في العصر الحديث لم يعد النّص الأدبيّ مجرد بنيةٍ لغويّةٍ معزولة، ولم تعد الجماليات الفنيّة كافيةً لتفسير حركة الإبداع الإنساني، فمع ظهور مصطلح" النّقد الثّقافي" كتحوّل معرفي، صار هناك مستوى جديد من الّنقد يختلف عن النقد الأدبي بجوانب ويشترك معه بجوانب أخرى، النّقد الأدبي يبحث بشكلٍ أو بآخر عن الدّلالة الجمالية الواعية.
تاريخياً ركّز النّقد الأدبيّ الكلاسيكيّ والبنيوي على أدبيّة النص، أيّ على الجوانب الشّكليّة والجماليّة التي تجعل من العمل فنّاً، بينما الّنقد الّثقافي يعلن موت هذه الجماليات المعزولة ويركّز على تحليل الأنساق المضمرة غير الواعية وكسر الحدود التّقليدية بين الفن النّخبوي والشّعّبي، وبين النّص الأدبي (شعرًا، سردًا.
) والسيّاق المضمر حيث يسعى النّاقد الثقافيّ للكشف عن الشّيفرات السّرية في الأنساق المضمرة والتي تحرّك الوعي الجمعيّ وتصنع توجّهات المجتمعات وكلّ ذلك خلف أقنعة من البلاغة والجمال، فالنقد الثّقافي إذن في عمقه ممارسةٌ تفكيكيّةٌ تسعى لتسليط الضّوء على النّّسق الثّقافي الذي يعتبر المحرّك الخفيّ للثّقافة، فهو ينغرس في عقل الكاتب والقارئ على حد سواء دون وعي منهما.
فقد نجد قصيدةً غايةً في الجمال والكمال لغويًّا وبلاغيًّا، لكنّها تمرّر نسقًا ذكوريًّا أو عنصريًّا أو إقصائيًّا.
إذن وظيفة الناّقد الثّقافي أعقد من النّاقد الأدبي فهو يعزل الجماليّات ويركنها جانباً بعد أن يدركها بشكلٍ كامل، ويظهر بعدها القبح النّسقي الكامن تحتها-إن وجد-، كما فعل الدّكتور عبد الله الغذّاميفي كتابه التّأسيسيّ" النّقد الثّقافيّ، قراءة في الأنساق الثّقافيّة العربيّة" أطلق مصطلح" الشّحاذ البليغ" ويجمع هذا المصطلح ما بين النّفاق الاجتماعي مع البراعة الفنيّة الجماليّة.
النّقد الثّقافي فعل تحرر معرفي لا يكتفي بوصف العالم أو تذوّق جمالياته، بل يطمح إلى كشف آليات زيفه عبر الانتقال من المركز إلى الهامش، ومن النص الفنيّ إلى النّسق الثقافي المضمرفالشّاعر عنده قد يمتلك أدوات البلاغة والتّمكّن اللغويّ والجماليّ، ولكنه يسخّر عبقريته الأدبيّة لغاية دنيئة نسقيًّا وهي التّكسب بالمديح والوقوف على أعتاب الملوك والرّؤساء طلباً للمال أو المكانة.
فواجب النقد الثقافي كشف الحقيقة للجمهور والنّقاد على حدٍّ سواء ممن أبهرتهم جماليات القصيدة/النّص فصفّقوا لها، دون أن ينتبهوا إلى القبح القيمي الرّاقد تحتها.
حتّى البلاغة العربيّة، رغم عظمتها الجماليّة، ساهمت عبر العصور في صناعة الطّاغية من خلال نسق المديح، وتكريس تضخم الأنا، فالنّقد الثقافي طال (البلاغة) فصارت موضوعاً للإدانة لأنها حمت عيوباً نسقية قاتلة في الذّهن العربي.
فالمجالات التي يعمل فيها النّقد الثقافي واسعة ومفتوحة وقراءاته التّحليليّة تضمّ القصيدة العصماء و الرّواية المهمة مع الإعلان التلفزيوني ومحتوى منصات التواصل الاجتماعي، وذلك لأنّه يلغي التراتبية الفنيّة القيميّة التي وضعها أرسطو في كتابه" فن الشّعر"، فهنا الفن الرفيع والفن الهابط هما نتاج المجتمع وهما نصوص قابلة للدراسة والتحليل، ولا يوجد نص" بريء" من الأيديولوجيا، فحتى الجمال بذاته منتجٌ ثقافيٌّ يتمّ تشكيله وفقاً لموازين القوى وليس قيمةً مجردّة.
وليستطيع النّقد الثّقافيّ القيام بدوره كان من الضّروري الانتباه على أنّ الثّقافة لا تُرى من زاوية واحدة؛ والتمتّع بمرونة عالية والانفتاح على شتّى العلوم الإنسانيّة، فهو ليس حكراً على فقهاء اللغة أو الأدباء إذ تدخل فيه مجالات متنوّعةٌ من العلوم كعلم النّفس وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والسّياسة والاقتصاد وسواها من معارف تصبح أدوات مرنة في يد النّاقد الثّقافي وتمكّنه من قراءة الواقع والنّص بوصفهما شبكة واحدة معقّدة.
فالنّقد الثّقافي فعل تحرر معرفي لا يكتفي بوصف العالم أو تذوّق جمالياته، بل يطمح إلى كشف آليات زيفه عبر الانتقال من المركز إلى الهامش، ومن النص الفنيّ إلى النّسق الثقافي المضمر، ليعيد صياغة وعينا باليوميّ والمعتاد، ويجبرنا على إعادة النّظر في كلّ ما نعتبره بديهياً ومسلّماً به، فهو عين المجتمع اليقظة التي ترفض النّوم فوق وسائد الوهم الجمالي، فنجد إدوارد سعيد وهو من أوائل المشتغلين بالنّقد الثّقافيّ، قد جرّد السّردية الغربيّة من براءتها الجمالية من خلال منهجه القائم على القراءة الطّباقية Contrapuntal Reading، ليجد أن الرّواية الأوروبيّة في القرن التّاسع عشر لم تكن أداة للمتعة الفنية فقط، بل كانت بعمقها بنية خطاباتٍ مضمرة تُسهم في تشكيل الوعي الاستعماري وتبرير الهيمنة وتطبيعها في مخيلة القارئ.
إذن الخيط السّري الذي يربط بين الكلمة حين تُكتب وبين تلك النوايا المخبّأة عميقًا في الرّوح بعد أن كان لا مرئيًا صار تحت المجهر النّقدي الثقافيّ، وصار لزامًا على النّص الأدبيّ ترك عزلته الأنيقة والنّزول من برجه العالي المحصّن بالجمال، لأنّ الضّوء تسلّل إلى مخابئه المظلمة و إلى ما خلف السّطور ليثبت أنّ النّص ليس هندسة لغوية، فالنّص مساحةٌ تموج بالصّراعات وتحمل الكثير من الأيديولوجيات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك