بعد الانتقادات التي أعقبت دعوتها واشنطن إلى التدخل لمنع سقوط الأبيض، عادت الدكتورة أماني الطويل لتوضح موقفها بتغريدة قالت فيها: «لما قلت انقذوا الأبيض من السقوط كنت مهتمة بتجنب وقوع المزيد من الضحايا على نمط الفاشر، أي كنت مهتمة بالبشر خصوصاً النساء وليس بالحجر ولا بالمصالح.
للأسف غالبية ردود الفعل حصرت التفسير في نطاق الانعكاس على المصالح، ولم تذكر أو تتحسب للخسائر البشرية والإنسانية».
للوهلة الأولى يبدو هذا التوضيح نبيلاً ومقنعاً.
فمن ذا الذي يمكن أن يعترض على حماية المدنيين؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يعلن عدم اكتراثه بمصير النساء والأطفال وسط الحرب؟لكن المشكلة أن أحداً لم يكن يناقش هذه القضية أصلاً.
فالخلاف لم يكن حول قيمة حياة المدنيين، بل حول السؤال الذي أثارته تغريدتها الأولى ولم تجب عنه تغريدتها الثانية: ما الذي تغير حتى بات استدعاء واشنطن لإنقاذ الأبيض يبدو ضرورة ملحة وعاجلة؟ ولماذا تبدو إرادة السودانيين أقل حضوراً في الخطاب من المخاوف الأمنية الإقليمية المرتبطة بمستقبل السودان؟ هل يرتبط كل ذلك بهواجس من تغير عميق بات وشيكاً في موازين القوى السياسية داخل السودان قد يفضي إلى نهاية منظومة ظلت تعرقل إمكانية قيام دولة قوية وقادرة على حماية شعبها، صيانة كرامته، وتحديد أولياتها الوطنية بحرية واستقلالية؟ذلك هو السؤال السوداني الذي جرى الالتفاف عليه.
وبدلاً من الإجابة عليه، انتقل النقاش فجأة من السياسة إلى الأخلاق، ومن مناقشة الوسائل والنتائج إلى الحديث عن النوايا الحسنة.
فأصبح المطلوب من الجميع أن يثبتوا أولاً أنهم يتعاطفون مع الضحايا قبل أن يحق لهم مناقشة جوهر الفكرة المطروحة.
وهنا بالضبط تبدأ المراوغة.
فالانتقال من السؤال السياسي إلى السؤال الإنساني ليس بريئاً دائماً.
وأحياناً يكون وسيلة للهروب من منطقة أكثر إزعاجاً.
لأن السؤال الذي أُثير بعد تغريدة التدخل الأمريكي يقود مباشرة إلى سؤال أكبر وأكثر حساسية: هل المطلوب معالجة أعراض الأزمة أم مساءلة النموذج السياسي الذي صنع الأزمة؟فهذا الانهيار لم يبدأ في الأبيض، ولم يولد في الفاشر، ولم تصنعه الحرب الحالية وحدها.
إنه نتيجة مسار طويل من الفشل السياسي وتعطيل التطور المؤسسي وإجهاض فرص بناء دولة مدنية مستقرة.
وحين يُطرح السؤال بهذه الصورة، يصبح من الصعب تجاهل الدور الذي لعبته قوى إقليمية عديدة، وفي مقدمتها الدولة المصرية ونخبها العسكرية، في ترسيخ رؤية ظلت ترى في الجنرال السوداني شريكاً أكثر موثوقية من المجتمع السوداني نفسه.
لقد ساد، لعقود طويلة، تصور يعتبر أن استقرار السودان يتحقق عبر مراكز القوة العسكرية لا عبر المؤسسات المدنية، وأن المصالح الاستراتيجية تُصان عبر التحالف مع الحكام لا عبر بناء علاقات متوازنة مع الشعوب.
وربما بدا ذلك خياراً عملياً على المدى القصير، لكنه كان خياراً مكلفاً على المدى الطويل.
فكل فرصة أُهدرت لبناء مؤسسات مستقلة، وكل انتقال ديمقراطي أُضعف أو أُجهض، كان يضيف طبقة جديدة إلى الأزمة التي انفجرت لاحقاً في وجه الجميع.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس كيف نمنع سقوط مدينة جديدة في الحرب، بل لماذا وصل السودان أصلاً إلى وضع تصبح فيه كل مدينة مرشحة للسقوط، وكل أزمة مرشحة للتحول إلى مأساة إنسانية.
هنا تحديداً يصبح استدعاء اللغة الإنسانية غير كافٍ.
فالفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني Max Weber ميّز منذ وقت مبكر بين “أخلاق النوايا” و”أخلاق المسؤولية”.
فمن السهل أن يعلن المرء نبل مقاصده، لكن السياسة لا تُقاس بالنوايا وحدها، بل بالنتائج التي تترتب عليها.
وليس السؤال هنا ما إذا كانت الدكتورة أماني الطويل تتعاطف مع المدنيين أم لا، بل ما إذا كانت مستعدة لمساءلة السياسات والرؤى التي ساهمت في إنتاج هذا الواقع المأساوي جيلاً بعد جيل.
ومن زاوية أخرى، يذكّرنا Amartya Sen بأن المآسي الإنسانية ليست مجرد أحداث إنسانية منفصلة عن السياسة، بل هي في جوهرها نتيجة لفشل مؤسساتي طويل الأمد.
فالإنسان لا يُسلب حياته بالقذيفة فقط، بل يُسلبها أيضاً حين يُحرم من التعليم الجيد، ومن التنمية، ومن المؤسسات القادرة على حمايته ومحاسبة حكامه.
ولذلك فإن الدفاع الحقيقي عن البشر لا يبدأ عند لحظة الكارثة، بل قبلها بسنوات طويلة، حين تُبنى المؤسسات وتُحمى الحريات وتُتاح للمجتمع فرصة المشاركة في تقرير مصيره.
أما Hannah Arendt فكانت ترى أن احترام الإنسان لا يقتصر على الشفقة عليه، بل يبدأ بالاعتراف به فاعلاً سياسياً كاملاً.
ومن هذه الزاوية لا يكفي أن تنظر إحداهن إلى السودانيين باعتبارهم ضحايا محتملين يحتاجون إلى الحماية، بل ينبغي النظر إليهم أيضاً باعتبارهم أصحاب حق في اختيار شكل الدولة التي يريدونها، وطبيعة النظام الذي يحكمهم، والعلاقات الإقليمية التي تخدم مصالحهم.
ولهذا فإن جوهر الخلاف مع تغريدة الدكتورة أماني الطويل ليس إنسانياً بل سياسياً.
لا أحد يعترض على حماية المدنيين، ولا أحد يهوّن من شأن الخسائر البشرية.
لكن التذرع بالإنسانية لا يعفي أحداً من الإجابة عن الأسئلة السياسية والأخلاقية التي أثارتها مواقفه السابقة.
فإذا كانت المأساة الإنسانية هي معيار الحكم، فمن حق السودانيين أن يسألوا عن حصيلة عقود طويلة من الرهان الإقليمي على الجنرالات بوصفهم ضامنين للاستقرار.
ومن حقهم أن يسألوا لماذا انتهى هذا “الاستقرار” دائماً إلى مزيد من الحروب والانقلابات والانقسامات.
ومن حقهم أن يتساءلوا كيف تحولت الدولة السودانية، بعد عقود من الوصاية الأمنية والعسكرية، إلى واحدة من أكثر دول المنطقة هشاشة واضطراباً.
ذلك هو السؤال السوداني.
وذلك هو السؤال الذي لم تجب عنه الدكتورة أماني الطويل.
أما الحديث عن النساء والأطفال، على أهميته الإنسانية والأخلاقية، فلا يغيّر من هذه الحقيقة شيئاً.
لأنه لا يزال يتحدث عن ضحايا الأزمة، بينما يتهرب من الحديث عن الأسباب التي جعلت الأزمة ممكنة أصلاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك