اتفاق سياسي جديد في ليبيا يجمع رؤساء مجلس النواب والمجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة على خارطة طريق تهدف لتمهيد الطريق نحو انتخابات شاملة، جيث تفتح هذه التفاهمات باب التساؤلات حول قدرة هذه الخطوة على كسر حالة الانقسام الممتدة في البلاد.
وفي هذا السياق، قدّم خبير العلاقات الدولية الدكتور إلياس الباروني قراءة تحليلية تكشف أبعاد هذا التحول وحدود فرص نجاحه.
وقال خبير العلاقات الدولية د.
إلياس الباروني في تصريح لشبكة عين ليبيا إن اجتماع رؤساء مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي يحمل دلالات سياسية مهمة، لكنه لا يمكن اعتباره خطوة حاسمة لإنهاء الأزمة الليبية، بل يعكس في جوهره حالة إدارة للجمود القائم أكثر من كونه إعلاناً عن نهاية الانقسام.
وأوضح الباروني أن هذا الاجتماع يعكس إدراكاً متزايداً لدى الأطراف المحلية والإقليمية والدولية بأن استمرار حالة الجمود أصبح مكلفاً للجميع، وأن استمرار الانقسام يهدد بتفكك المؤسسات أكثر مما هو قائم اليوم، غير أن التجارب السابقة في ليبيا أثبتت أن اللقاءات السياسية غالباً ما تنتج تفاهمات مؤقتة أكثر من تسويات نهائية.
وأضاف أن الانقسام الليبي لا يقتصر على كونه خلافاً بين مؤسسات دستورية، بل هو انعكاس لتوازنات قوى عسكرية واقتصادية وشبكات مصالح متشابكة، وهو ما يجعل أي اتفاق بين الرؤساء الثلاثة غير كافٍ ما لم يحظ بقبول القوى الفاعلة على الأرض وبإجماع دولي متوافق.
وختم هذا المحور بالتأكيد على أن الاجتماع يمثل محاولة لإدارة الأزمة أكثر من كونه إعلاناً عن نهايتها.
وفي ما يتعلق بمدى واقعية تحديد 17 فبراير 2027 موعداً للانتخابات، قال الباروني إن تحديد موعد زمني يحمل رسالة سياسية إيجابية، لكنه لا يعني بالضرورة أن الانتخابات ستجرى في ذلك التاريخ، موضحاً أن الانتخابات لا تقتصر على تحديد يوم للاقتراع بل تحتاج إلى قاعدة دستورية متوافق عليها، وقوانين انتخابية مستقرة، وحكومة موحدة، ومؤسسة أمنية قادرة على تأمين العملية الانتخابية، إضافة إلى قبول مسبق بنتائجها.
وأشار إلى أنه في ظل استمرار وجود حكومتين والانقسام العسكري والمؤسساتي، فإن الموعد يبدو أقرب إلى هدف سياسي لإظهار وجود خارطة طريق، وليس استحقاقاً مضمون التنفيذ، وبالتالي فإن 17 فبراير 2027 قد يكون موعداً رمزياً أكثر منه موعداً نهائياً ملزماً.
وفي ما يخص اللجنة السيادية العليا للإشراف على الانتخابات، أوضح الباروني أن إشراك المؤسسات المالية والأمنية يهدف نظرياً إلى توفير الضمانات اللوجستية والأمنية والمالية اللازمة للعملية الانتخابية، غير أن الخطر يكمن في أن تتحول هذه اللجنة إلى سلطة فوق المؤسسات الدستورية، بما يؤدي إلى خلق مركز قوة جديد خارج الإطار القانوني.
وأضاف أن هذا التوجه قد يؤدي إلى تداخل الصلاحيات وتوسيع دائرة المحاصصة بين المؤسسات السيادية، بدلاً من تعزيز دور المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وهو ما يعكس استمرار منطق تقاسم النفوذ بدلاً من بناء مؤسسات دولة واضحة الاختصاصات، مشدداً على أن نجاح هذه اللجنة يعتمد على بقائها إطاراً تنسيقياً لا بديلاً عن المؤسسات القائمة.
وفي ملف الربط بين الانتخابات والتعديل الدستوري الرابع عشر ومخرجات لجنة 6+6، قال الباروني إن هذا الربط يعكس محاولة للعودة إلى آخر نقاط التوافق بين مجلسي النواب والدولة، إلا أن هذه الخطوة قد تعقد الأزمة، لأن مخرجات لجنة 6+6 نفسها كانت محل خلاف واسع، كما أن التعديل الدستوري الرابع عشر لم يحظ بإجماع سياسي شامل.
وأوضح أن إعادة فتح هذه الملفات قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الخلافات القديمة، خصوصاً فيما يتعلق بشروط الترشح للرئاسة وتوزيع السلطات، مشيراً إلى أن المشكلة في ليبيا ليست غياب النصوص القانونية، بل غياب الإرادة السياسية لتنفيذها.
وفي ما يتعلق بإدراج المؤسسة الوطنية للنفط والاستثمارات الليبية الخارجية ضمن المؤسسات السيادية، قال الباروني إن هذه الخطوة تحمل أبعاداً اقتصادية وسياسية عميقة، إذ تعني سياسياً الاعتراف بأن إدارة الثروة النفطية والأصول الخارجية أصبحت جزءاً من معادلة التسوية السياسية.
وأضاف أنه اقتصادياً قد يؤدي ذلك إلى تعزيز مبدأ تقاسم النفوذ على المؤسسات الاقتصادية، وهو ما قد يهدد استقلاليتها الفنية، محذراً من أن الخطر الحقيقي يتمثل في انتقال الصراع السياسي إلى داخل المؤسسات النفطية والمالية وتحويلها من مؤسسات مهنية إلى ساحات للتوازنات السياسية، بحيث تصبح الثروة النفطية جزءاً من ترتيبات السلطة لا مجرد مورد اقتصادي للدولة.
وفي ملف تجميد الأموال والأصول حتى انتخاب رئيس، أوضح الباروني أن هذا الإجراء يقدم ظاهرياً كوسيلة لحماية الأصول الليبية من سوء الإدارة، لكنه سياسياً يمكن اعتباره ورقة ضغط لدفع الأطراف نحو تسوية سياسية، محذراً من أن استمرار التجميد قد يؤدي إلى خسائر استثمارية وتآكل قيمة الأصول وحرمان الاقتصاد الليبي من موارد يمكن توظيفها في التنمية.
وفي ما يخص التأكيد على حصرية تسويق النفط والعودة إلى الآليات السابقة لعام 2023، قال إن هذه النقطة تعكس صراعاً على إدارة الإيرادات النفطية وتوزيعها، موضحاً أن الهدف من حصرية التسويق عبر المؤسسة الوطنية للنفط هو منع ظهور قنوات موازية قد تؤدي إلى تقسيم القطاع النفطي.
وأضاف أن العودة إلى الآليات السابقة لعام 2023 تعني إعادة ضبط العلاقة بين المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي وآليات تحصيل وتوزيع الإيرادات، مؤكداً أن القضية ليست في تسويق النفط بحد ذاته، بل في من يتحكم في تدفقات الأموال الناتجة عنه، لأن النفط أصبح جوهر الصراع السياسي ومصدر الشرعية والسلطة في ليبيا.
وفي ما يخص اتفاق بوزنيقة وتسمية المناصب السيادية، أوضح الباروني أن الاتفاقات السابقة حققت نجاحات محدودة لكنها لم تنهِ الانقسام المؤسسي، لأن جوهر الأزمة لا يكمن في أسماء شاغلي المناصب، بل في غياب سلطة سياسية موحدة.
وأكد أن توحيد المؤسسات لا يتحقق بمجرد توزيع المناصب، بل يحتاج إلى مشروع سياسي شامل يحظى بقبول داخلي وتوافق إقليمي ودولي، لأن الخلافات المتعلقة بشرعية الحكومات وتوزيع الصلاحيات وموازين القوى العسكرية ستبقى قائمة.
وختم الباروني تصريحه بالقول إن هذه التفاهمات تكشف تحولاً مهماً في المقاربة الليبية، إذ يتم الانتقال من التركيز على الانتخابات كمدخل للحل إلى إعادة ترتيب مراكز النفوذ والمؤسسات السيادية أولاً، ثم تأجيل الحسم الشعبي إلى مرحلة لاحقة، ما يعني انتقالاً من منطق الشرعية الانتخابية إلى منطق التسوية بين القوى القائمة.
وأضاف أن نجاح هذه المبادرات لن يتوقف على صياغة النصوص أو تحديد المواعيد، بل على قدرة الأطراف المتصارعة على تحويل التوافقات السياسية إلى تسويات حقيقية على السلطة والثروة والسلاح، مشيراً إلى أن اجتماع المجالس الثلاثة، إذا صحّت مخرجاته، قد يمثل خطوة نحو إدارة أكثر استقراراً للأزمة، لكنه لا يشكل بالضرورة بداية النهاية للانقسام الليبي، لأن جذور الأزمة ما زالت أعمق من أن تعالجها تفاهمات النخب وحدها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك