تمر باكستان بحالة استقرار اقتصادي هش بفعل خلل مالي وارتفاع مستوى الديون، سواء القروض من هيئات دولية أو الودائع من شركائها الدوليين والإقليمين، إضافة إلى وضع سياسي غير مستقر ومشكلات حدودية.
ورغم ذلك، انخرطت في الوساطة لوقف الحرب التي أشعلتها الولايات المتحدة في المنطقة وأصابت تداعياتها العالم ككل.
من هذه النقطة، الوساطة رغم اعتمادها على عوامل قوة وعلاقات جوار وقدرة دبلوماسية في خلق مواقف متوازنة وقنوات اتصال فعالة، لا تشترط بالضرورة وزناً اقتصادياً، ورغم ذلك، يظل الوضع الاقتصادي عاملاً حاكماً في التأثير، سواء مؤسساً للدور أو دافعاً له، للتوصل إلى حلول سلمية تحد من الخسائر.
والوساطة بوصفها حراكاً دبلوماسياً تحمل وجهين: تحقيق مكاسب ودرء مخاطر، وفي حالة باكستان يتحدد الدور بالهدفين، فمن جانب، هناك دوافع ذاتية تجعل التوسط فعلاً مبادراً لتحقيق النفوذ، لكنه في الوقت نفسه ضرورياً لتجنب الخسائر؛ إذ يؤثر الصراع ضد إيران على العمالة في دول الخليج، ويضغط على ميزان المدفوعات، ويهدد إمدادات الطاقة والسلع ويرفع أسعارها، وكذلك مستقبلاً تجنب التأثير على مشروعات اقتصادية وطرق تجارية مع دول الخليج والصين، ترتبط استدامتها باستقرار المنطقة، كما يمنح نجاح الدور ثقة في باكستان من الشركاء ويعمق أوجه التعاون، ويحد من مخاطر توتر سياسي وأمني محتمل في الداخل وعلى الحدود مع دول الجوار.
وتبلغ العمالة الباكستانية في دول الخليج حوالي 6 ملايين، وتشكل تحويلاتهم سنداً اقتصادياً ضمن إجمالي تحويلات تزيد عن 38 ملياراً سنوياً، 60% منها من الخليج، ونحو نصفها من السعودية، وتمثل مع الصادرات مصدراً للعملة الأجنبية، تقارب 10% من الناتج المحلي، وهي تخفف الضغط الاجتماعي، وتحد من ارتفاع البطالة التي تبلغ رسميا 8%.
ويكتسب هذا الدور أهمية مع الحاجة إلى مليوني وظيفة سنوياً مع ضغط ديمغرافي متصاعد، إذ بلغ عدد السكان 251 مليوناً في 2024، وسيصل إلى 259 مليوناً العام الجاري، بمعدل نمو يقارب 4 ملايين سنوياً (الخامسة عالمياً)، ويعاني 40% منهم من الفقر، ضمن معادلة يصفها برنامج الأمم المتحدة للتنمية بنمو سكاني سريع وانتشار الفقر ومحدودية قدرة الدولة في تحويل الضغط الديمغرافي إلى إمكانية تنموية.
ويحقق الدور الدبلوماسي والسعي النشط في الوساطة نفوذاً سياسياً ناشئاً لباكستان بوصفها دولة متوسطة القوة، ويدعمان أسس التعاون الإقليمي، بما يشكل سنداً لاقتصاد يعاني هشاشة واعتماداً نسبياً على موارد خارجية تتأثر بتداعيات الحرب.
وتبرز هذه الحاجة مع تواضع الاحتياطي النقدي (16.
4 مليار دولار) الذي لا يغطي سوى ثلاثة أشهر من الواردات، في وقت كانت تسعى فيه قبل الحرب لتحسين النمو وخفض التضخم وضغوط الديون، وهي خامس أكبر مدين لصندوق النقد الدولي.
وبعد الحرب، ارتفعت أسعار الوقود نحو 50%، ما زاد فاتورة الاستيراد وعمّق الضغط على الاحتياطي النقدي، وتراجع العملة، وارتفاع التضخم ليتجاوز 11.
6% لشهر مايو الماضي، ما يقلص القدرة الشرائية، ومعها ترتفع احتمالات التوتر الاجتماعي والسياسي.
وقد أعلنت قوى معارضة، بينها حركة الإنصاف بزعامة عمران خان والجماعة الإسلامية، عزمها تنظيم احتجاجات متواصلة ضد ارتفاع الأسعار.
واقتصادياً، تضررت باكستان على عدة مستويات؛ إذ تعرضت هي والفيليبين وتايلاند لهروب رؤوس أموال ساخنة خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من الحرب.
لذا يتخذ الدور الباكستاني طابعاً دفاعياً يهدف إلى وقف نزيف اقتصادي داخلياً، في ظل تداعيات طاولت اقتصادات المنطقة بفعل أزمتي الطاقة وسلاسل الإمداد.
وبذلك، تبدو الوساطة أداة لإدارة المخاطر في وسط صراع يختبر قدرة اقتصادات دول المنطقة على الصمود، وفق تقرير للبنك الدولي (إبريل/نيسان 2026) حول المستجدات الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط.
ومع أزمة مضيق هرمز وما أحدثته من ارتدادات عالمية، كانت إسلام أباد قناة اتصال تنقل رسائل دول الخليج، خاصة ما يتعلق بأمن الطاقة والممرات البحرية.
وهنا توظف موقعها حلقةً وسطى ونقطةَ اتصال بين جنوب ووسط آسيا والشرق الأوسط، وتتشارك حدوداً مع دول جنوب القارة، الهند وأفغانستان وإيران، والصين شرقاً.
وتسعى للتعاون مع دول وسط اَسيا الحبيسة لتوفير منافذ وطرق تجارية، وخلال الأزمة، استخدمت ثلاثة موانئ وشبكة طرق تمتد عبر إقليم بلوشستان وصولاً إلى معبر تفتان الحدودي مع إيران لنقل السلع، ضمن الموازنة السياسية والمصالح الاقتصادية ومع تعطل الملاحة في مضيق هرمز وتعقد الوضع بحصار بحري أميركي.
ورغم الوضع الاقتصادي المتأزم، تستند باكستان إلى عوامل قوة تدعم دورها وسيطاً، فهي قوة نووية، وتحوز وزناً عسكرياً، وترتيب جيشها متقدم نسبياً، وقد أظهرت قدرة في مواجهة الهند، بدعم صيني، يبرهن على نموذج القوة، ودعمت علاقتها مع أميركا، التي تغيرت من الهجوم إلى التعاون، وهي تستثمر مجمل علاقاتها الدولية والإقليمية، وهي نموذج يوظف الجغرافيا والقوة معاً لتعويض كوابح اقتصادية.
وفي سياق الشركات، يبرز الدعم المالي من السعودية وقطر اللتين قدمتا مساعدات بقيمة خمسة مليارات دولار لمساندة باكستان لمواجهة أزمتها المالية، وارتفاع الدين إلى ما يجاوز 70% من الناتج المحلي، وفي 16 إبريل الماضي، أعلنت السعودية (أكبر شريك تجاري خليجي) عن إيداع ثلاثة مليارات لدى البنك المركزي الباكستاني وتمديد وديعة بخمسة مليارات دولار.
وبالمقابل، سدد البنك وديعة بقيمة 3.
5 مليارات دولار للإمارات على دفعتين (خلال إبريل)، ورغم نفي الخارجية الباكستانية الربط السياسي بين إصرار الإمارات على رد الوديعة أسلوباً ضاغطاً على باكستان، إلا أن ذلك لا يلغي تغير موقف أبوظبي الذي يلمح منه عدم ارتياح من دور الوساطة، وأكثر ميلاً لخيار التصعيد الذي تدفع إليه إسرائيل في ضوء علاقات وتشارك رؤى بين البلدين.
وتأتي الوساطة الباكستانية بدعم صيني ظاهر، وبكين هي اللاعب الأكبر في آسيا وشريك تجاري لإسلام أباد، وساهمت في تطوير برنامجها العسكري والفضائي.
وترى في الحرب أداة لخنق اقتصادها، وتريد الحفاظ على مصالحها وبينها مشروع الحزام والطريق، وكانت وساطاتها المتعددة بين باكستان وأفغانستان، وعودة العلاقات بين دول الخليج وإيران جزءاً من هذا السياق.
كما ترحب بالتفاهمات الإقليمية في مواجهة الضغوط الأميركية.
وتأتي الحسابات الأمنية لباكستان دافعاً مضافاً؛ يرتبط بالجغرافيا السياسية والأبعاد الإثنية والدينية، فهي مجاورة لإيران، واستمرار التصعيد قد يفتح حدودها الغربية (شمالاً وجنوباً) على احتمالات الفوضى، وهي تعيش استقراراً هشاً مع حكم نظام سياسي شبه عسكري، ووجود حركات تمرد في بلوشستان، أحد أقاليمها الأربعة، والذي يعاني سكانه من التهميش ومعدل فقر أكبر رغم غنى المنطقة بالمعادن.
ويشكل الشيعة ثاني أكبر طائفة (20% من السكان)، ولهم تمثيل في مظلة أحزاب" وحدة المسلمين"، وهو ما يرفع احتمالات التوتر الداخلي في حال توسع الحرب أو انهيار النظام الإيراني.
وقد ظهرت بالفعل تظاهرات مؤيدة له، أسفرت مواجهتها عن 20 قتيلاً عند السفارة الأميركية بكراتشي.
ويتضح تأثير الجغرافيا السياسية عاملاً ضاغطاً ومحفزاً، ليأتي التحرك من موقع مركب؛ فهي تخشى تداعيات الحرب بوصفها دولة جوار لإيران يمكن أن تزداد المشكلات على الحدود وسط بيئة جيوسياسية تشمل توترات مع أفغانستان غرباً، وصراعاً تاريخياً مع الهند شرقاً، لا يمكن رؤية فصولها الأخيرة دون تعاون إسرائيلي هندي متنامٍ.
وتشبه حالة باكستان دوافع مصرية للتوسط، تتمثل في عاملين: الاقتصادي والجغرافي؛ حيث تكون دول الجوار عيناً مراقبة، تحاول إطفاء الحرائق حتى لا تطاولها، كما في الصراع في ليبيا والسودان، وهما أساسيان، وعلى الحدود الشرقية في ظل العدوان على غزة.
وكان تدخل القاهرة في الملفات الثلاثة ضرورياً، حيث تضيف التوترات خسائر تزيد عبء اقتصاد مأزوم، وإدارة تفتقد الكفاءة راكمت الديون.
وفي ظل انخفاض الاكتفاء الذاتي من السلع، وارتفاع تكلفة الطاقة مع الحرب تتسع الأزمة، وكلها ظروف تتشاركها الدولتين، ولم تكن باكستان آخر عامين بعيدة عن ملفات غزة وليبيا والسودان.
كما أن اقتصاد الدولتين مع دول أخرى تعاني الهشاشة متأثرة بتداعيات الحرب بدرجة أكبر، كما يشير تقريران لصندوق النقد الدولي صدرا في إبريل، حول الاستقرار المالي وأفق الاقتصاد الإقليمي.
اجمالاً، يحرص الدور الباكستاني على تحقيق اختراق في المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، والتي أسفرت عن اتفاق من المقرر أن يتم التوقيع عليه اليوم الجمعة بسويسرا، يستهدف وقف الحرب، رغم ما يلمح من إصرار إسرائيلي على التصعيد، لكن نجاح جهود باكستان التي تستلزم مساندة إقليمية ودولية سيعطي نفوذاً وفرصَ إنعاش اقتصادها، لتكون الوساطة استجابة اقتصادية في شكل تحرك دبلوماسي، ومحاولة ضرورية لحل أزمة تركت تبعاتها على العالم، وهي وإن كانت لباكستان مهمة لصمود الداخل، فإنها لدول المنطقة تحد من تبعات صراع مدمر تقوده الولايات المتحدة، والمستفيد منه أساساً دولة الاحتلال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك