بعيداً عن الطائفية والقناعات المذهبية نجد في تاريخنا الفقهي اتجاهين رئيسيين يمثلان السردية الفكرية والسياسية والمجتمعية والاقتصادية.
أحدهما السردية السنيّة والآخر السردية الشيعية.
وقد نجحت كلتا السرديتين في تقديم نظرية سياسية واقتصادية واجتماعية للمجتمعات والكيانات والدول التي سادت في العصور الأولى.
لقد أثرت وما زالت تؤثر هذه السرديات حتى أصبح كثيراً ممن أراد تحرير المفاهيم يقع في فخ تقديس تراث معين (مثل العصر العباسي أو الدولة العثمانية أو الدولة الفاطمية كفترة مثالية) دون بيان كيف تحوّلت بعض مشاريع «تحرير المفاهيم» إلى أسطرة للماضي، مما يعوق نقد التراث المغلق من الداخل.
السردية الشيعية والعباسية تقوم سرديتها على تقديس آل البيت وجعلهم قدوة وأصحاب حق مغتصب عملوا على استعادته.
السلطة في الفكر الشيعي والعباسي هي حق إلهي.
والمظلومية عنصر أساسي للتعاطف والفداء والإخلاص لهذه السلطة.
غالباً ما تركز السردية على مفاهيم كبرى كالدولة والدين، بينما تهمّش قضايا مثل:· العدالة الطبقية في مفاهيم التنمية (من تخدم «التنمية» عندما همّشت الطبقات الاجتماعية الأقل حظاً؟ )· الجسد كموقع للهيمنة (سيطرة الدولة على أجساد النساء في قوانين الحشمة، أو على أجساد الرجال في التجنيد الإجباري).
· المركز مقابل الأطراف (كيف يعيد مفهوم «الدولة المدنية» إنتاج هيمنة العاصمة على الريف والمناطق المهمشة؟ ).
الواقع والتاريخ يظهر بوضوح أن السرديتين السنّية والشيعية أنتجتا نظريات متكاملة للسلطة والدولة، لكنهما اشتركتا في تأسيس شرعية «حق إلهي» للسلطة (وإن بآليات مختلفة: النص والوراثة عند الشيعة، والإجماع والخلافة عند السنّة).
كما أن تركيزهما على مفاهيم كبرى (الدولة، الإمامة، الأمة) جعل قضايا مثل العدالة الطبقية، والجسد، والمركز والأطراف ثانوية أو غائبة.
تحويل العصر العباسي أو الفاطمي أو العثماني إلى نماذج مثالية يعيق نقد تركيبات السلطة الفعلية، ويعيد إنتاج التراتبية نفسها تحت شعار «التحرير».
وأي مشروع يطمح إلى تحرير المفاهيم اليوم يحتاج أولاً إلى تفكيك هذه السرديات، والانتباه إلى أن «الدولة المدنية» في السياق العربي قد تعيد إنتاج هيمنة المركز إذا لم تُرفق بلامركزية حقيقية وعدالة اقتصادية ومقاربة نقدية للسلطة على الجسد.
المطلوب ليس اختيار سردية على أخرى، بل تجاوز ثنائية «الحق الإلهي» نحو مفاهيم قائمة على المواطنة والكرامة والعدالة التوزيعية.
المعضلة التي يعيشها العالم العربي والإسلامي تكمن في عدم قدرته على تجاوز هذه الثنائية، ولا يعني ذلك إلغاء التراث أو الخروج منه، بل يعني التعامل معه كنص مفتوح قابل للنقد، لا كخطاب مقدس يُستحضر لتبرير طوبى ماضوية.
المطلوب هو نقلة إبستمولوجية إلى التفكير في «كيف نمنع أي سلطة من تحويل الجسد البشري إلى وقود لمشاريعها».
وهذا يستدعي:1.
نقد فكرة «التنمية» كأيديولوجيا تخدم النخب وتُبقي على الفوارق الطبقية، بدلاً من أن تكون أداة للعدالة التوزيعية.
2.
إعادة الاعتبار للجسد كفضاء سياسي: فحرية اللباس ليست أقل قداسة من حرية العقيدة، وعدم الخضوع للتجنيد الإجباري ليس خيانة للوطن بل امتداد للحق في الملكية على الجسد.
3.
التحرر من «قداسة الماضي» باعتبارها آلية إلهاء تمنعنا من رؤية أن كل إمبراطورية (عباسية، فاطمية، عثمانية) كانت تنتج فقراءها وهوامشها بنفس الدرجة التي تنتج فيها مجدها.
لا حل في العودة إلى أي من السرديتين الكلاسيكيتين، بل في بناء سردية ثالثة تنطلق من الأجساد المتعبة والمناطق المنسية، لا من عرش أو إمامة أو خلافة.
سردية لا تسأل: «من يحكم بحق إلهي؟ » بل تسأل: «من يجوع؟ من يُجرّد من ملابسه قسراً؟ من يُساق إلى الحرب بغير إرادته؟ » عندها فقط نخرج من فخ الأسطرة إلى أرض السياسة الحقيقية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك