كان هنرى كيسنجر يكرر أنه يفهم فى شيئين: الاستراتيجية الدولية وكرة القدم.
حلم كيسنجر، وزير الخارجية ومستشار الأمن القومى السابق، والذى عاش مئة عام حتى توفى عام 2023، بهيمنة بلاده على الشئون العالمية، وهو ما كان، وحلم كذلك بفوز بلاده بكأس العالم، وهو ما لم يتحقق حتى الآن، رغم سعيه الحثيث لوضع بلاده على خريطة كرة القدم العالمية.
وبسبب أصوله الألمانية، وكونه مشجعًا أصيلًا لفريق «جرويتر فورث» (Greuther Fürth) الألمانى فى مسقط رأسه، عشق كيسنجر الكرة منذ طفولته.
وعلى الرغم من أن الفريق الذى كان يحلم بالانضمام إليه كان يتشكل من الهواة المحليين، إلا أنه فاز بشكل غير مفهوم بالبطولة الألمانية ثلاث مرات خلال طفولة كيسنجر.
انزعج كيسنجر مبكرًا -منذ وصوله قبل الحرب العالمية الثانية لاجئًا إلى الولايات المتحدة- من أن الشعب الأمريكى لا يطلق على رياضة «كرة القدم» اسم (Football) كما تُسمى فى سائر أنحاء العالم، بل يطلق عليها «سوكر» (Soccer).
ورغم صعود الولايات المتحدة إلى نهائيات كأس العالم 11 مرة، ووصولها إلى الدور قبل النهائى عام 1930، ودور الثمانية فى مونديال 2002 بكوريا الجنوبية واليابان، إلا أن كرة القدم فيها لا تتمتع بنفس ما تتمتع به رياضات أخرى، مثل كرة السلة وكرة القدم الأمريكية أو البيسبول، من شعبية.
ومن هنا قرر كيسنجر القيام بكل ما يستطيع لرفع شعبية اللعبة فى أمريكا.
حضر كيسنجر عدة مباريات تاريخية منها نهائى كأس العالم عامى 1970 و1994.
وكان كيسنجر يُسبب الكثير من التوتر لمساعديه بسبب رغبته فى تنظيم جدول مواعيده، بحيث لا تتعارض مشاهدته لمباريات كأس العالم مع جدول مقابلاته والتزاماته المهنية قدر المستطاع.
بعد اعتزال أسطورة الكرة العالمية بيليه لعب الكرة مع منتخب بلاده البرازيل عقب الفوز التاريخى على إيطاليا فى نهائى كأس العالم 1970 وتخطيه الثلاثين من العمر، انهالت عروض الاحتراف على الجوهرة السوداء من أندية فى إسبانيا وإيطاليا، إلا أنه رغب فى الاستمرار مع فريقه البرازيلى المفضل سانتوس.
وفى بداية عام 1974، سافر كيسنجر إلى ساو باولو وطلب أن يقابل بيليه للحديث معا فى أحد المقاهى، وخلال اللقاء أقنع كيسنجر بيليه بأهمية القدوم والاحتراف فى نادى «كوزموس نيويورك»، وقال إن هذه الخطوة المبدئية تعنى تغيير خريطة الكرة العالمية وغرس بذرتها فى الولايات المتحدة.
أبرز كيسنجر دور بيليه المتوقع فى إخراج كرة القدم من المدارس الثانوية الأمريكية لتكون إحدى الرياضات الهامة فى الجامعات، وتأسيس دورى للمحترفين.
وقال كيسنجر: «اسمع، أنت تعرفنى كسياسى، لكنى كعاشق لكرة القدم أريد مساعدتك فى الترويج لكرة القدم فى الولايات المتحدة».
ووافق بيليه على الفكرة معتقدًا أنه سيمضى عامًا واحدًا هناك، إلا أنه لعب لفريق كوزموس لثلاثة أعوام بصحبة نجوم الكرة العالمية آنذاك مثل فرانز بيكنباور، ويوهان كرويف.
توقع كيسنجر أن يكون وجود هؤلاء اللاعبين كافيًا لتغيير شكل كرة القدم داخل أمريكا، وهو ما لم يكن (أو: يحدث)، وفشلت المحاولة الأولى.
ثم عاد كيسنجر لكرة القدم متزعمًا جهود الولايات المتحدة للحصول على حق استضافة كأس العالم عام 1994، ونجحت بلاده فى مسعاها لأسباب كثيرة، منها شبكة علاقات كيسنجر الواسعة، رغم حداثة عهد أمريكا بكرة القدم.
بعد نجاح معجزة كرة القدم دييجو مارادونا فى الفوز بكأس العالم عام 1986، وخسارته المباراة النهائية عام 1990، أصبح مارادونا هدفًا لكيسنجر كى يستخدمه لتطوير كرة القدم داخل الولايات المتحدة، ورفع شعبيتها قبل استضافة مونديال 1994.
وسبّب جهل أغلبية الشعب الأمريكى بنجوم الكرة حول العالم فى تلك الفترة، مثل باجيو الإيطالي، أو هاجى الرومانى أو فالديراما الكولومبى، قلقًا كبيرًا لكيسنجر.
إلا أن الأغلبية تعرفوا على مارادونا أثناء وعقب مونديال 1986، كما تعرف الشعب الأمريكى على مارادونا بسبب هدفيه فى إنجلترا؛ إذ سجل مارادونا الهدف الأول بيده دون أن يلاحظ الحكم ذلك، ثم سجل هدفه الاستثنائى فى مرمى إنجلترا، وهو الهدف الذى اعتبره الاتحاد الدولى لكرة القدم (الفيفا) أعظم هدف فى تاريخ كأس العالم، حين استلم مارادونا الكرة فى نصف ملعبه، وجرى بها ولمسها 11 مرة مرورا بأكثر من نصف الملعب مراوغًا لخمسة لاعبين إنجليز، قبل أن يخدع حارس المرمى بيتر شيلتون ويضع الكرة داخل المرمى.
لكن لم تنجح جهود كيسنجر فى جذب مارادونا للعب فى الولايات المتحدة قبل المونديال، وقرر الانتظار لما بعد انتهاء البطولة، إلا أن مارادونا كان له رأى آخر.
لعب مارادونا مباراتين فقط ضد اليونان ونيجيريا، وعقب مباراة نيجيريا، التى كانت الأخيرة دوليًا له، خضع مارادونا لاختبار المنشطات، حيث ثبُت تعاطيه منشطات محظورة، وتم إيقافه من الفيفا، ثم عاد مارادونا لبلاده الأرجنتين ليختتم مسيرته الكروية هناك كلاعب مع فريق بوكا جونيورز حتى عام 1997.
هكذا فشلت أحلام كيسنجر فى جذب مارادونا للدورى الأمريكى الصاعد قبل استضافة بلاده لكأس العالم عام 1994، أو بعدها بسبب فضيحة المنشطات.
مَثّلَ انضمام أيقونة الكرة العالمية المعاصرة، ليونيل ميسى، إلى فريق إنتر ميامى بولاية فلوريدا خبرًا مثيرًا للكرة الأمريكية، إذ إنها فرصة أخرى نادرة لتغيير خريطة اللعبة داخل أمريكا.
وميسى، الذى فاز بالكرة الذهبية كأفضل لاعب فى العالم ثمانى مرات، ورفع كأس العالم الأخيرة فى قطر بعد نهائى مثير ضد فرنسا لم تحسمه إلا ركلات الترجيح، اختار القدوم إلى ولاية فلوريدا بعد منافسة سعودية إسبانية على ضمه.
ويمثل اختيار ميسى ليختم حياته الكروية بأمريكا تحديًا له ولمستقبل شعبية اللعبة فى الولايات المتحدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك