عادت التفاهمات التي توصلت إليها الولايات المتحدة الأميركية مع إيران أخيراً إلى الواجهة مسألة معقدة عادة ما تثير لغطاً، وهي الفرق بين مذكرات التفاهم والاتفاقات النهائية التي تفرز نقاطاً ملزمة.
ويعد التمييز بين مذكرة التفاهم والاتفاقية النهائية مدخلاً أساساً لتفكيك مراحل الصراع وأبعاده والتفاوض من أجل الوصول إلى حل نهائي للأزمات التي عرفها ولا يزال المجتمع الدولي.
تعد مذكرة التفاهم في جوهرها وثيقة سياسية تعكس وجود رغبة وتقارب أولي بين طرفين في شأن أهداف مشتركة من دون إلزامية قانونية، لذلك هي أقرب إلى خريطة طريق تكشف ما تم الاتفاق عليه وما ستتم مناقشته لاحقاً في مدد زمنية واضحة.
في السياق رأى الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الدولية نزار مقني أنه" في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، هناك فرق جوهري بين مذكرة التفاهم والاتفاق النهائي، على رغم أن العامة كثيراً ما تتعامل معهما وكأنهما الشيء نفسه، فمذكرة التفاهم هي إطار سياسي أو تفاوضي يحدد المبادئ العامة التي اتفق عليها الطرفان، وتضع خريطة طريق للمسار اللاحق"، وتابع مقني" المذكرة تعتبر أشبه بإعلان نوايا متبادل أكثر منها وثيقة ملزمة بكل تفاصيلها، وفي العادة تتضمن الأهداف الكبرى، وآليات العمل، والخطوط العريضة للتسوية، لكنها تترك الملفات التقنية والقانونية والأمنية للتفاوض اللاحق، أما الاتفاق النهائي فهو الوثيقة التي تتحول فيها المبادئ إلى التزامات محددة ومواعيد زمنية وآليات تنفيذ ورقابة وتسوية نزاعات"، ولفت مقني إلى أنه" بمعنى آخر، مذكرة التفاهم تجيب عن سؤال إلى أين نريد أن نصل؟ بينما الاتفاق النهائي يجيب عن سؤال كيف سنصل؟ وماذا سيحدث إذا أخل أحد الأطراف بالتزاماته؟ "، وأشار إلى أنه" لهذا السبب تحديداً تبدأ الدول المتنازعة غالباً بمذكرة تفاهم قبل الانتقال إلى الاتفاق النهائي، إذ تكون مستويات انعدام الثقة مرتفعة للغاية، ويصعب على أي طرف أن يقفز مباشرة إلى اتفاق شامل، لذلك تحتاج الأطراف أولاً إلى اختبار نوايا بعضها بعضاً، وقياس مدى القدرة على تنفيذ الالتزامات الأولية، وتهيئة الرأي العام الداخلي، إذ إن القادة لا يتفاوضون مع خصومهم فحسب، إنما يتفاوضون أيضاً مع مؤسسات دولهم وجيوشهم وأحزابهم وحلفائهم".
ويعد الاتفاق النهائي بالفعل وثيقة سياسية وقانونية تحول التقارب بين طرفين إلى التزامات واضحة المعالم وقابلة للتنفيذ.
وتكمن أهمية الاتفاقات النهائية في أنها تضع نصوصاً واضحة تحدد التزامات كل طرف، وأيضاً الجداول الزمنية المحددة لتنفيذ هذه الالتزامات، وغير ذلك.
ورأى الباحث السياسي طلعت طه، من ناحيته، أن" الاتفاق النهائي هو الذي نصل فيه إلى حل جذري وفيه نهاية لكل شيء، على سبيل المثال في حال الصراع الأميركي - الإيراني أن يقع التوصل إلى اتفاق حول تخصيب اليورانيوم في مستوى معين ويتم غلق الملف نهائياً"، واستدرك طه بالقول" لكن مذكرة التفاهم هي اتفاق على الجلوس للتفاوض من جديد بشروط جديدة وما يطرأ عليها من تغيرات قد تحدث"، وشدد على أنه" بالنسبة إلى مذكرة التفاهم في هذا الشأن، فهي تنص على وقف للصراع مقابل استئناف التفاوض على شروط جديدة وتسويات جديدة، وأن تكون هناك قابلية لتنفيذ التزامات عند التوصل إلى اتفاق نهائي، لذلك أعلنت واشنطن استعدادها لمنح طهران المليارات، لكن بشروط".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ومع أن الملفات المؤجل حسمها تبقى غالباً الأصعب والأكثر حساسية، فإن التساؤل الذي يطرح، ما الأخطار التي تحيط بعملية صنع السلام أثناء التفاوض على مذكرات التفاهم والاتفاقات النهائية؟أجاب مقني" من منظور جيوسياسي، يمكن النظر إلى مذكرة التفاهم باعتبارها جسراً بين مرحلة الصراع ومرحلة التسوية، فهي تسمح بتجميد بعض عناصر النزاع، وخلق مناخ أكثر استقراراً لاستكمال التفاوض، وتمنح القوى الدولية والوسطاء فرصة لمراقبة سلوك الأطراف والتأكد من أن ما يتم الاتفاق عليه نظرياً قابل للتطبيق عملياً"، واستدرك بالقول" لكن هذه المرحلة هي أيضاً الأكثر هشاشة وخطورة، ففي كثير من الأحيان لا يكون التحدي الحقيقي هو الوصول إلى مذكرة التفاهم، بل الانتقال منها إلى الاتفاق النهائي، ذلك أن المذكرة تكشف عادة عن حجم التباينات الحقيقية بين الأطراف عندما يبدأ النقاش حول التفاصيل، ومن السهل نسبياً الاتفاق على عبارات عامة مثل ضمان الأمن أو رفع العقوبات أو احترام السيادة، لكن الخلاف يبدأ عندما يطرح السؤال: ما المقصود تحديداً بالأمن؟ وأي عقوبات سترفع؟ وما هي آليات التحقق والرقابة؟ ".
وأضاف مقني" لهذا تحيط بالمسار التفاوضي بين المذكرة والاتفاق النهائي أخطار عديدة، أولها تغير البيئة السياسية، فقد تتبدل الحكومات أو تتغير موازين القوى الداخلية، وثانيها دور الأطراف المتضررة من التسوية، سواء كانت قوى إقليمية أو جماعات ضغط داخلية ترى في الاتفاق تهديداً لمصالحها، وثالثها الحوادث الأمنية والعسكرية التي قد تقع خلال التفاوض وتعيد إنتاج مناخ التصعيد وانعدام الثقة"، وأردف أن" الخطر الرابع يكمن في ما يسميه خبراء التفاوض فجوة التوقعات، أي عندما يفسر كل طرف نصوص المذكرة بطريقة مختلفة، فيكتشف لاحقاً أن ما اعتبره تنازلاً موقتاً كان الطرف الآخر يراه التزاماً دائماً"، واستنتج مقني أنه" لهذا السبب يمكن القول إن مذكرة التفاهم ليست نهاية الأزمة، إنما هي في كثير من الأحيان بداية المرحلة الأصعب منها، فهي تعني أن الأطراف اتفقت على مبدأ التسوية، لكنها لم تتفق بعد على هندستها التفصيلية، والتاريخ الدبلوماسي مليء بمذكرات تفاهم فتحت الباب أمام اتفاقات تاريخية، إضافة إلى أنه مليء بمذكرات أخرى انهارت قبل أن تتحول إلى اتفاقات نهائية، لأن الطريق بين الإرادة السياسية والتنفيذ العملي يبقى دائماً مليئاً بالألغام".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك