في الوقت الذي أكد فيه رئيس لبنان جوزيف عون للوفد الذي يُفاوض في واشنطن، أنه لا بديل عن الوقف النهائي لإطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي الكامل من الجنوب، جاء الرَّد الإسرائيلي على لسان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بإعلانه التمسك بـ«الحزام الأمني» في جنوب لبنان وعدم الخروج منه.
وترأس عون اليوم الخميس اجتماعًا في قصر بعبدا ضم قائد الجيش العماد رودولف هيكل ورئيس الوفد المفاوض السفير السابق سيمون كرم وأعضاء الوفد العسكري والفريق الاستشاري المواكب للمفاوضات.
جرى خلال الاجتماع تقييم التطورات الأخيرة في لبنان والمنطقة ومنها توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وايران، والتحضيرات الجارية لعقد الجولة المقبلة من المفاوضات اللبنانية - الأميركية - الإسرائيلية في واشنطن والتي من المقرر أن تعقد في 23 و24 و25 يونيو/ حزيران الجاري.
وزوَّد الرئيس عون الوفد المفاوض بتوجيهاته المرتكزة على ثوابت الموقف اللبناني لجهة الوقف النهائي لإطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي تحتلها وانتشار الجيش اللبناني حتى الحدود الدولية وعودة الأسرى اللبنانيين وإطلاق مَسِيرة الإعمار.
في المقابل، قال نتنياهو «لا تزال أمامنا تحديات تتطلب صبرًا وإصرارًا على مصالحنا الأمنية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على العلاقة المهمة مع أصدقائنا الأميركيين».
وأضاف نتنياهو «سنعيد الأمن لشمال إسرائيل، وهذا يلزمنا بالحفاظ على الحزام الأمني جنوب لبنان وألا نخرج منه طالما اقتضت ذلك احتياجات إسرائيل الأمنية».
وينص البند الأول من مذكرة التفاهم التي وقعت، مساء أمس الأربعاء، بين الولايات المتحدة وإيران على وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك الساحة اللبنانية، مع التزام الأطراف الموقعة وحلفائها بالامتناع عن المبادرة بأي حرب أو استخدام القوة، وضمان سلامة الأراضي اللبنانية وسيادتها.
في هذا السياق، أكد الدكتور محمد عز العرب، مدير وحدة الدراسات العربية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن الساحة اللبنانية تواجه حالة من التلاعب السياسي من جانب الأطراف الإقليمية والدولية، مشيرًا إلى أن ورود بند وقف الحرب في لبنان ضمن مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية لا يضمن بالضرورة نهاية فعلية للعمليات العسكرية على الأرض.
وأوضح عز العرب في مداخلة على قناة الغد، أن مذكرة التفاهم ركزت على وقف المواجهة المباشرة، لكنها أغفلت تحديد طبيعة العلاقة المستقبلية بين إيران ووكلائها في المنطقة، وعلى رأسهم حزب الله في لبنان.
وأشار مدير وحدة الدراسات العربية إلى وجود رغبة واضحة لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وتيار اليمين المتطرف للاستمرار في استهداف حزب الله، بهدف إحباط وإفساد الاتفاق الأميركي الإيراني الذي تراه تل أبيب مضرًا بمصالحها الأمنية.
وأضاف أن التقديرات الاستراتيجية لإسرائيل تدفعها لمواصلة الضغط العسكري لمنع حزب الله من استغلال التهدئة لإعادة تموضعه وبناء قدراته مجددًا.
وأكد عز العرب أن الحكومة الإسرائيلية تسعى جاهدة لتثبيت مكتسباتها الميدانية ونفوذها العسكري داخل الأراضي اللبنانية التي توغلت فيها، موضحًا أن إسرائيل لن تفرط بسهولة في تواجدها بجنوب لبنان، وتستخدم هذا التواجد لتعزيز الردع الصلب وترهيب الخصوم، وفرض واقع جديد يتجاوز أي تفاهمات سياسية دولية لا تلبي شروطها كاملة.
وشهدت الساحة اللبنانية تحولًا بارزًا بقيادة عون، الذي دعا في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» إلى فتح قنوات حوار مباشرة لإنهاء الصراع الممتد منذ عقود، متصديًا للنفوذ الإيراني في البلاد.
واتهم عون طهران صراحة بمعاملة لبنان كـ«ورقة مساومة» في استراتيجيتها الإقليمية، مؤكدًا التزام الحكومة بوضع كافة الأسلحة تحت سلطة الدولة الشرعية.
وحذر الرئيس اللبناني من أن محاولة نزع سلاح الحزب بالقوة قد تنزلق بالبلاد نحو حرب أهلية جديدة، مشددًا على أن تفكيك الحالة العسكرية لحزب الله يجب أن يتلازم مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل عبر القنوات الدبلوماسية.
من جهته، رفض الأمين العام للحزب، نعيم قاسم، أي محادثات مباشرة مع إسرائيل واصفًا إياها بالاستسلام، مؤكدًا أن القوة الإيرانية باتت مسموعة عالميًا بعد فشل محاولات إسقاط النظام في طهران.
واتهم قاسم الحكومة بتقديم تنازلات غير مبررة، مشددًا على أن مشروع تدمير البنية العسكرية للحزب يستهدف شريحة واسعة من المجتمع اللبناني.
على الجانب الآخر، أحدثت مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران انقسامًا داخليًا حادًا في إسرائيل، إذ أظهر استطلاع رأي أجرته هيئة البث الإسرائيلية (كان)، أن 55% من الإسرائيليين يعارضون الاتفاق ويرونه مضرًا بالمصالح الأمنية، مقابل تأييد 18% فقط.
وانتقد قادة المعارضة، ومن بينهم إيهود باراك ويائير لابيد، أداء نتنياهو واصفين الاتفاق بأنه إخفاق استراتيجي صادم خرجت منه إيران أكثر قوة.
وأعرب مسؤولو المؤسسة الأمنية عن إحباطهم، مؤكدين أن حملة الضغط الأقصى والعسكري كانت قد أوصلت النظام الإيراني إلى حافة الانهيار الاقتصادي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك