شهدت الأيام القليلة الماضية حادثين مأساويين في دولتين مختلفتين.
ظاهريا، لا يوجد رابط مباشر بين الضحيتين؛ فلكل منهما قصة متفردة وبيئة مختلفة وطبيعة حادث مختلفة، وحتى النهايات جاءت في ظروف متباينة.
لكن خيطا رفيعا جمع بين الضحيتين، وهو السعي وراء جرعة سحرية من" الأدرينالين" الذي يفرزه الجسم في لحظات الإثارة والخطر، ذلك الهرمون الذي يدفع البعض إلى تجاوز الحدود التقليدية بحثا عن مغامرة أكبر أو تجربة أكثر تشويقا أو شهرة أسرع.
سبايدر مان اليمني في أعماق بركانفي اليمن، شغلت قصة الشاب القعقاع بن عنتر (31 عاما)، المعروف على مواقع التواصل الاجتماعي باسم" سبايدر مان اليمني"، الرأي العام، بعدما تحولت رحلته في صناعة المحتوى وخوض المغامرات الخطرة وتسلق الجبال إلى نهاية مأساوية.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل كان القعقاع، الذي لقي مصرعه بعد سقوطه في فوهة بركان أثناء تسلقه جروفا صخرية وعرة بدون وسائل أمان، يبحث عن شغفه الحقيقي، أم أن السعي إلى الشهرة السريعة على منصات التواصل الاجتماعي دفعه إلى تجاوز حدود الأمان؟ففي عصر أصبحت فيه المشاهدات والإعجابات عملة رائجة، بات كثيرون مستعدين للمخاطرة بحياتهم من أجل دقائق قليلة من الانتشار.
فاحتلال" الترند" قد يستغرق ثواني، لكنه في كثير من الأحيان لا يدوم أكثر من ساعات قبل أن يزيحه ترند جديد، بينما تبقى العواقب الحقيقية للأفعال الخطرة لفترات أطول بكثير.
برازيلية وثقت في الشخص الخطأأما في البرازيل، فقد تحولت لحظات قصيرة من المغامرة إلى مأساة، عندما دفعت الرغبة في خوض تجربة استثنائية أو توثيق لحظة مختلفة إلى نهاية لم تكن في الحسبان.
ثوان معدودة كانت كافية لتغيير مصير شابة بالكامل.
فمنذ أيام، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بقصة فتاة برازيلية تدعى ماريا إدواردا (21 عاما)، لقيت حتفها إثر سقوطها من ارتفاع 40 مترا من جسر في ساو باولو أثناء ممارسة نشاط القفز بالحبال" البانجي"، بعدما تركت من دون تثبيت بحبال الأمان.
ورغم أن الفتاة كانت تبحث عن لحظة احتفال ومغامرة لا تنسى، فإنها وقعت ضحية خطأ بشري قاتل.
فبحسب ما جرى تداوله، تقاعس المسؤول عن التأكد من تثبيت حبال الأمان بالشكل المطلوب، وهي خطوة تبدو بسيطة لكنها تمثل الفاصل بين الحياة والموت في مثل هذه الأنشطة عالية الخطورة، لتتحول قفزة كان يفترض أن تكون ذكرى سعيدة إلى مأساة.
كيف يرى علم النفس الباحثين عن الإثارة؟تشير دراسات إلى أن آلاف الأشخاص حول العالم يتعرضون سنويا لحوادث مرتبطة بسلوكيات البحث عن الإثارة والمخاطرة، ويؤكد علماء النفس أن ما يعرف بـ" البحث عن الإثارة" (Sensation Seeking) يعد سمة شخصية تدفع بعض الأفراد إلى السعي وراء التجارب القوية وغير المألوفة، حتى لو انطوت على مخاطر واضحة.
وعادة ما ترتبط هذه السلوكيات بنظام المكافأة في الدماغ وبنشاط الناقل العصبي" الدوبامين"، الذي يمنح الإنسان شعورا بالمتعة والإنجاز بعد خوض التجارب المثيرة.
ومع تكرار هذه التجارب، يعتاد البعض على جرعات الأدرينالين المصحوبة بإفراز الدوبامين، وقد يحتاجون إلى مستويات أعلى من المخاطرة للحصول على الشعور نفسه أو بدرجة أكبر، فيدخلون في دائرة متصاعدة من البحث عن الإثارة، تبدأ بمغامرات بسيطة وقد تنتهي بسلوكيات خطرة.
ولهذا يستخدم بعض الباحثين وعلماء النفس مصطلح" إدمان الأدرينالين" لوصف هذه الحالة بشكل مجازي، رغم أنها لا تصنف طبيا كإدمان فعلي، لكنها تتشابه مع أنماط الإدمان الأخرى في السعي المتكرر وراء الشعور بالنشوة والمكافأة النفسية.
ولا تقتصر خطورة البحث عن الإثارة على القصص الفردية التي تتصدر عناوين الأخبار، إذ تشير دراسات متخصصة في رياضات المغامرة والأنشطة عالية الخطورة إلى وجود ارتباط واضح بين الميل إلى المخاطرة وارتفاع معدلات الحوادث والإصابات.
فالأشخاص الذين يميلون إلى اختبار حدود الخطر بشكل متكرر يكونون أكثر عرضة للتعرض لإصابات وحوادث أثناء ممارسة الأنشطة الخطرة.
وتعكس بعض الإحصاءات حجم هذه المخاطر؛ إذ سجلت دراسة أُجريت في النرويج على أكثر من 20 ألف قفزة في رياضة" بيس جامب" الشهيرة 82 حادثا وإصابة غير مميتة و9 وفيات خلال 11 عاما فقط.
وانتهى باحثون إلى أن احتمالات الإصابة أو الوفاة في هذه الرياضة تفوق نظيرتها في القفز المظلي التقليدي عدة مرات، وهو ما يؤكد أن الخبرة والشغف لا يلغيان عنصر الخطر الكامن في الأنشطة التي تعتمد على تجاوز الحدود الطبيعية للأمان.
هل الأدرينالين خطر على الإنسان؟المفارقة أن الأدرينالين نفسه ليس عدوا للإنسان، بل هو جزء من آلية البقاء التي تساعده على مواجهة الأخطار والاستجابة للمواقف الطارئة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول البحث عن هذا الشعور إلى هدف بحد ذاته، وعندما تصبح المغامرة أكثر أهمية من السلامة، أو تصبح الشهرة أهم من الحياة نفسها.
اختلفت الجنسيات والقصص والظروف، لكن النهاية كانت متشابهة؛ فالضحيتان يفصل بينهما آلاف الكيلومترات، وكل منهما في قارة مختلفة، لكن جمعهما شيء واحد، وهو الرغبة في اختبار حدود الخوف والإثارة.
وبينما قد تمنح المغامرة لحظات لا تنسى، فإن تجاهل قواعد الأمان قد يحيل تلك اللحظات إلى نهايات مأساوية.
وبالتأكيد فإن الضحيتين اللتين رحلتا عن عالمنا ليستا سوى رقمين جديدين سبقهما آلاف، وسيتبعهما آلاف من الباحثين عن تجاوز حدود الأمان والعبور إلى أرض جديدة يعتقدون أنها تحرر النفس من قيودها، لكنها في الحقيقة قد تزهق الروح من جسدها.
وفي النهاية، يجب التذكير بأن المخاطرة لا تميز بين مشهور ومغمور، ولا بين شاب يبحث عن الشغف وآخر يطارد الشهرة أو شخص يسعى إلى تجربة استثنائية.
وما يجمع ضحايا الأدرينالين ليس طريقة الرحيل، بل اللحظة التي اعتقدوا فيها أن بإمكانهم الاقتراب من حافة الخطر والعودة سالمين، إلا أن الواقع يثبت أن بعض المغامرات لا تمنح أصحابها فرصة ثانية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك