كتب - زياد فرحان المجالي لا تبدو مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية، في جوهرها، اتفاقاً نووياً تقليدياً بقدر ما تبدو محاولة واسعة لإعادة ترتيب أولويات الشرق الأوسط بعد حرب كادت تفتح المنطقة على انفجار شامل.
فالمسألة لم تعد محصورة في عدد أجهزة الطرد المركزي، ولا في كمية اليورانيوم المخصب، ولا حتى في سؤال العقوبات وحده، بل أصبحت تدور حول معادلة أكبر: كيف يمكن وقف الحرب، وفتح مضيق هرمز، وضبط الجبهة اللبنانية، وإعادة إيران تدريجياً إلى شبكة المصالح الدولية من دون أن يظهر أي طرف وكأنه خرج مهزوماً بالكامل؟ من هنا يمكن فهم ترتيب البنود في مذكرة التفاهم.
فالولايات المتحدة لا تبدأ من الملف النووي وحده، بل من الممرات البحرية.
مضيق هرمز، الذي بقي لأشهر في واجهة القلق الدولي، تحوّل إلى قلب الاتفاق.
فهو ليس مجرد ممر نفطي، بل عصب من أعصاب الاقتصاد العالمي، وأي إغلاق له أو تهديد لحركة السفن فيه يعني ارتفاع أسعار الطاقة، اضطراب الأسواق، واهتزاز الثقة في قدرة واشنطن على حماية النظام الملاحي الدولي.
لذلك كان فتح هرمز وتأمين الملاحة فيه أولوية عاجلة، وربما أكثر إلحاحاً من الدخول الفوري في التفاصيل النووية المعقدة.
في المقابل، لم تُمنح إيران شيكاً مفتوحاً.
فالصيغة الأميركية تقوم على مبدأ المكافأة المشروطة بالسلوك، لا على الثقة المجردة.
بمعنى أن كل خطوة إيرانية في اتجاه التهدئة أو التعاون أو ضبط الملاحة أو التعامل مع الملف النووي، تقابلها خطوة أميركية في اتجاه تخفيف الضغط أو رفع بعض القيود أو فتح نافذة اقتصادية.
وهذه هي فلسفة الاتفاق كما تبدو من بنوده: لا استسلام إيرانياً، ولا تنازل أميركياً مجانياً، بل عملية تبادل محسوبة بين الأمن والاقتصاد.
الملف النووي حاضر بقوة، لكنه لم يعد وحده مركز المشهد.
الحديث عن تخفيف المواد المخصبة داخل إيران، وتحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، يكشف أن واشنطن تريد الاحتفاظ برقابة مشددة من دون أن تفرض منذ اللحظة الأولى صيغة إذلال سياسي على طهران.
فإيران تحتاج إلى خطاب داخلي يقول إنها لم تتخل عن سيادتها، والولايات المتحدة تحتاج إلى خطاب داخلي يقول إنها لم تثق بطهران، بل قيدتها برقابة وآليات تفتيش وبروتوكولات محسنة.
وهنا تكمن دقة التسوية: كل طرف يحصل على لغة يستخدمها أمام جمهوره.
أما البند الاقتصادي، وخاصة الحديث عن خطة قد تصل إلى 300 مليار دولار لإعادة إعمار وتطوير الاقتصاد الإيراني، فهو ليس تفصيلاً مالياً فقط، ولا وعداً مضموناً خارج شروط التنفيذ، بل رقم مرهون بآليات الاتفاق النهائي وبمدى التزام الأطراف بمراحل التهدئة والرقابة.
ومع ذلك، فهو يكشف عن تصور أميركي أوسع لإنتاج إيران أقل عزلة، وأكثر ارتباطاً بالأسواق، وأقل اعتماداً على الصين وروسيا.
فالولايات المتحدة تدرك أن العقوبات الطويلة دفعت طهران عميقاً نحو بكين وموسكو، لكنها لم تُسقط النظام ولم تُنهِ البرنامج النووي ولم تمنع نفوذ إيران الإقليمي.
لذلك يبدو أن ترامب يحاول مقاربة مختلفة: استخدام الضغط العسكري والاقتصادي للوصول إلى صفقة، ثم استخدام الصفقة لإعادة ربط إيران بشبكة مصالح تجعل العودة إلى التصعيد أكثر كلفة عليها.
في هذا السياق، يبرز الدور الأوروبي بوصفه دوراً عملياً لا سياسياً بالضرورة.
فالأوروبيون ليسوا في مركز التفاوض كما كانوا في اتفاقات سابقة، لكنهم حاضرون في مرحلة التنفيذ، خصوصاً في ملف مضيق هرمز وإزالة الألغام البحرية.
وهذا الملف شديد الحساسية، لأن فتح المضيق لا يتحقق بمجرد إعلان سياسي.
فإذا كانت هناك ألغام أو تهديدات بحرية، فإن تأمين الممرات يتطلب كاسحات ألغام، وسفناً داعمة، ومركبات تحت الماء، وخبرات تقنية دقيقة.
لذلك قد يكون هرمز أول اختبار حقيقي للاتفاق: هل يستطيع تحويل النص إلى واقع آمن للسفن وشركات التأمين وأسواق الطاقة؟ لكن العقدة الأشد حساسية تبقى لبنان.
فإدراج لبنان في البند الأول من المذكرة يعني أن الجبهة اللبنانية لم تعد ملفاً منفصلاً، بل جزء من وقف النار الشامل.
وهذا ما يقلق إسرائيل.
فتل أبيب اعتادت أن تتعامل مع لبنان كساحة تملك فيها هامش حركة عسكرياً واسعاً، لكنها تجد نفسها الآن أمام تفاهم أميركي ـ إيراني قد يقيّد هذه الحرية.
لذلك تحاول إسرائيل القول إنها ليست طرفاً في المذكرة ولا تلزمها بنودها، بينما ترى إيران ولبنان أن إسرائيل، بحكم تحالفها مع واشنطن ودورها في الحرب، مشمولة عملياً بروح الاتفاق.
هنا يظهر التوتر بين ترامب ونتنياهو.
فالرجلان اللذان بدت علاقتهما سابقاً أقرب إلى تحالف شخصي وسياسي، يقفان اليوم أمام اختلاف في الأولويات.
نتنياهو يريد إبقاء الضغط العسكري مفتوحاً، خصوصاً في لبنان، لأنه يحتاج إلى ورقة أمنية وسياسية ورمزية أمام الداخل الإسرائيلي.
أما ترامب فيريد إغلاق الحرب بصفقة كبرى يستطيع أن يسوقها بوصفها إنجازاً تاريخياً.
ولذلك فإن صبره على المناورة الإسرائيلية لن يكون مفتوحاً.
قد يمنح نتنياهو هامشاً محدوداً، لكنه لن يقبل أن تتحول الجبهة اللبنانية إلى أداة لتفجير الاتفاق مع إيران.
من زاوية لبنان، توفر المذكرة فرصة نادرة إذا أحسن استخدامها.
فالدولة اللبنانية تستطيع أن تستند إلى نص وقف النار واحترام السيادة للمطالبة بانسحاب إسرائيلي ووقف الخروقات وعودة النازحين.
لكن هذه الفرصة تحتاج إلى موقف رسمي موحد، لأن أي انقسام داخلي سيمنح إسرائيل ذريعة للقول إن المشكلة لبنانية داخلية وليست خرقاً إسرائيلياً للاتفاق.
أما مسألة سلاح حزب الله، فهي ستبقى ملفاً داخلياً شديد التعقيد، ولا يمكن أن تُحل بمنطق الإملاء الإسرائيلي، بل ضمن استراتيجية أمن وطني وحوار لبناني طويل.
الخلاصة أن مذكرة التفاهم ليست نهاية الحرب، بل بداية مرحلة جديدة من الصراع على تفسيرها.
واشنطن تريد هرمز مفتوحاً وبرنامجاً نووياً مضبوطاً وإيران أقل التصاقاً بالصين وروسيا.
طهران تريد رفع الحصار والتنفس اقتصادياً من دون صورة استسلام.
إسرائيل تخشى أن تفقد حرية الحركة.
ولبنان يحاول أن يحول النص إلى حماية فعلية لسيادته.
لذلك فإن الأيام الستين المقبلة لن تكون مجرد مهلة تقنية، بل اختباراً سياسياً كبيراً: هل نحن أمام تسوية قابلة للحياة، أم أمام هدنة مؤقتة تركت ألغامها في البحر وعلى الحدود؟ فالألغام الأخطر ليست فقط في مياه هرمز، بل في تأويل البنود وصراع الحلفاء على تفسيرها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك