في 7 ديسمبر/كانون الأول 2024، أقلعت من سوريا آخر طائرة أُعلن عنها لإجلاء المستشارين العسكريين الإيرانيين، بعد أن بدأوا في مغادرة" عمقهم الإستراتيجي" عنوة.
كان الباقي قليلا من عمر آل الأسد؛ ومن حرب انخرطت فيها إيران إلى أقصى حدود الدم والاستنزاف.
كانت سوريا في نظر إيران طموحا جيوسياسيا قديما، لا مجرد جبهة عسكرية.
إنها المرتكز الإقليمي لإستراتيجية الردع الإيرانية منذ الثمانينيات، لكن كل شيء بدا وكأنه يتبدد في الهواء حين راحت طائرة الإجلاء تشق سماء دمشق، حاملة معها آخر علامات الوجود العسكري الإيراني الراسخ في البلاد.
list 1 of 2في يوم واحد.
أمريكا وروسيا تفقدان قاذفتين وأقمار صناعية تكشف موقعي السقوطlist 2 of 2" صوت هند رجب".
شبح الضحية إذ يطارد قاتليهاحلقت الطائرة من سوريا إلى إيران، إيذانا بفشل إستراتيجية الردع.
وقع ذلك بعد نحو 4 عقود من تبلور عقيدة الردع الإيرانية، التي تشكلت كي تعوض الجمهورية الإسلامية عما يقيدها عسكريا واقتصاديا بثلاث ركائز: منظومة صواريخ قادرة على إيلام الخصوم، وشبكة من الجماعات والميليشيات غير النظامية التي تطوق إسرائيل ثم الوجود الأمريكي بعد احتلال العراق عام 2003، وتطوير القدرة على غلق المضائق البحرية وتعطيل مسارات التجارة العالمية وتصدير النفط.
" كانت سوريا في نظر إيران طموحا جيوسياسيا قديما، لا مجرد جبهة عسكرية"بيد أن التدخل في سوريا (2011–2024) كان قد أصاب هذه الإستراتيجية في مقتل بالفعل.
فما كان يفترض أن يكون هدفا جيوسياسيا لربط طهران وبيروت، تحول إلى مستنقع استنزاف، وكشف قدرات المركز وموارده من جهة، وعرى تكتيكات الهامش لإدارة القتال على الأرض واستخدام الموارد من جهة أخرى.
في الوقت نفسه، تآكلت الشرعية الاجتماعية لإيران وتصدعت شبكة وكلائها قبل الاختبار الميداني الحاسم الذي تعرضت له بين لحظة 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 (طوفان الأقصى) ولحظة" سقوط" دمشق بعد ذلك بأكثر من عام.
لعبت الحرب السورية (2011-2024) دورا حاسما في تصدع إستراتيجية الردع الإيرانية، التي بلغت ذروتها خلال الحرب، ثم تلقت انتكاساتها الأكبر مع نهاية الحرب ذاتها.
حصل ذلك مع تحول سوريا إلى مقبرة للموارد الإيرانية البشرية والمالية والعسكرية، وتحولها إلى مختبر مفتوح لاستخبارات العدو.
وتقدر بعض المصادر أن أكثر من 400 عملية خاصة استهدفت مستودعات الأسلحة في سوريا حتى نهاية عام 2024.
" تقدر بعض المصادر أن أكثر من 400 عملية خاصة استهدفت مستودعات الأسلحة في سوريا حتى نهاية عام 2024"ولم تقتصر الخسارة على الموارد الإيرانية، إذ دخلت طهران في معركة مفتوحة اضطرت معها إلى استقدام ميليشيات من العراق وأفغانستان، مما فاقم الانقسام المذهبي، وأثار استياء داخليا لدى شريحة من الإيرانيين، إذ رأوا أن النظام يصدر ثروات البلاد نحو ميادين قتال لا تعنيهم.
كذلك اتسعت البيئة الإقليمية المعادية لإيران وأصبحت محملة بدم وثارات مباشرة.
لقد اصطدم المشروع الإيراني التوسعي بحاجزه الطائفي؛ وهو للمفارقة الحاجز نفسه الذي أتاح له التمدد، مستغلا الفراغات التي سببها تآكل النظام الإقليمي العربي.
تزامن ذلك مع تكبد الحرس الثوري خسائر بشرية تبلغ في بعض التقديرات 2000 قتيل بين عامي 2013 و2020.
وقد أنفقت طهران ما يقدر بـ30 مليار دولار دعماً لنظام الأسد، وفقاً لتصريحات برلمانيين إيرانيين ولمحمد غازي الجلالي، آخر رئيس وزراء لسوريا في عهد بشار الأسد.
كما تعرض حزب الله للاستنزاف عسكريا وأمنيا واجتماعيا، بل وأخلاقيا، لإسهامه في الدم المسفوك؛ فقد كانت سوريا مساحة كاشفة لقدرات الحزب العسكرية، ولأشكال التعبئة والحشد، ولخطوط الإمداد والتكتيكات.
وبعد ذلك، منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، لعبت تداعيات الحرب السورية دورا في ظهور الحزب ثقيلا وغير جاهز لحرب فتاكة، وكأنه قد تحول من حركة مقاومة راسخة إلى كيان أكثر ترددا يخشى الدخول في مخاطرة عالية.
جدير بالذكر أن حزب الله كان لا يزال يعاني من التداعيات المريرة طويلة الأمد لحرب يوليو/تموز 2006.
فرغم تحقيقه نصرا معنويا، خلفت تلك الحرب تهيبا شعبيا حيال أي مواجهة جديدة بعد أن تسببت بنزوح نحو مليون لبناني، ودمار كبير بالمساكن في الجنوب بلغ في بعض القرى الأمامية نحو 80%، بحسب تقديرات الأمم المتحدة.
إضافة إلى أن صعود حزب الله داخل الدولة اللبنانية، ومشاركته في الحكومات منذ عام 2005، وضعه في مسار أفقده البريق الثوري وحوله من" حركة تحرير" إلى" سلطة" لها نصيب من الفساد في نظر كثيرين.
" صعود حزب الله السياسي ومشاركته في الحكومات وضعه في مسار أفقده البريق الثوري وحوله من حركة تحرير إلى سلطة لها نصيب من الفساد"مع سقوط النظام في سوريا واقتلاع إيران وحزب الله منها؛ فقدت إيران الوجود على الجبهة السورية، وانقطعت سبل الإمداد البري إلى حزب الله.
تزامنت هذه الانتكاسة" العسكرية" مع التصدع الاجتماعي الذي أصاب" محور المقاومة" بداية من مركزه في طهران حيث الاستياء الشعبي من استنزاف الموارد في صراعات أهلية في العراق وسوريا، إلى طرفه الأهم في لبنان.
وقد شجع هذا الانكشاف الإستراتيجي وسقوط المرتكز السوري الولايات المتحدة وإسرائيل على نقل المعركة إلى قلب طهران بشن حرب عليها في فبراير/شباط الماضي، مما دفع إيران كخيار أخير لحماية وجودها إلى تفعيل الركيزة الأهم المتبقية لديها: إغلاق المضائق البحرية وتعطيل التجارة العالمية، مع الاستخدام الموسع للصواريخ الباليستية والمسيرات.
لم تكن حرب إيران الأخرى إذن سوى اللقطة الأخيرة في سلسلة من التحولات التي مرت بها منظومة الردع الإيرانية خلال السنوات الأخيرة.
ومن أجل قراءة هذه" اللقطة" في سياقها الصحيح يلزم طرح مجموعة من الأسئلة التأسيسية: كيف تشكلت إستراتيجية الردع الإيرانية ابتداء؟ وكيف تعثرت؟ وماذا تبقى منها اليوم؟" الثورة هي بحد ذاتها ظاهرة تقلب الأوضاع أينما حدثَت"بواسطة (آية الله الخميني)بدأ كل شيء في 1 فبراير/شباط 1979 بمانشيت صحيفة" اطلاعات"، أقدم صحف إيران: " لقد وصل الإمام".
عاد روح الله الخميني من منفاه بعد 15 سنة كي يقود ثورة سرعان ما أطاحت بواحدة من أقدم ملكيات الشرق الأوسط آنذاك.
ولا تزال تشتهر صورته وهو يهبط سلم الطائرة الفرنسية، التي جاءت به من منفاه في فرنسا إلى مطار مهرآباد في طهران.
لقد كان حدثا من النوع الذي يصنفه المؤرخون بأنه نقطة تحول غيرت مسار الأحداث اللاحقة، بصورة تجعلها تبدو كأنها محكومة بقدر لا مفر منه.
في غضون أشهر قليلة، تعاقبت على طهران ثورة ثم حرب؛ ثورة عنيفة ودموية انهارت معها العديد من مؤسسات الدولة وبُني مكانها نظام جديد أعاد تشكيل الاجتماع الإيراني، ثم حرب مدمرة مع العراق بدأت في خريف عام 1980.
وقد شكلت الحرب وسياقاتها صدمة تأسيسية للعقيدة الأمنية للنظام الإيراني الجديد، فتبلورت رؤية الدفاع عن حدود البلاد بعيدا عنها، وهي الفكرة التأسيسية لإستراتيجية الردع الإيرانية.
" الفكرة التأسيسية لإستراتيجية الردع الإيرانية هي أن الدفاع عن البلاد يبدأ خارج حدودها"تشكلت في تلك الأثناء ملامح فرضية بسيطة: ما دامت الحرب والعقوبات الأمريكية المتكاثرة والعزلة عوامل تعيق إيران عن حماية نفسها وبناء جيش نظامي متفوق، فلتعمل إذن على تشكيل خط دفاع أمامي (عمق إستراتيجي) يردع الخصوم والأعداء، كلما تعاظمت ضمنه قدرات الإيذاء الإيرانية.
منذ البداية، حرصت إيران، بوصفها مركز هذه العقيدة، على ربط معادلاتها بالقضية الفلسطينية ومعاداة" الإمبريالية".
وهذا ما انعكس بصورة شديدة الوضوح في حالة حزب الله؛ إذ جعله ذلك قادرا على استقطاب كوادر من شيوعيين ويساريين سابقين في لبنان.
وكان جانب كبير من تفكير" الثورة الإسلامية" لا ينحصر في مبدأ" ولاية الفقيه" فحسب، إذ تأثرت قراءتها للمشهد العالمي بقراءة شيوعية كلاسيكية تعتمد على مفهوم" المركز والأطراف"، ومواجهة الإمبريالية ومقاومة المشروع الصهيوني.
ثمة آراء وتصورات عززت هذه الإستراتيجية ببعد قومي.
إذ إن حكام إيران نظروا على الدوام إلى موقعها الجغرافي على أنها" قلعة" تحاصرها قوى كثيرة، فكان لا بد لها من أذرع طويلة تحمي الحدود بعيدا حتى شواطئ البحر الأبيض المتوسط.
وقد بدأت تلك الإستراتيجية تتشكل منذ منتصف القرن التاسع عشر مع اشتداد النفوذ البريطاني والروسي، وصولا إلى حركة تأميم صناعة النفط بين عامي 1951 و1953.
في هذا السياق وجدت الثورة الإسلامية أحد محركاتها.
فقد أوصى الخميني مناصريه ومقاتليه في مستهل عام 1980 قائلا: " لا تغفلوا عن هؤلاء الشياطين (الاستكبار والاستعمار).
لقد كانوا يمشطون بلاد الشرق شبرا شبرا، ويسجلون كل ما يحصلون عليه، ويرسمون له خريطة".
لم تكن إيران في الثمانينيات مجرد نظام ثوري يسعى إلى بقائه فحسب، بل كانت مشروعا إقليميا متكاملا يتطلع إلى إعادة رسم خريطة القوى في الشرق الأوسط.
من أيديولوجيا شيعية رسم الخميني ملامحها، إلى معاداة النفوذ الاستعماري" والاستكبار والغطرسة"، وتأصيل هذا العداء ضمن التاريخ المعاصر لإيران وللشرق برمته، وصولا إلى حقيقة أن الثورة الإسلامية حملت في جوهرها تصورا للحداثة السياسية خارج الأطر الاستشراقية والتجربة الغربية، واعتبرت نفسها" النموذج الأصلح" للمجتمعات كافة.
" وُلد النظام الإيراني الجديد بأعدائه وتعرف على محيطه من خلال التحارب معه"هذا ما جعل النظام الجديد يولد بأعدائه، ويتعرف إلى محيطه عن طريق التحارب معه.
فقد أرعب الخليط الديمغرافي والسياسي والاقتصادي لإيران الولايات المتحدة وإسرائيل بعد عام 1979، ذلك أن النظام الإسلامي يحكم دولة تتمتع بعمق حضاري واجتماعي وثقافي، وبثروات نفطية مهولة.
وكان تعداد إيران السكاني نحو 40 مليون شخص عام 1979، في مقابل ما لا يزيد على نحو 14 مليون شخص في العراق و9 ملايين في دول الخليج على سبيل المثال.
بعد الحرب العراقية، اختُزل سؤال إستراتيجية الردع في ماهية النموذج الأمني الذي يمكن أن تعتمده الدولة الإيرانية لحماية مصالحها الإستراتيجية في الإقليم، لكن مع تجنب اندلاع حرب أخرى قد تترتب عليها كلفة باهظة.
وقاد تلك المرحلة وهندسها وريثا آية الله الخميني: المرشد علي خامنئي، والرئيس أكبر هاشمي رفسنجاني.
وبتأثير من الثاني وفريقه صار عقل طهران يفهم تحقيق الاستقرار في محيطه على أنه تعزيز للتعاون والتعددية إقليميا وإسلاميا، بعيدا عن النفوذ الاستعماري والحضور الصهيوني.
وفي هذه الأثناء، كان قد انقضى زمن الحرب الباردة ودخل العالم زمنَ هيمنة أمريكية راسخة على العالم.
خلال تلك الفترة، واصلت إيران مسار تطوير الصناعة العسكرية، والصواريخ بشكل خاص، اعتمادا على قدراتها الذاتية وعلى اتفاقات مع الصين وكوريا الشمالية وسوريا.
ولعل من أبرز سمات تلك المرحلة التاريخية داخل إيران ولادة نظام اجتماعي-اقتصادي قائم على نيوليبرالية هجينة، والتي هدفت إلى إعادة الارتباط بالاقتصاد العالمي من أجل جذب الاستثمارات والاستدانة، وقد انطبعت بهيمنة الخبراء والتكنوقراط من فريق الرئيس رفسنجاني على القرار والنقاش العام.
منذئذ، صار إرضاء السوق والمستثمر واستدراج رأس المال العالمي أولوية، وتوجه نشاط مختلف مؤسسات الدولة بصورة حاسمة نحو مسار مغاير.
يروي المؤرخ الإيراني إرفاند أبراهاميان واقعة دالة عن تلك المرحلة، في كتابه" تاريخ إيران الحديث"، فيقول إنه في خطاب متلفز في صيف عام 1989" أخبر خامنئي الأمة أن الإمام علي كان مزارعا ناجحا، وأنه عندما لم يكن يقاتل من أجل الإسلام، كان يقضي وقته في العناية بممتلكاته عناية فائقة".
وأضاف أن الإمام علي" كان يعتني بمظهره ويرتدي أفضل الملابس الممكنة أثناء إلقاء الخطب".
ثم يتابع أبراهاميان: " وفي الوقت نفسه، صرح رفسنجاني صراحة أن الوقت قد حان لترك الأمور الصبيانية (…) كي تسير الثورة في مسارها الصحيح والصحي".
" بعد الخميني دخلت إيران في مسار طويل استنفدت معه جاذبية نموذجها الإسلامي وطاقته ومصادر شرعيته، حتى بين أشد مؤيديه حماسة"ينظر إلى تلك المرحلة على أنها حاسمة في مراكمة التصدعات الاجتماعية وانعكاسها على ما يوصف بـ" عقل الثورة الصلب".
فمع سياسات رفسنجاني الحائزة على رضا المرشد، دخلت إيران في مسار طويل استنفدت معه جاذبية نموذجها الإسلامي وطاقته ومصادر شرعيته، حتى بين أشد مؤيديه حماسة، وذلك بفعل الاحتكاك المستمر بين الأيديولوجيا والواقع.
فقد بدا النظام بعد الخميني، أو" الجمهورية الثانية" كما يسميها البعض، يبحث بالأخص عن سبل تعزيز رأسمال الدولة وإعادة توزيعه بين مختلف الأطراف طبقا لموازين القوى الجديدة.
" برزخ" التحولات والعقوبات" الثروة مثل الجليد في الطقس الحار، تذوب وهي تنتقل من يد إلى يد"بواسطة (المؤرخ الإيراني إرفاند أبراهاميان)بغرض تصوير ملامح التداعيات طويلة الأمد لتلك التحولات النيوليبرالية الهجينة على الثورة، يمكن تناول واقع واحد من أكثر أمكنة النظام رمزية: مدينة قم.
فالحوزة الدينية هناك، التي تعد" حصن الثورة وعقلها الصلب"، باتت نموذجا مصغرا للدولة الإيرانية منذ نهاية الثمانينيات، كما يصفها كمال الدين دعائي، الباحث في علم الاجتماع الحضري، في مقالة بعنوان" قم ما بعد النيوليبرالية الإسلامية: سردية المدينة في حالة البرزخ".
ويرى دعائي أن السياسات" النيوليبرالية الإسلاموية" ابتعدت بمدينة قم عن طابعها التاريخي الزاهد.
فهي تبدو مضطربة، تتنازعها المثل الثورية وإغراء الاستهلاك المعولم الذي يتناقض مع الخطاب الثوري.
في المقابل، يحيل مؤيدون للنظام إلى وثيقة وجهها المرشد علي خامنئي" إلى الشباب" في الذكرى الأربعين لانتصار الثورة بعنوان" الخطوة الثانية للثورة الإسلامية".
وقد شدد المرشد فيها على أن" الثورة الإسلامية.
لم ولن تصاب بالرکود والخمول والانطفاء، ولن تشهد تضادا أو عدم انسجام بين الغليان الثوري والنظام السياسي والاجتماعي".
ليس خافيا تقليل النظام الإيراني من حال التناقض بين واقع المجتمع والسلطة، وكذلك تبرير الأزمات الاجتماعية والتصدعات بأنها نتيجة لمنظومة العقوبات الاقتصادية الصارمة والمتزايدة (وهو أمر صحيح جزئيا).
فتلك العقوبات في نظر النظام الإيراني هي" ما يفاقم الصدوع"، الطبقية أو الاقتصادية أو القومية، وهو ما يندرج ضمن" مساعي الغرب لفرض هيمنته بالإكراه" بقيادة الولايات المتحدة، التي تريد" الانتقام من طهران"، وتوسيع نطاق" إمبرياليتها المالية"، بالاستناد إلى نظام عقوبات غير مسبوق يسد آفاق المستقبل أمام الجميع.
" السياسات النيوليبرالية الإسلاموية ابتعدت بمدينة قم عن طابعها التاريخي الزاهد.
فهي تبدو مضطربة، تتنازعها المثل الثورية وإغراءات الاستهلاك"لقد رافقت العقوبات الخارجية، لا سيما الأمريكية، تاريخ الجمهورية الإسلامية كله، لكنها لم تدخل مسارها الأشد إلا مع بروز الملف النووي في بدايات الألفية، وصولا إلى" العقوبات القصوى" في ظل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، التي تريد تصوير إيران أمام العالم على أنها ليست سوى الحرس الثوري.
لكن تداعيات ذلك تنعكس على عموم الإيرانيين من خلال" عسكرة الديناميات" كما تسميها نرجس باجوغلي، الباحثة الإيرانية في الأنثروبولوجيا، إذ تضطر الدولة إلى نقل أنشطتها الاقتصادية الأساسية إلى قنوات غير شفافة وخارجة عن النظام العام.
على سبيل المثال، ومن أجل استمرار التجارة مع العالم الخارجي، " تضطر السلع إلى المرور من قنوات متعددة، واتخاذ مسارات أطول عبر الأسواق السوداء والرمادية.
وفي مثل هذه الظروف، تغدو الرشى والعمولات أمرا اعتياديا".
وتلفت باجوغلي النظر إلى أن عجز الشركات المستقلة عن تحمل المخاطر القصوى الملازمة للتجارة في ظل هذه الشروط" يترك المجال للمؤسسات المرتبطة بالدولة وبالحرس كي تتحول إلى المحرك الأساسي للاقتصاد.
بل تبدأ أيضا بالاستحواذ على حصص متزايدة منه عبر أنشطتها التجارية".
ثمة تداخل بين تداعيات منظومة العقوبات الاقتصادية على النظام والمجتمع في إيران، وبين أثر التحولات النيوليبرالية الهجينة.
ولكن في ظلهما، راحت تبرز إرهاصات سياق طويل من الاحتجاجات في إيران نفسها، مركز محور المقاومة، نتيجة لتكاليف إستراتيجية الردع.
لم تكن الموجة الأولى في مستهل التسعينيات بالحجم الذي يؤثر على مسارات السياسة، وقد ارتبطت بالفقر الحضري والتهميش العمراني، لا سيما في مدن مشهد (1992) وقزوين (1994) وإسلام شهر (1995).
ولكن لعل الانعطافة في مسار الحركات الاحتجاجية قد بدأت تظهر مع" الصحوة الطلابية" في يوليو/تموز 1999 وحملة القمع العنيفة التي رافقتها.
أيدت الصحوة في قسم واسع منها الأفق الإصلاحي الذي طرحه الرئيس الأسبق محمد خاتمي، وعبرت عن خيبة أمل متزايدة تجاه الشأن العام.
ولكن بالتزامن معها سيظهر نفوذ الحرس الثوري بوصفه حامي النظام، وسيبدو وكأن الأولوية صارت لصون" الجبهة الداخلية" على حساب العمق الإستراتيجي.
فهذا العمق كان قد صار صلبا مع نهاية التسعينيات: حزب الله يتقدم في مقاومته لإسرائيل، ورهانات السلام تخفق، وسوريا لا تزال ركيزة في إستراتيجية الردع.
وفي تلك المرحلة كانت الصناعات الصاروخية الإيرانية قد بلغت حد تطوير صواريخ متوسطة المدى (1000-1300 كيلومتر)، في" قفزة كبرى في مدى الضربات الإقليمية لإيران".
" تسببت الاحتجاجات المستمرة في تحول أولويات إيران نحو صون الجبهة الداخلية على حساب العمق الإستراتيجي"ستتعزز وجهة صون" الجبهة الداخلية" بالتوازي مع تعمق سيطرة الحرس الثوري والباسيج.
وسيظهر الأمر جليا عام 2003، مع طبيعة الرد على موجات حراك طلابي جديدة، إذ بدا أن النظام صار ينظر إلى الاحتجاجات بوصفها" تآمرا خارجيا" على إيران.
وقد انطلقت احتجاجات عام 2003 باعتراضات على الرسوم الجامعية وخطط خصخصة التعليم العالي، ثم تجاوزتها نحو مطالب سياسية أوسع، وتزامنت مع بداية انخراط الحرس في العراق عقب الغزو الأمريكي ممثلا بفيلق القدس وقائده قاسم سليماني.
وكانت بداية الألفية الجديدة قد شهدت بروز صواريخ" فاتح-110" قصيرة المدى والعاملة بالوقود الصلب، التي ينظر إليها على أنها" جيل جديد تجاوز مشتقات صواريخ سكود التقليدية".
موجة الاحتجاجات الطويلة في إيران" اتركوا سوريا، فَكِّروا فينا"بواسطة (أحد شعارات الاحتجاجات الإيرانية عام 2017)تكثف مشهد الاحتجاجات مع اندلاع" الحركة الخضراء" في صيف عام 2009، وهو العام نفسه الذي شهد ارتفاعا في ميزانية الحرس الثوري لتعزيز قدراته الأمنية والبنية التحتية للمراقبة.
كان نفوذ إيران يتسع إقليميا آنذاك في بغداد والشام وبيروت وحتى في غزة، ولا يزال أثر انتصار حزب الله في حرب يوليو/تموز 2006 تجسيدا لتلك المرحلة.
ولذا لم تكن المؤسسة الحاكمة في طهران لتسمح باهتزاز المركز ومعه إدارتها وتصورها لإستراتيجية الردع بسبب احتجاجات داخلية اندلعت رفضا لتزوير الانتخابات الرئاسية مع إعلان فوز محمود أحمدي نجاد على حساب المرشح الإصلاحي مير حسين موسوي.
وقد عدت هذه الحركة وقتها أكبر تحد للنظام منذ تأسيسه، وقد طالبت الحركة بإصلاح النظام لا إسقاطه تحت شعار" أين صوتي؟ ".
وقد حاولت الحركة العودة إلى الشارع تزامنا مع بدايات الانتفاضات العربية بعد عامين، لكنها جوبهت بقمع واسع، وبفرض الإقامات الجبرية على أبرز قادتها.
" صارت الحركات الاحتجاجية المتتالية في إيران مؤشرا على مدى تحول المجتمع إلى عنصر متغير في معادلة الردع"بالوقوف عند هذه المحطات، يبرز تقاطع بين مسارين في إيران: فمن جهة كان هناك نموذج اقتصادي يحول المال إلى خزائن الأجهزة الأمنية والعسكرية، ومن جهة أخرى تبلور وضع داخلي دفع الحرس الثوري لإحكام القبضة في الداخل بهدف حماية النظام وتعزيز العمق الإستراتيجي.
فقد صار للحرس" إمبراطورية مالية" كما توصف، وراح نفوذه الإقليمي يتسع ويترسخ، وبدت إيران وإستراتيجية الردع في بداية العقد الماضي وكأنهما تدخلان نهائيا في عباءة مؤسسة الحرس الثوري ومن ورائها المرشد الأعلى.
كان طبيعيا إذن أن يتولى الحرس الثوري وفيلق القدس دفة إدارة" الأزمة" السورية منذ اندلاعها عام 2011، وهناك سيكسر" نهج الميدان" على مدار سنوات الحرب" نهج الدبلوماسية"، إذ اتخذت إستراتيجية الردع هيئة أكثر صدامية.
صارت الحركات الاحتجاجية المتتالية في إيران مؤشرا على مدى تحول المجتمع إلى عنصر متغير في معادلة الردع.
وظهر الأمر جليا مع احتجاجات عام 2017، التي رافقتها هتافات تناهض التدخل الإيراني في الإقليم على حساب الإيرانيين.
ويشير باحثون إيرانيون إلى أن تلك الاحتجاجات التي اندلعت في مدينة مشهد، واحدة من معاقل النظام، ثم عمت عشرات المدن، قادها شباب من الطبقات المتوسطة والفقيرة، التي عدت طويلا جزءا من قواعد النظام الاجتماعية الراسخة.
وقد هيمنت على الاحتجاجات شعارات قسمها باحثون إلى ثلاثة أهداف: العدالة الاجتماعية، وانتقاد المؤسسة الحاكمة بل وحتى الدعوة إلى إسقاط المرشد خامنئي نفسه، والربط بين تدخل إيران الإقليمي وتقصير الدولة محليا، حيث ظهرت شعارات مثل" اتركوا سوريا، فكروا فينا".
لاحقا، في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 اندلعت احتجاجات في عدد من المدن على خلفية قرار رفع أسعار البنزين بصورة حادة وصلت لدى بعض الشرائح إلى نحو 200%.
" كان التدخل الإيراني في سوريا أحد العناوين الرئيسية للاحتجاجات الداخلية منذ عام 2017"بعد أسابيع قليلة، وقع حدث غير متوقع حين اغتالت الولايات المتحدة قائد فيلق القدس والعقل المدبر لمحور المقاومة قاسم سليماني.
وقد جاء الرد الإيراني محدودا في قاعدة عسكرية بالعراق، آخذا في الاعتبار الوضعية الداخلية، ومنطلقا من فكرة مفادها أن الردع الإيراني لا يزال يفرض نفسه في الإقليم.
طوال الموجات الاحتجاجية داخل إيران كان النظام يلقي باللائمة على العقوبات الاقتصادية والحصار المتنامي.
ويذهب" المتشددون" فيه إلى تعميم الفكر المؤامراتي.
وفي سبتمبر/أيلول 2022، حين اندلعت واحدة من أكبر وأهم الحركات الاحتجاجية منذ الثورة ذاتها، كان النظام في خضم مرحلة تدعيم الجبهة الداخلية، خاصة بعد الخسائر المادية والبشرية التي تكبدها في سوريا مع عجزه عن تأمين ظهير سياسي للنظام في دمشق.
كانت شرارة الاحتجاجات هي وفاة الشابة الكردية مهسا أميني أثناء احتجازها لدى" شرطة الأخلاق".
وقد عرفت الحركة بشعار" امرأة، حياة، حرية"، وقادتها نساء وشهدت أفعالا رمزية تناهض سلطة النظام، مثل حرق الحجاب وقص الشعر في الساحات.
وقد أخذت الاحتجاجات بعدا إثنيا على خلفية الهوية الكردية للشابة، ما دفع بالنظام إلى التحذير من أي محاولات انفصالية، بل إنه وجه ضربات لجماعات كردية مسلحة في العراق في ذلك الوقت.
" دخلت إيران منذ وقت الحركة الحضراء مرحلة دورات احتجاجية وضعت المجتمع على مسار ثوري"كان الأمن في إيران، مركز محور المقاومة، قد أصبح ركيزة أساسية لديمومة إستراتيجية الردع.
وفي هذا السياق، يرى عالم الاجتماع الإيراني الأمريكي آصف بيات أن إيران دخلت منذ وقت" الحركة الخضراء" مرحلة دورات احتجاج تضع المجتمع" على مسار ثوري"، ويحاجج في مقالة بعنوان: " هل إيران على حافة ثورة أخرى؟ "، المنشورة في أبريل/نيسان 2023، بأن تلك الحركة وما تلاها" شكلت تحديا عميقا للنظام الإسلامي لكنها أخفقت في تغييره".
ولعل الأهم أن كل دورة احتجاجية كانت تبين أن جزءا كبيرا من المجتمع" لا يزال يفكر ويتخيل ويتحدث ويتصرف وفقا لأفق مغاير بشأن المستقبل"، بتعبير بيات، الذي يرى أن احتجاجات 2022-2023 ذهبت إلى مدى بعيد من حيث الرسالة والحجم والتركيبة.
فقد جمعت بين الطبقة الوسطى في المدن، وفقراء الطبقة الوسطى، وسكان العشوائيات، والإثنيات المختلفة.
لا تغيب هذه المعطيات والقراءات في المقالات البحثية الصادرة عن جهات إيرانية مرموقة قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، فقد حذر باحثون في جامعة طهران من أن احتجاجات ذلك العام" تشكل نوعا من التمرد الاجتماعي، وما لم تعالج القضايا الأساسية خلفها، فمن المرجح حدوث أعمال مماثلة في المستقبل".
حزب الله والانكشاف في سوريا" إذا احتاجت المعركة مع هؤلاء الإرهابيين التكفيريين أن أذهب أنا وكل حزب الله إلى سوريا، سنذهب إلى سوريا"بواسطة (حسن نصر الله في خطاب عام 2013)قبل أسابيع قليلة من سقوط نظام الأسد في دمشق، وقع حدث غير متوقع.
فبعد سلسلة ضربات قاسية، اغتيل أمين عام حزب الله حسن نصر الله في نهاية سبتمبر/أيلول 2024، وتعرض بذلك" محور المقاومة" لضربة غير مسبوقة.
وقد دخل الحزب حينها في مسار سيقوده بعد أسابيع قليلة إلى اتفاق لوقف إطلاق النار كانت الكفة فيه مائلة بشدة لصالح إسرائيل، بالتزامن مع تمهيد الطريق لسقوط النظام السوري.
لقد كشفت مشاركة حزب الله في الحرب السورية (2011-2024) قواته وتكتيكاته أمام إسرائيل.
كما كانت لهذه المشاركة آثار اجتماعية أبرزها تحول الحزب المقاوم إلى قوة مذهبية محضة، وتآكل شرعيته الثورية حتى وسط حاضنته الشيعية في لبنان.
كان أول دخول واضح لحزب الله في الحرب السورية في أشهرها الأولى، حين راح بضع عشرات من عناصره ينتشرون حول المراقد الشيعية في دمشق بذريعة حمايتها وتأمينها.
" كشفت مشاركة حزب الله في الحرب السورية قواته وتكتيكاته أمام إسرائيل"ثم في نهاية عام 2012، أطلقت قوات حزب الله معاركها عند الحدود الشرقية للبنان؛ وسط اتهامها الدولة بالتقاعس عن حماية القرى الحدودية، خاصة الشيعية، من" خطر الجماعات التكفيرية".
وفي مايو/أيار 2013، دخل حزب الله الأراضي السورية رسميا، حيث دارت المعارك الأولى في بلدة القصير وريفها (عند الحدود وعلى الطريق بين حمص ودمشق).
ورغم افتراض أن هكذا انتقال إلى ما وراء الحدود كان بطلب من طهران، فالمفارقة أن نصر الله نفى الأمر في تلك السنة بقوله: " أعطيناهم علما لأن أداءنا وسلوكنا وحركتنا سوف تنعكس عليهم".
وستظل هذه المسألة موضع سجال، لكن أول ما سيواجهه حزب الله في القصير هو تبلور شقاق عميق مع حركة حماس.
وهكذا، تحول الميدان السوري منذ البداية إلى مساحة اختبار لمتانة الترابط بين أطراف" الهامش" في إستراتيجية الردع الإيرانية.
" تحول الميدان السوري منذ البداية إلى مساحة اختبار لمتانة الترابط بين أطراف الهامش في إستراتيجية الردع الإيرانية"أتاحت الحرب في سوريا للحزب تطويرَ قدراته القتالية وتكتيكاته وعمله الاستخباري، مثل سلاح المسيرات، لكن لعل الأهم في انتقاله إلى ما وراء حدود لبنان هو أنه تحول من حركة مقاومة في وجه إسرائيل إلى آلة حرب في صراعات أهلية يسعرها بنفسه.
وقد انسحب ذلك سلبا على شعبية حزب الله وشرعيته، خاصة في الدول العربية، حتى أفرغ مكاسبه كافة في الميدان السوري من أي معنى خارج الإطار التعبوي.
كانت الحرب السورية تفقد حزب الله هويته، من أجل مصلحة وحيدة هي الحفاظ على مسار الإمداد المفتوح من طهران إلى بيروت.
ورغم ذلك، تبقى الطامة الكبرى للانخراط في حرب سوريا هي توفير حزب الله فرصة ثمينة للاستخبارات الإسرائيلية لاختراق منظومته.
فقد خرج الحزب من معاقله ومخابئه للمرة الأولى منذ نشأته، وترجح المصادر أن الاختراق كان" متعدد الطبقات" وأنه شمل اختراق شبكات الاتصال الخاصة، والمراقبة الجوية، وتحليل أنماط الحركة والسلوك، واختراق سلاسل التوريد.
وقد فاقم هذا المشهد اضطرار قوات حزب الله إلى تبادل وتشارك المعلومات مع الجيشين السوري والروسي، ما ساهم، وفقا لتقارير إسرائيلية، في رسم صورة استخبارية مفصلة عن نشاطات الحزب.
في واقع الأمر، كانت إسرائيل قد صنفت حزب الله جيشا لا مجرد تنظيم منذ دخوله الحرب السورية.
وقد عكس ذلك تحولا مفاهيميا دفع إلى دراسة حزب الله بالقدر نفسه من الدقة والاتساع الذي كانت تخص به الجيش السوري.
ومما زاد من وجوب ذلك إسرائيليا هو بلوغ حزب الله الجولان السوري وبداية تشييده شبكة مقاومة مع الحرس الثوري وجماعات محلية استقطبها عند الحدود السورية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.
" خسر حزب الله من المقاتلين في سوريا أكثر من جميع شهدائه في المواجهات مع إسرائيل منذ تأسيسه عام 1982 وحتى عام 2011"وقد كان لذلك الانخراط العسكري الطويل في أرجاء الجغرافية السورية أثمانا بشرية، حيث تذهب مصادر خاصة إلى تقديرات يبلغ أقصاها نحو 2500 قتيل، فيما تشير أخرى إلى رقم بين 1700 و2000 قتيل، مع العلم أن جميع هؤلاء لم يكونوا لبنانيين، وإنما من الملتحقين الجدد بصفوف الحزب على إثر الحرب، وأغلبهم من السوريين.
ولكن في الحالتين، يزيد هذا العدد عن عدد قتلى حزب الله منذ نشأته عام 1982 وحتى عام 2011، إذ تدور التقديرات الأكثر دقة حول 1300 قتيل في حقبته الأولى.
" نحن نحمي البلد من الفراغ الذي سيؤدي إلى الفوضى والانهيار"بواسطة (حسن نصر الله في أكتوبر/تشرين الأول 2019، تعليقا على مطالب الحركة الاحتجاجية في لبنان)بعيدا عن سوريا، سادت الاعتبارات" العسكرية" على جميع حسابات حزب الله.
ولكنه مثله مثل التجربة الإيرانية-الأم، أخذ يواجه تصدعا اجتماعيا فقدت معه الأيديولوجيا دورها في تفسير العالم وصناعة أفق مشترك، كما ترسخ لديه" التفكير المؤامراتي"، بحيث بات كل شيء يجري حوله جزءا من مخططات خفية تستهدف المقاومة ومجتمعها.
كان السياسة تُنزع سريعا عن شخصية الحزب بالتخلي عن الفاعلية اللازمة للإسهام في تشكيل الحياة السياسية والمجال العام.
ولم يعد ثمة محرك لتجربة حزب الله سوى العسكرية والأمن.
ولمن ينظر إلى حزب الله من الخارج، كان الملاحظ في تلك المرحلة تحول قيادته، إذ بدا الحزب عشية 7 أكتوبر/تشرين الأول وكأنه رهينة خريطة" قصوره".
فمع الحرب السورية والخروج أكثر إلى العلن، سادت رتبة" الحاج" في أعلى هرم القيادة، وهي رتبة تنظيمية يُعرف بها القادة العسكريون والمسؤولون الأمنيون، بهدف الحفاظ على السرية الشديدة وحمايتهم من الاختراق الأمني.
لقد هيمن توجه يميل إلى مقاربة الأزمات المحلية بوصفها مسائل أمنية قد تبلغ مستوى التهديد الوجودي، ولذا أجهض الحزب محاولات محاسبة المنظومة السياسية والمالية الحاكمة، كما ظهر جليا مع انتفاضة 2019 في لبنان، ظنا منه أنها أفضل سبل مواجهة" مؤامرة القضاء عليه".
ثم أتى 7 أكتوبر/تشرين الأول والحزب يعاني شعبيا، وبرزت مؤشرات على تآكل مصداقيته من الداخل، فيما أخذت تتنامى المسافة بينه وبين كل ما هو في الخارج، مع تعمق مخاوفه من كل ما هو خارجي.
" أخذت أحداث الطوفان وما بعده حزب الله على غرة، وظهر مقيدا كما لم يظهر من قبل"لقد أخذت حرب 7 أكتوبر/تشرين الأول حزب الله على غرة، وظهر مقيدا بشكل يتناقض مع صورته الثورية.
وفي خضم المشاورات المكثفة في الأيام الأولى، لم يكن حزب الله يخشى الحرب بقدر الخشية من طبيعة وتداعيات مواجهة من النوع الذي" لا يبقي ولا يذر"، لا سيما مع توقع مستوى من الشدة والعنف يفوق حرب يوليو/تموز 2006.
أدخلت الحرب الأخيرة حزب الله في محنة، بتعبير نُقل عن أعلى هرم القيادة فيه آنذاك.
فطوال الفترة الزمنية الممتدة لنحو عقدين منذ حرب 2006، كانت تتكدس على ضفتي نهر الليطاني في جنوب لبنان" الثارات والمخاوف والحسابات والأسلحة والورطات بمقادير ملتهبة" على حد وصف وضاح شرارة، الأستاذ الجامعي اللبناني.
ولكن حين حلت ساعة الحرب، بدا حزب الله متثاقلا كمن يسدد أثمان أخطاء حالت بينه وبين قدره.
بلغت المحنة ذروتها مع رحيل نصر الله، والانسحاب إلى شمال الليطاني، وتحول السلاح إلى معضلة أمنية.
لقد تغير الزمن، و" سقطت" دمشق، واضطر النظام الإيراني إلى الانكفاء خلف الحدود يدافع من جديد، وللمرة الأولى منذ الحرب مع العراق، عن وجوده لا غير، وذلك بعد نحو أربعة عقود من ولادة حزب الله وتحوله إلى باكورة مساعي تعظيم النفوذ الثوري الإيراني أيديولوجيا وسياسيا.
" للحرب نهايتان؛ إما نصر وإما هزيمة"عند اندلاع الطوفان في 7 أكتوبر/تشرين الأول، كانت الحرب السورية قد أعادت هندسة إستراتيجية الردع الإيرانية، إذ تحول محور المقاومة إلى شبكة معقدة من الفاعلين ذوي القدرات المتباينة على التصعيد والإيذاء.
وقد أبعدت تلك الشبكة المخاطر عن إيران المحاصرة بضغوط خارجية هائلة وبتراكم التصدعات الاجتماعية، إلى أن انكسر حزب الله ثم" سقطت" دمشق.
انهزم العمق الإستراتيجي لإيران، وكشفت المرحلة الجديدة محدودية الإستراتيجية الإيرانية لكونها دفاعية في جوهرها، كما انعكس فقدان الحاضنة الشعبية في تحجيم قدرة المركز وأطرافه على المناورة.
" بينما كان النظام الإيراني يعود إلى ما وراء حدوده، كانت إسرائيل تستمر في التصعيد"لقد تبدد الترابط الجغرافي القائم إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط.
وبينما كان النظام الإيراني يعود إلى ما وراء حدوده، كانت إسرائيل تستمر في التصعيد، بالتزامن مع تغير إستراتيجيتها بعد أكتوبر/تشرين الأول 2023، بتعبير باحثين إسرائيليين، " من احتواء المخاطر وإدارتها، إلى التصعيد ومنع إعادة بناء قدرات الخصوم".
ربما يكون هذا التراجع الإيراني الشديد هو ما أغرى الولايات المتحدة وإسرائيل لشن حربهما في نهاية فبراير/شباط، في مغامرة أثبتت أنها خطأ فادح لم يحقق معظم أهدافهما.
لم تستهدف واشنطن وتل أبيب نظاما متصدعا فحسب، بل ودولة ومجتمعا متصدعين أيضا، غير أن حربهما سرعان ما أحيت اللحمة الاجتماعية للدولة الإيرانية من جديد.
لقد أعاد المركز اكتشاف قدرته على الردع إذا ما تعرض لتهديد وجودي.
كان خوض الحرب بالنسبة إلى طهران أكثر فائدة بكثير من انتظارها.
لا يعني ذلك، بالضرورة أن وضعية النظام الإيراني الحالي تتيح له إعادة بناء نفسه ومنظومة الردع القديمة خاصته، لكن الأكيد هو عودة نظام الجمهورية الإسلامية إلى بعض ملامح زمن الثورة، حين كان المؤسس الخميني يرسي قواعد إستراتيجية الردع ويحشد مناديا: " استيقظوا وأيقظوا النائمين، استيقظوا وأيقظوا الأموات.
من أجل تمزيق دفتر الاستعمار".
في تلك الأيام، كانت الثورة الإسلامية تنتهج المثل الفارسي القائل: " للحرب نهايتان؛ إما نصر وإما هزيمة"، وها هي اليوم تعود إليه، بقيادة جديدة لا تتزال تتلمس طريقها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك