بعد أشهر من التوتر الحاد والتراشق السياسى بين واشنطن والعواصم الأوروبية، خرجت قمة مجموعة السبع التي استضافتها مدينة إيفيان الفرنسية بنتيجة فاجأت المراقبين والمحللين على حد سواء، مع تهدئة نسبية فى العلاقات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحلفاءه الأوروبيين، بعد فترة اتسمت بالخلافات الحادة حول أوكرانيا والتجارة والسياسات الأمنية والطاقة.
وعقب انعقاد القمة، كانت التوقعات الأوروبية متشائمة إلى حد كبير، فقد خشى قادة الاتحاد الأوروبى من أن تتحول الاجتماعات إلى ساحة جديدة للصراع مع ترامب، حاصة فى ظل النزاعات التجارية المستمرة، والاختلافات الجوهرية بشأن كيفية التعامل مع روسيا، إضافة إلى التوترات المرتبطة بالحرب فى أوكرانيا والأزكة الإيرانية، هذا فى ظل أن القمة حملت خلال انعقادها مؤشرات مختلفة تماما عما كان متوقعا، وفتحت الباب أمام تساؤلات جددة حول مستقبل العلاقات عبر الأطلسى.
التوافق الاستراتيجي حول الملفات الساخنة: أوكرانيا والعقوبات الروسيةوفقاً لتقارير أوروبية، نجح قادة مجموعة السبع في التوصل إلى بيان مشترك أكد استمرار الدعم لأوكرانيا، وتعزيز العقوبات المفروضة على قطاعي الطاقة الروسيين.
وهذا ما اعتبرته العواصم الأوروبية تطوراً مهماً يعكس تقارباً في المواقف بين الولايات المتحدة والشركاء الأوروبيين بعد أشهر من الشكوك والتساؤلات بشأن توجهات الإدارة الأمريكية تجاه الحرب المستمرة، حسبما قالت صحيفة الكونفدنثيال الإسبانية.
ووصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، القمة بأنها ناجحة موضوعيا، وذهب إلى حد اعتبارها نقطة تحول فى العلاقات داخل المعسكر الغربى، مؤكدا أن الولايات المتحدة أظهرت استعدادا أكبر للعمل مع الأوروبيين فى ملفات الأمن والدفاع ودعم أوكرانيا، كما رأس مسئولون أوروبيون أن ما حدث فى إيفيان يمثل لحظة تقارب حقيقية بين واشنطن وأوروبا، وإن كانت لا تزال محاطة بالحذر والترقب.
لم يقتصر التقارب على الملف الأوكراني فقط، بل امتد إلى الأزمة الإيرانية التي كانت تمثل أحد مصادر التوتر بين الطرفين.
فقد حظي ترامب بإشادة من عدد من القادة الغربيين بعد التقدم الذي تحقق في المفاوضات المتعلقة بإيران، الأمر الذي ساهم في خلق أجواء أكثر إيجابية داخل القمة.
كما ساعد الاتفاق الإطاري الخاص بإيران في تخفيف المخاوف المرتبطة بأسواق الطاقة العالمية، وهو ما انعكس إيجاباً على المناقشات بين الولايات المتحدة وأوروبا حول استقرار الإمدادات وأسعار النفط والغاز، وفقا لصحيفة لابانجورديا الإسبانية.
الغاز الطبيعي المسال: صفقة خلف الكواليسفي تطور موازٍ، أشارت وكالة أوروبا بريس إلى أن قادة الاتحاد الأوروبي ناقشوا مع ترامب إمكانية زيادة واردات الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة، في محاولة لتقليل الاعتماد على المصادر الروسية وتعزيز التعاون التجاري مع واشنطن.
هذه الخطوة، التي لا تزال قيد الدراسة، قد تمثل أداة ضغط اقتصادية جديدة على موسكو وتفتح آفاقاً أوسع للتعاون الطاقي عبر الأطلسي.
ماكرون ودبلوماسية الإغراءوأشارت صحيفة الموندو الإسبانية إلى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، المعروف ببراجماتيته واستعداده لاستخدام كل الأدوات لخدمة المصالح الفرنسية، قرر استغلال قمة إيفيان لتوجيه رسالة دبلوماسية إلى ترامب من خلال عشاء تاريخي في قصر فرساي، وجاءت هذه الخطوة، التي أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية الفرنسية، لتجمع بين التكريم الدبلوماسي والرسائل السياسية العميقة.
عُقد العشاء في قاعة المرايا الشهيرة، حيث تم تذكير ترامب بالدور التاريخي الذي لعبته فرنسا في ولادة الجمهورية الأمريكية عبر دعمها للاستقلال عام 1776، وبموقع القصر نفسه الذي شهد توقيع معاهدة السلام بعد الحرب العالمية الأولى.
هذا التوقيت الاحتفالي أعطى الفرصة للجانبين لتجاوز الخلافات الآنية وإعادة بناء قنوات التواصل المباشر.
دفاع ماكرون عن استراتيجيتهفي مواجهة الانتقادات الداخلية، دافع ماكرون عن استراتيجيته قائلاً إن" فرساي هي أداة دبلوماسية وأداة قوة"، وإنه لا يخجل من استخدام التراث الوطني الفرنسي لخدمة أهدافه الدبلوماسية.
وأضاف أنه يطبق نفس الأسلوب مع جميع القادة، وليس مع ترامب فقط، مشيراً إلى استقباله رؤساء إندونيسيا وكينيا ونيجيريا بنفس الروح الدبلوماسية.
واعترف ماكرون بأن هذه الاستراتيجية لم تنجح دوماً، معتبراً أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان" أبرز حالة فشل"، لكنه شدد على أنه يتحمل ذلك بالكامل، لأن الهدف النهائي هو الدفاع عن مصالح فرنسا.
وشبه نفسه بمنتخب فرنسا لكرة القدم قائلاً: " سواء لعبت في الخارج أو في الديار، هدفي هو تسجيل الأهداف".
أوكرانيا تشعل مصافي النفط الروسيةفي تطور متزامن مع القمة، لم تكتفِ مجموعة السبع بإعلان تضامنها مع أوكرانيا، بل انطلقت نحو مواجهة مفتوحة مع موسكو على صعيدها الأكثر حساسية، عصب الطاقة الروسي.
فبينما كان قادة الغرب يوقعون على حزمة عقوبات نفطية غير مسبوقة، كانت مسيرات كييف تشق سماء موسكو لتضرب في مقتل أكبر مصفاة لتكرير النفط في العاصمة الروسية.
لم تكن العقوبات الجديدة مجرد ورقة سياسية، بل جاءت متزامنة مع ضربة عسكرية نوعية أوصلت رسالة واضحة إلى الكرملين: كييف تمتلك الآن ذراعاً طويلة قادرة على الوصول إلى قلب الاقتصاد الروسي.
فالهجوم على مصفاة" جازبروم نفت"، التي تغذي العاصمة بالوقود، أوقف 53% من طاقتها الإنتاجية، وأشعل ناراً في قلب موسكو لم تطفئها المطافئ الروسية بسهولة.
مع مطلع عام 2026، تحولت السماء الروسية إلى ساحة حرب مفتوحة.
تضاعفت الهجمات الأوكرانية على المصافي، وبات كل أسبوع يحمل ضربة جديدة لمنشأة نفطية، مما أدى إلى، شلل جزئى فى تكرير النفط الخام، وانهيار ملحوظ فى إنتاج البنزين والديزل، ونقص حاد فى الوقود الذى أجبر مناطق بأكملها مثل شبه جزيرة القرم وكراسنودار ودونيتسك، على فرض قيود صارمة على التزود بالوقود.
في تطور دراماتيكي، اضطرت شركة" تاتنفت" - خامس أكبر منتج للنفط في روسيا - إلى فرض أول حظر وطني على شراء الوقود، بعد أن طالت المسيرات الأوكرانية مصفاتها في تتارستان في 12 يونيو الماضي.
عندما تطال النار المدنيينلكن الصراع تجاوز خطوط المواجهة التقليدية، ليضرب قلب الحياة اليومية.
في حادثة هزت المشاعر الدولية، استهدفت مسيرات أوكرانية حافلة ذات طابقين كانت تقل أطفالاً من فريق كرة قدم بيلاروسي على الطريق السريع A240 في منطقة بريانسك الروسية.
أسفر الهجوم عن مقتل امرأة كانت ترافق البعثة، وإصابة عدة أشخاص بينهم أربعة أطفال من مدرسة رياضية، أحدهم في حالة حرجة، وفقاً لوزارة الصحة الروسية.
لم تكن مجرد ضربة عسكرية، بل رسالة جديدة مفادها أن الحرب لم تعد مقتصرة على الجبهات العسكرية ولا المنشآت النفطية، بل تتسع لتشمل كل من يقف في طريق التصعيد، وهو ما قد يغير قواعد الاشتباك في المرحلة المقبلة.
تهمة الإرهاب تعيد رسم الخريطةردت روسيا بفتح تحقيق جنائي بتهمة" الإرهاب"، متهمة كييف باستهداف مدنيين بيلاروسيين، مما يضيف بُعداً دولياً جديداً للصراع ويثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الحادثة ستتحول إلى نقطة تحول تدفع بيلاروسيا للانخراط بشكل أكبر في الحرب، أو تجر حلفاء جدد إلى ساحة المواجهة.
الخلافات المستمرة والهدنة الهشةرغم هذا التحسن النسبي، لا يرى الأوروبيون أن الخلافات الجوهرية قد انتهت.
فما زالت ملفات الرسوم الجمركية والتجارة الدولية والطاقة والهجرة تمثل نقاط خلاف رئيسية بين الجانبين.
وخلال القمة نفسها، دعا ترامب أوروبا إلى إيجاد حلول مستقلة لمشكلاتها المتعلقة بالطاقة والهجرة، في إشارة واضحة إلى استمرار التباين في الرؤى السياسية والاقتصادية بين الطرفين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك