الرباط – «القدس العربي»: توفي الكاتب والصحافي المغربي محمد الأمين أزروال، ليلة الخميس/الجمعة في مدينة الرباط، عن عمر ناهز 75 عاما، إثر وعكة صحية مفاجئة أنهت مسيرة مهنية امتدت لأكثر من نصف قرن من العطاء.
وببالغ الحزن والأسى، نعت «النقابة الوطنية للصحافة المغربية» الراحل، حيث كتبت أنه يعدّ من أبرز رواد الإعلام المغربي، إذْ تلقى تكوينه الصحافي في تونس، في ستينيات القرن الماضي، قبل أن يلتحق بجريدة «الأنباء»، ويساهم في تغطية ومواكبة عدد من الأحداث البارزة، وفي مقدمتها «المسيرة الخضراء» سنة 1075، كما عمل في عدد من المنابر الإعلامية المغربية، وظلّ حاضرا بقلمه ومتابعاته وتحليلاته لمختلف الأحداث المحلية والدولية.
وأضاف بلاغ النعي أن الفقيد راكمَ تجربة مهنية امتدت لأكثر من نصف قرن، تميزت بالالتزام بأخلاقيات المهنة والدفاع عن قيم الصحافة الجادة والمسؤولة، وظلّ محمد الأمين أزروال وفيا لنداء القلم حتى آخر أيام حياته، رغم ما كان يعانيه من متاعب صحية، مواصلا الكتابة والمساهمة في النقاش العمومي.
وعبّر زملاء الراحل من جيل الرواد في الصحافة المغربية، إلى جانب الأجيال اللاحقة، عن بالغ حزنهم لرحيل إعلامي بارز، راكم تجارب مهنية غنية في عدد من المنابر الإعلامية، وخلّف رصيدا من المؤلفات النوعية، من أبرزها كتاب «سنوات التحرير»، وهو سيرة ذاتية ومذكرات مهنية استعرض فيها مساره في عالم الصحافة والإعلام، وتناول أحداثا عايشها بنفسه، من بينها المحاولة الانقلابية بالصخيرات، والمسيرة الخضراء، وبدايات العمل الإعلامي في المغرب.
ومن مؤلفاته أيضا كتاب «رجال حول الملك» الصادر سنة 2019، والذي خصص فصوله لشخصيات سياسية ووطنية اضطلعت بأدوار مهمة في بناء الدولة المغربية الحديثة إلى جانب المؤسسة الملكية.
ويعد كتاب «الاستثناء المغربي» أحدث مؤلفاته، وقد تناول فيه الخصوصيات التاريخية والحضارية والثقافية والسياسية للمغرب، وسلط الضوء على مجموعة من العناصر التي اعتبرها مكونات مميزة للتجربة المغربية.
وقد حظي هذا الكتاب باهتمام في الأوساط الثقافية، وجرى تقديمه في عدد من اللقاءات الثقافية خلال سنة 2025.
وفي ظل انشغاله الدائم بواقع المشهد الإعلامي المغربي، ولاسيما الجدل الدائر حول «المجلس الوطني للصحافة»، رحل محمد الأمين أزروال قبل أن يرى مؤلفه الرابع النور، وهو كتاب بعنوان «زعماء ووزراء في غفلة من الزمن»، يستعرض فيه، بالأسماء والصور، مسارات شخصيات تسلقت مراتب المسؤولية السياسية بطرق مختلفة، بعضها لم يكن قائما على الكفاءة وحدها.
كما بقي مشروع خامس قيد الإعداد، كان الراحل يتهيأ لنشره، وخصصه للمقاومة المغربية في مواجهة الاستعمار الفرنسي بقيادة جده «سيدي محمد بن بلقاسم»، المعروف بـ»سيدي محمد أوبلقاسم»، مستعرضا دوره النضالي انطلاقا من زاوية سيدي بلقاسم أزروال بقرية تيغزة التابعة لإقليم جرسيف، والقريبة من مدينة تازة شرق البلاد.
وشغل الرحيل المفاجئ لمحمد الأمين أزروال مواقع التواصل الاجتماعي، وكان موضوع العديد من التدوينات التي نشرها زملاؤه من الجيل نفسه، إلى جانب صحافيين من أجيال مختلفة، حيث كان يحظى بمحبة وتقدير الجميع، وعرف ببشاشته ولطفه واستعداده الدائم لتقديم الدعم والمساندة لزميلاته وزملائه.
وخصّه الكاتب والصحافي بوشعيب الضبار بتدوينة أكد فيها أن عمر الراحل كان حافلا بالعطاء المهني في المجال الصحافي، مشيرا إلى أنه «ظلّ وفيا لنداء القلم حتى آخر يوم في حياته، رغم المرض الذي كان يعاني منه، فكان يكتب باستمرار، مواكبا ومحللا لتطورات المشهد السياسي والحزبي والوطني في المغرب.
كما بقي وفيا لقيم الصداقة في معناها النبيل، إذ كان حريصا على تنسيق لقاء أسبوعي في أحد مقاهي الرباط، يضم عددا من قدماء الصحافيين المغاربة، للنقاش حول قضايا المهنة وشؤون السياسة».
وفي آخر حوار له مع جريدة «القدس العربي»، تحدث محمد الأمين أزروال عن كتابه «الاستثناء المغربي»، موضحا أنه حاول رصد عوامل استقرار النموذج المغربي، وتعدد أوجه استثنائه، بخصائصه ومقوماته المختلفة، معربا عن أمله في أن يكون قد نجح في استحضار مختلف تمظهرات هذا الاستثناء وعلاقته بالهوية المغربية المتجذرة والمنفتحة في آن واحد.
وأوضح أن الكتاب، الذي سعى من خلاله إلى الإحاطة بمختلف تفاصيل وتجليات النموذج المغربي عبر المحطات التاريخية المتعددة، وتتبع مسارات الشخصيات المؤثرة وتحليل الأحداث الكبرى، استغرق نحو سنة كاملة من العمل والإعداد، وأنه واصل إنجازه رغم ظروفه الصحية.
كما أشار إلى أن المؤلف يقع في نحو 170 صفحة، ويتضمن فصولا حول الهوية المغربية، والمؤسسات التقليدية، والتراث، والمقاومة المغربية، إضافة إلى شخصيات يعتبرها من رموز «الاستثناء المغربي».
وظلت قضايا المهنة حاضرة في اهتماماته إلى آخر أيامه، إذ عبر، في الحوار نفسه، عن أسفه لما وصفه بـ»الصراع التنظيمي داخل المجلس الوطني للصحافة»، محذرا من أن يؤدي ذلك إلى تآكل ثقة الجمهور في وسائل الإعلام، التي تشكل، حسب تعبيره، الرأسمال الحقيقي للعاملين في المهنة.
وأضاف أنه يخشى كذلك أن ينعكس هذا الصراع سلبا على صورة الصحافي، من خلال تكريس الانطباع بأنه منشغل بصراعات داخلية أكثر من انشغاله بقضايا المجتمع، وهو ما قد يؤثر في الممارسة المهنية وأخلاقياتها، ويقوض بعض المكتسبات التي تحققت بفضل تضحيات أجيال من الصحافيين المغاربة.
واعتبر أزروال أن مشروع إعادة تنظيم «المجلس الوطني للصحافة» أثار نقاشا واسعا بين من رأى فيه خطوة الهدف منها تعزيز التنظيم الذاتي للمهنة عبر هيكلة مهنية أكثر ضبطا، ومن اعتبره تراجعا قد يفتح المجال أمام أشكال من الوصاية الإدارية على القطاع، بما قد يؤثر في استقلاليته وقدرته على التعبير الحر في إطار احترام ميثاق أخلاقيات المهنة.
كما عبّر عن ميله إلى التوفيق بين مختلف وجهات النظر، بما يحافظ على استقلالية المجلس ويضمن في الوقت نفسه الشفافية اللازمة في تدبير شؤون القطاع الإعلامي بمختلف مكوناته.
وبخصوص الانتقادات الموجهة لاعتماد نمط الاقتراع الفردي عوض اللائحة في انتخابات المجلس، والحديث عن إقصاء بعض الهيئات النقابية من ديباجة المشروع، أكد أزروال أن من الأجدى فتح حوار عاجل وشامل مع مختلف الفاعلين المهنيين لإعادة صياغة المشروع على أساس مبادئ تحظى بتوافق واسع بين مختلف مكونات المشهد الإعلامي المغربي، بما يضمن تمثيلية مهنية عادلة، ويحمي حرية الصحافة وحق المهنة في التنظيم الذاتي.
وكما ورد في تدوينات عددية تنعي الراحل، فقد غاب محمد الأمين أزروال جسدا، لكنه ترك وراءه سيرة صحافي آمن بالكلمة ورسالتها، وظل وفيا للقلم حتى أيامه الأخيرة.
وسيبقى حاضرا بوصفه شاهدا على مرحلة مهمة من تاريخ المغرب، ومساهما في كتابة جانب من ذاكرتها الإعلامية والوطنية.
ورغم أن الموت حال دون اكتمال بعض مشاريعه الفكرية والتوثيقية، فإن ما أنجزه محمد الأمين أزروال خلال مساره الطويل يكفي ليضع اسمه ضمن جيل من الصحافيين والكتاب الذين لم يكتفوا بمواكبة الأحداث، بل سعوا أيضا إلى حفظها وتوثيقها للأجيال القادمة.
وبرحيله، يطوى فصل من فصول الذاكرة الصحافية المغربية، فيما تبقى آثاره شاهدة على مسيرة حافلة بالعطاء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك