تواصل أوروبا الدوران في الحلقة نفسها: تصف المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة بأنها غير قانونية، لكنها تواصل استقبال منتجاتها في أسواقها.
تندد بالاستيطان سياسياً، وتدعمه اقتصادياً، وتتمسك بخطاب القانون الدولي قبل أن تتردد في تطبيقه على فلسطين.
وبين الأقوال والأفعال تتجلى واحدة من أكثر صور الازدواجية فجاجة.
يضيف تقرير جديد لمركز" غلوبال إيكو" للتقاضي دليلاً إلى هذا التناقض، كاشفاً عن استمرار تدفق منتجات المستوطنات من الأراضي الفلسطينية والجولان المحتلين إلى الأسواق الأوروبية.
ولا يقتصر الأمر على تناقض سياسي، بل يمثّل مساهمة في دعم اقتصاد استعماري يقوم على مصادرة الأرض والموارد الفلسطينية لفرض التهجير القسري، فيما تواصل بعض الحكومات الأوروبية وصف هذه المستوطنات بأنها انتهاك للقانون الدولي.
في بريطانيا تبدو الصورة أوضح.
فبينما تتواصل الانتقادات لبعض سياسات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، تتزايد الضغوط على حركات التضامن مع الفلسطينيين.
وفي ظل قيادة كير ستارمر، التي أعادت رسم ملامح حزب العمال بعد إقصاء جيرمي كوربن، بات النقاش حول فلسطين أكثر تقييداً، فيما يواجه ناشطون ومتضامنون إجراءات مشددة تصل إلى توظيف قوانين مكافحة الإرهاب في قضايا مرتبطة بالاحتجاج السياسي أو باستهداف شركات مرتبطة بالصناعات العسكرية للاحتلال.
ولا تقتصر الظاهرة على بريطانيا؛ فمن ألمانيا إلى الدنمارك، تتنامى الشكاوى من التضييق على المتضامنين مع الفلسطينيين، بما في ذلك ملاحقة طلاب جامعيين شاركوا في احتجاجات ضد الحرب على غزة.
وهنا يبرز تناقض آخر: أوروبا التي تقدم نفسها حامية لحرية التعبير، تبدو أقل تمسكاً بهذه القيمة عندما يتعلق الأمر بفلسطين.
وفي الوقت نفسه، تُختزَل الأزمة في بضعة وزراء متطرفين في حكومة الاحتلال، وكأن الاستيطان وجرائم الحرب مجرد انحرافات فردية، لا تعبير عن منظومة استعمارية كاملة.
المشكلة أن هذا النهج لا يعالج التناقض، بل يفاقمه، ذلك أنه لا يمكن وصف المستوطنات بأنها غير قانونية مع السماح لمنتجاتها بدخول الأسواق، ولا الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان مع التضييق على حركات التضامن والاحتجاج السلمي.
كذلك لا يمكن الاكتفاء بإدانات لفظية بلا كلفة سياسية أو اقتصادية.
في جوهر الأمر، لا تكمن أزمة أوروبا في خطابها المعلن، بل في الفجوة بين ما تقوله وما تفعله.
فحين تستمر بضائع المستوطنات في العبور إلى أسواقها، وتُواجَه حركات التضامن بالقيود والملاحقات، تصبح الرسالة الفعلية هي الانتقائية في سريان القانون الدولي.
وهنا تكمن الحلقة المفرغة: إدانة بلا إجراءات، وقيم معلنة تتراجع كلما اصطدمت بحماية الاحتلال في فلسطين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك