الجوار.
حسابات واشنطن الاستراتيجية وسباق الزمن قبل الانتخاباتيرى آل علي أن حسابات الإدارة الأميركية، من الرئيس ترامب إلى نائبه جي دي فانس وأركان إدارته، تتجه إلى اعتبار إنهاء الحرب مصلحة استراتيجية أمريكية بحتة، بصرف النظر عن الموقف الإسرائيلي، تشمل التفاوض على الملف النووي، وفتح مضيق هرمز، وضمان تدفق الطاقة إلى الاقتصادات الصناعية المرتبطة بالاقتصاد الأميركي.
ويستدل على ذلك بسابقة العملية العسكرية الأميركية ضد الحوثيين في اليمن، التي انتهت باتفاق بين واشنطن والحوثيين دون علم إسرائيل أو موافقتها.
ويعتقد أن الإدارة، المقبلة على انتخابات نصفية وبحاجة إلى إنجاز خارجي، عازمة على إنجاح الانتقال من مذكرة التفاهم إلى اتفاق نهائي خلال الـ60 يوماً، أو 120 يوماً في حال التمديد لمرة واحدة، على أن تنتهي هذه المهلة في أكتوبر قبل الانتخابات بوقت يكفي لتسويق الاتفاق داخليا.
تكتم متعمد و" الشيطان الأكبر" الذي يصعب تسويقه داخليايكشف مسمار أن محاولات التواصل بين البلدين سبقتها تسريبات إعلامية متبادلة لم تنضج، وأن واشنطن التزمت الصمت بطلب من الشريكين القطري والباكستاني تجنباً لإفشال تمرير مذكرة التفاهم، في حين طالب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الفصائل والإعلام الإيراني بالصمت أيضاً.
ويفسر جذر الإشكال بأن طهران تحتاج إلى" تدويل" قبولها التفاوض مع من تسميه" الشيطان الأكبر" بصورة مقبولة لجميع الفصائل الحاكمة الثلاث، حتى لا تبدو هزيمة للثورة والدولة.
لا تنازلات أميركية.
وتحدٍ لمعارضي الاتفاق في الكونغرسوحول التساؤلات بشأن وجود تنازلات أو أموال بقيمة 300 مليون دولار، ينقل مسمار نفي نائب الرئيس الأميركي وجود أي تنازلات، مؤكداً أن المطروح فرص استثمار مستقبلية لا أموال مباشرة.
كما ينقل تصريح ترامب بأنه سينشر تفاصيل الاتفاق يوماً قبل التوقيع، وأنه لن يمنح" ولو سنتاً واحداً"، مع توجيهه الحكومة لإرسال الاتفاقية إلى الكونغرس، وتحديه الديمقراطيين بعدم التصديق عليها لكونها تنص على عدم حصول إيران على برنامج نووي أو حتى فرصة شراء مواد نووية.
ويرى مسمار أن ذلك يبقي المسألة ضمن إطار" النقاط الأربع عشرة" المحقَّقة بالضغط العسكري الأميركي، لكن بصياغة منمقة لتمريرها إيرانياً.
يستدل آل علي على حاجة طهران الملحة للصفقة بتصريحات قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني المؤيدة لرئيس الوفد المفاوض محمد باقر قاليباف ودعوته للوحدة الوطنية، في ظل أزمة اقتصادية حادة تستوجب رفع العقوبات وإعادة الإعمار وفتح صفحة جديدة مع المحيط، مع وجود متشددين في إيران وإسرائيل والولايات المتحدة على حد سواء.
في المقابل، يؤكد مسمار أن ترامب لا يخضع لضغوط تذكر، بصفته القائد العام للقوات المسلحة وصاحب صلاحية الفيتو، مستنداً إلى مكاسب جمهورية بستة عشر مقعداً عقب إعادة التوزيع الجغرافي للدوائر الانتخابية، وغياب أي مشكلة تضخمية، واستقرار متوقع لأسعار النفط مرتبط بتراجع حالة عدم اليقين عقب الاتفاق.
ويرى أن الخلاف الوحيد المتبقي داخلي بين صقور الحزب الجمهوري الراغبين في الحسم العسكري وآخرين يفضّلون المسار الدبلوماسي، على أن يبقى الخيار العسكري قائماً إذا فشلت العملية السياسية، كما أكد ترامب نفسه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك