في لحظة إقليمية مزدحمة بالتحولات، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب رسالة بدت صادمة، عندما دعا إسرائيل إلى تخفيف حربها ضد" حزب الله"، مقترحاً أن تتولى سوريا بقيادة الرئيس أحمد الشرع معالجة هذا الملف، ولم يكن توقيت هذا الكلام عادياً، إذ جاء عقب تصريحات للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، رأى فيها أن الأمن القومي التركي لا يبدأ من هاتاي (مدينة تركية) فقط، بل يمتد إلى دمشق وبيروت، مما دفع بعض الأوساط إلى الربط بين التصريحين، والحديث عن تصور إقليمي جديد يعاد رسمه بهدوء بين واشنطن وأنقرة ودمشق، عنوانه إعادة ترتيب النفوذ في المشرق بعد انحسار المشروع الإيراني.
لكن خلف الرسالة الأميركية يبرز السؤال الأكثر تعقيداً: هل يستطيع الجيش السوري فعلاً مواجهة" حزب الله"، علماً أن الطرفين، تواجها في وقت سابق، على اعتبار أن جزءاً كبيراً من الجيش السوري الحالي هو فصائل معارضة قاتلها الحزب لأعوام، أو حتى ربما مجموعات من الجيش السابق قاتلت إلى جانبه ضد المعارضة، في عهد بشار الأسد؟ وهل يستطيع الجيش السوري، الخارج لتوه من حرب مدمرة، أن يخوض مواجهة مع تنظيم يعرفه جيداً، فيما يعرف الحزب بدوره تركيبة المؤسسة العسكرية السورية وأساليب عملها؟ أم أن أية مواجهة من هذا النوع ستقود دمشق إلى مستنقع لبناني خطر؟السؤال يعكس حجم التحولات التي تعيشها المنطقة، فحتى الأمس القريب كان عناصر الجيش السوري السابق وعناصر" حزب الله" يقاتلون معاً في القصير والقلمون وحلب ودير الزور، ويتقاسمون غرف العمليات وخطوط الإمداد والخبرات العسكرية، ضد فصائل سورية أضحت اليوم نواة وأساس الجيش الحالي في سوريا.
غير أن الجيش السوري الحالي ليس الذي عرفه اللبنانيون والسوريون قبل عام 2011، فالجيش الذي كان يضم أكثر من 300 ألف جندي تعرض لتفكك كبير خلال الحرب، فيما تعمل السلطة الجديدة على إعادة بناء مؤسسة عسكرية موحدة، انطلاقاً من مجموعات وفصائل مختلفة، وسط تحديات اقتصادية وأمنية هائلة، في وقت تقدر كلفة إعادة إعمار سوريا بأكثر من 400 مليار دولار.
أما" حزب الله"، فعلى رغم الضربات التي تعرض لها، لا يزال يمتلك خبرة قتالية تراكمت خلال أربعة عقود، باعتراف خصومه قبل الحلفاء، وشبكات أمنية ولوجستية واسعة، وقدرة على خوض حروب استنزاف، ولهذا ترى تقديرات عسكرية أن أية مواجهة مباشرة بين الجيش السوري الجديد والحزب ستكون معقدة ومكلفة للطرفين.
وفي السياق يقول الخبير العسكري العميد المتقاعد خليل الجميل إنه في حال اندلاع مواجهة بين الجيش السوري و" حزب الله"، فإن الأفضلية ستكون للجيش السوري، انطلاقاً من حجم سوريا وإمكاناتها البشرية، إضافة إلى تدفق مقاتلين ومؤازرين من خارج البلاد لدعمه عند الضرورة.
ويرى أن الجيش السوري يضم مجموعات عقائدية ومتشددة تفوق من حيث العدد تلك الموجودة لدى الحزب، لافتاً إلى أنه يستند إلى حاضنة سورية واسعة، في حين أن" حزب الله" لا يحظى، بتأييد شريحة كبيرة من اللبنانيين، إذ إن غالبيتهم لا تقف إلى جانبه.
وفيما لا يوجد حتى الآن رقم رسمي معلن وموثوق لعديد الجيش السوري في عام 2026، لأن المؤسسة العسكرية ما زالت في مرحلة إعادة الهيكلة والدمج بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، لكن التقديرات المتداولة وبعض التقديرات العسكرية الدولية تتحدث عن نحو 100 ألف جندي ومقاتل عامل ضمن التشكيلات العسكرية الجديدة في سوريا.
في المقابل، يمتلك" حزب الله" وعلى رغم خسارته البشرية الكبيرة في السنوات الماضية، لكنه لا يزال يمتلك آلاف المقاتلين في صفوفه، ما يجعل أية مواجهة مباشرة معه معقدة وغير سهلة.
بخاصة أن ليس مجرد قوة عسكرية تقليدية، بل تنظيم راكم خبرة ميدانية على مدى أكثر من أربعة عقود، فيما المعضلة الأساسية أن المقارنة ليست بين جيشين نظاميين على جبهة واضحة.
فحتى لو تفوق الجيش السوري من حيث العدد والموارد البشرية، فإن أي مواجهة مع الحزب ستجري في بيئة حدودية وجبلية معقدة، وستحمل مخاطر سياسية وطائفية وإقليمية كبيرة، سواء على سوريا أو لبنان.
من خلف تصريحات ترمب الأخيرة، وما قاله الموفد الأميركي إلى المنطقة توم براك في يوليو (تموز) الماضي، عن أن استمرار الأزمة في لبنان قد يدفعه للعودة لدائرة النفوذ السوري، ليصبح جزءاً من" بلاد الشام" مجدداً، يبرز سؤال آخر، هل تريد واشنطن فعلاً القضاء على الحزب عبر سوريا الجديدة؟ أم أن ما يجري يندرج ضمن إستراتيجية ضغط تهدف إلى إعادة رسم التوازنات الإقليمية؟ فالكلام الأميركي لا يبدو، وفق أوساط عدة، تعبيراً عن خطة عسكرية أميركية - سورية، بل محاولة لإفهام إسرائيل وإيران و" حزب الله"، وحتى الدولة اللبنانية، أن قواعد اللعبة القديمة تغيرت، وأن سوريا التي كانت ممراً لنفوذ الحزب قد تتحول إلى حاجز أمامه.
يؤكد متابعون أن السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس دخول الجيش السوري إلى لبنان، بل اعتماد صيغة ضغط وتنسيق حدودي، فالهدف الأميركي من الطرح الجديد يتمثل في استخدام سوريا الجديدة في ثلاثة اتجاهات متوازية، الضغط على" حزب الله"، وإقناع إسرائيل بخفض عملياتها العسكرية، ودفع الدولة اللبنانية نحو استعادة قرار السلاح تدريجياً عبر التلويح بالتدخل السوري.
في المقابل تقلل غالبية الآراء التي طرحها مسؤولون ومتابعون من إمكان حدوث تدخل عسكري سوري فعليّ على الأرض في لبنان، نظراً إلى ما قد يحمله هذا الخيار من أخطار سياسية وطائفية وأمنية، فضلاً عن أنه قد يعيد فتح جراح الذاكرة اللبنانية المرتبطة بالوصاية السورية، فدمشق، بحسب هذه القراءة، لا تريد أن تعود للبنان بوصفها قوة عسكرية، ولا تريد أن تظهر وكأنها تتولى مهمة بالوكالة عن إسرائيل أو الولايات المتحدة، وما تريده، إذا كان لا بد من دور، هو أن يتحول هذا الدور إلى جزء من ترتيبات حدودية وأمنية رسمية، تمر عبر الدولة اللبنانية لا فوق رأسها، وتمنح سوريا في المقابل مكاسب سياسية واقتصادية ودبلوماسية واضحة.
تؤكد التحليلات الآتية من سوريا أن القيادة الجديدة منشغلة حالياً بملفات أكثر إلحاحاً، من استكمال تثبيت الأمن في الداخل، واحتواء بقايا النظام السابق، ومعالجة الملف الكردي، وصولاً إلى منع عودة النفوذ الإيراني، وإعادة بناء المؤسسات والاقتصاد، وكذلك فإن الوجود الإسرائيلي في الجنوب السوري لا يزال يمثل تحدياً قائماً، في وقت لم تتحول بعد الوعود الدولية المتعلقة بإعادة الإعمار والاستثمارات إلى مشاريع ملموسة، ولذلك تتساءل هذه الأوساط عن الجدوى التي قد تدفع الرئيس أحمد الشرع إلى فتح جبهة جديدة، قد تتحول لجبهة استنزاف دامية مع" حزب الله"، فيما لا تزال ملفات الداخل السوري مفتوحة.
وما يؤكد هذا الطرح أن سوريا الجديدة لا تزال في مرحلة اختبار دولي وإقليمي، وأن أي دخول مباشر في لبنان قد يهدد مسار الانفتاح الذي بدأته دمشق مع دول عربية وغربية، فالسلطة السورية تحتاج إلى تثبيت شرعيتها واستعادة الاقتصاد وتوحيد الجغرافيا، أكثر مما تحتاج إلى الدخول في صدام خارجي قد يعيدها لمنطق المحاور، والحروب المفتوحة.
يقول الكاتب السياسي جوني منير إن كلام ترمب لا يعكس خطة مدروسة بقدر ما يعبر عن محاولة لإقناع إسرائيل بعدم مواصلة حرب الاستنزاف في لبنان، ويرى أن الرئيس الأميركي أراد القول إن هناك أطرافاً أخرى يمكنها أن تساعد في ضبط الوضع، لكن هذا الطرح يصطدم بعوامل كثيرة، أبرزها الرفض السوري المعلن، والتحفظ التركي، وحساسية الجبهة العراقية، حيث تنتشر فصائل مرتبطة بإيران.
ويشير منير إلى أن الشرع سبق أن ناقش هذه الفكرة مع الأتراك، الذين لم يبدوا أية حماسة لها، لأن أنقرة لا تريد فتح مواجهة مباشرة مع إيران، ولا ترغب في تعريض التوازنات الهشة في سوريا للخطر، فتركيا، على رغم نفوذها الواسع في سوريا الجديدة، لا تنظر إلى لبنان كساحة سهلة، وتدرك أن أي اشتباك سوري مع" حزب الله" قد ينعكس على علاقاتها مع طهران، وعلى التوازنات القائمة في الشمال والشرق السوريين، محذراً من أن أي عودة سورية للبنان، حتى تحت عنوان مواجهة" حزب الله"، قد تمنح الحزب فرصة لإعادة تقديم نفسه كقوة تدافع عن لبنان ضد تدخل خارجي جديد، وهو ما قد يؤدي إلى نتائج معاكسة تماماً لما يريده خصومه، فالتجربة اللبنانية مع الوجود السوري لا تزال حاضرة في الذاكرة السياسية، وأية مقاربة لا تراعي هذه الحساسية قد تحول المعركة من مواجهة مع سلاح الحزب إلى مواجهة حول السيادة اللبنانية نفسها.
أما ميدانياً، فيرى منير أن الجبهة اللبنانية لا تبدو ذاهبة إلى تهدئة شاملة، فإسرائيل، بحسب قراءته، لا تزال تظن أن نزع سلاح" حزب الله" هو المدخل لأي وقف نار حقيقي أو انسحاب لاحق، فيما يتمسك الحزب بمعادلة أن بقاء أي احتلال إسرائيلي، لأية بقعة لبنانية، يعني استمرار" شرعية" سلاحه.
أما الكاتب السياسي أحمد الأيوبي، فيرى أن النقاش داخل المؤسسات السورية تجاوز حدود التنسيق الأمني التقليدي، ووصل إلى مستوى البحث في شكل العلاقة التي تريد دمشق نسجها مع الغرب والولايات المتحدة، فالمسألة، وفق قراءته، لا تتعلق فقط بلبنان أو" حزب الله"، بل بموقع سوريا الجديدة في النظام الإقليمي المقبل، والثمن السياسي والاقتصادي الذي يمكن أن تحصل عليه دمشق في مقابل أي دور في ضبط الحدود، أو تقليص نفوذ إيران.
ويعتقد الأيوبي أن الأولوية السورية الحالية تتمثل في إحكام السيطرة على الحدود والمعابر ومنع خطوط التهريب، خصوصاً تلك الآتية من العراق، مشيراً إلى أن الحدود بين لبنان وسوريا ستنتقل من مرحلة الرصد إلى مرحلة التنفيذ، عبر تشديد الرقابة ورفع مستوى المتابعة التقنية والجوية، وهنا فالحدود الجغرافية بين البلدين لم تعد مجرد خط جغرافي بين دولتين، بل أصبحت جزءاً من معركة النفوذ بين إيران وسوريا الجديدة، وتركيا والولايات المتحدة وإسرائيل.
وبحسب الأيوبي فإن النقاش لا يدور حول دخول الجيش السوري إلى لبنان، بل حول طبيعة المرحلة المقبلة وكيفية إدارة العلاقة بين البلدين، فدمشق، كما يقول، تريد أفضل علاقة ممكنة مع بيروت، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تتجاهل أن الحدود اللبنانية - السورية تحولت طوال أعوام إلى ممر للسلاح والعتاد والمقاتلين، ولذلك فإن إعادة ضبط هذه الحدود قد تصبح مدخلاً لدور سوري جديد، لا يقوم على الوصاية بل على التنسيق الأمني الرسمي.
ويشير الأيوبي إلى أن الضغوط المنتظرة لن تبقى محصورة في السياسة والإعلام، بل قد تتجه إلى إجراءات ميدانية أكثر وضوحاً، من مراقبة المعابر غير الشرعية، إلى متابعة المسارات الجبلية والطرق الخلفية، وصولاً إلى عمليات أمنية دقيقة ضد شبكات العبور والتهريب، كاشفاً عن أن زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى لبنان تبقى مطروحة عندما تنضج الظروف السياسية والأمنية، لأن العلاقة بين البلدين لا يمكن أن تبقى محكومة فقط بالملف الأمني، فسوريا تحتاج إلى لبنان مستقر، ولبنان يحتاج إلى حدود مضبوطة مع سوريا، وأي تفاهم جدّي بين الجانبين قد يشكل جزءاً من ترتيب أوسع، يعيد تعريف العلاقة بين بيروت ودمشق بعد عقود من الوصاية والتوتر والتداخل.
في المقابل، يؤكد الناشط السوري والدكتور في القانون الدولي مجد عيون السود أن المزاج السوري العام ينطلق من قاعدة واضحة وهي عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، مشيراً إلى أن الأولوية اليوم هي إعادة بناء الدولة السورية، واستعادة مؤسساتها بعد أعوام طويلة من الحرب والانهيار، ويرى أن تصريحات ترمب تندرج ضمن الرسائل السياسية واختبار ردود الفعل، أكثر من كونها تعبيراً عن مشروع فعلي، فالرئيس الأميركي، في رأيه، اعتاد إطلاق مواقف تحمل أكثر من تفسير، بعضها يهدف إلى قياس اتجاهات الأطراف، وبعضها الآخر يرفع سقف الضغط من دون أن يعني بالضرورة وجود خطة تنفيذية واضحة.
ويشدد عيون السود على أن الرئيس أحمد الشرع لن يسمح بتحويل سوريا إلى طرف مباشر في المواجهة بين إسرائيل و" حزب الله"، لأن ذلك يتناقض مع المصلحة السورية في هذه المرحلة، فسوريا الخارجة من الحرب لا تبحث عن حرب جديدة، ولا تريد أن تنتقل من موقع الدولة الساعية إلى الاعتراف والاستقرار إلى موقع الطرف الداخل في صراع لبناني داخلي وإقليمي، مضيفاً أن وجود ملفات قضائية وسياسية مرتبطة بممارسات الحزب في سوريا خلال أعوام الحرب، لا يعني أن الرد السوري يجب أن يكون عبر التدخل في لبنان، فهناك مسار قانوني يمكن أن يسلك طريقه، وهناك دولة لبنانية يفترض أن تتولى شؤونها الداخلية، ومن هنا فإن أية مقاربة سورية مسؤولة يجب أن تمر عبر احترام سيادة لبنان، لا عبر استبدال نفوذ خارجي بآخر.
كذلك ينفي عيون السود وجود معطيات جدية تؤكد حصول تواصل مباشر بين ترمب والشرع حول تسليم سوريا ملف" حزب الله"، عاداً أن ما يجري تداوله يدخل في إطار الرسائل السياسية والإعلامية التي تخلق بلبلة أكثر مما تعكس وقائع ثابتة، وبالنسبة إليه فإن السوريين اليوم، سياسيين واقتصاديين ومستثمرين وأصحاب اختصاص، يفكرون بإعادة بناء البلاد، لا بإعادة إنتاج أدوار أمنية خارج الحدود.
وفي قراءة عسكرية وأمنية لواقع الميدان والأرض، يعتبر العميد المتقاعد والخبير العسكري خالد حمادة أن المتغيرات التي شهدها لبنان والمنطقة، فتحت الباب أمام أسئلة لم تكن مطروحة سابقاً، فالحرب التي تسبب بها" حزب الله"، وما خلّفته من دمار واسع في لبنان، إضافة إلى الاعتراضات الداخلية المتزايدة على قراره العسكري المستقل، أنتجت واقعاً جديداً، فالسؤال حول دور سوريا لم يكن ليطرح سابقاً بهذه الطريقة، لكنه بات اليوم جزءاً من نقاش أوسع حول كيفية إنهاء زمن السلاح الخارج عن الدولة.
ويضيف أن" الجيش السوري يمتلك من القدرات البشرية واللوجستية والتسليحية ما يجعله قادراً على خوض مواجهة واسعة مع الحزب".
ومع ذلك يشدد حمادة على أن أي دور سوري لا يعني عودة الوصاية أو احتلال لبنان، فالمسألة، في رأيه، يجب أن تُفهم في إطار التحولات الإقليمية، لا في إطار إعادة إنتاج الماضي، وسوريا ليست في وارد، أو لا يجب أن تكون في وارد، وضع يدها على لبنان أو تحويله إلى ساحة نفوذ جديدة، وقال إن" المطلوب، إذا حصل أي دور، أن يكون محكوماً بالتنسيق الرسمي واحترام سيادة الدولة اللبنانية، وبمهمة محددة تتعلق بضبط الحدود لا بإدارة الداخل اللبناني".
ويرى حمادة أن الجيش السوري، إذا كان قد خاض مواجهة مع نفوذ الحرس الثوري الإيراني داخل سوريا، فإن السؤال يطرح نفسه حول قدرته على الإسهام في تطويق هذا النفوذ على الحدود اللبنانية – السورية، لكنه يقر في المقابل بأن الفارق كبير بين ضبط الحدود والدخول إلى لبنان، فالأول ممكن ضمن تفاهمات أمنية وسياسية، أما الثاني فيحمل أخطاراً هائلة، وقد يفتح أبواب صراع طائفي وسياسي وميداني لا يمكن ضبط نتائجه بسهولة.
من هنا تبدو فرضية القضاء على" حزب الله" عبر الجيش السوري أقرب إلى المبالغة السياسية منها إلى الواقع العملي، فالسيناريو الأكثر ترجيحاً لا يتمثل في إرسال قوات سورية إلى لبنان، بل في إغلاق خطوط الإمداد الباقية بين العراق وسوريا ولبنان، وتحويل دمشق من ممر لنفوذ الحزب إلى حاجز أمامه، بالتوازي مع دعم الدولة اللبنانية والجيش اللبناني.
وبمعنى آخر فقد لا يكون المطلوب من سوريا أن تقاتل" حزب الله" داخل لبنان، بل أن تمنعه من استخدام الأراضي السورية كعمق إستراتيجي، وهنا ينتقل الدور السوري من الحرب إلى الحصار السياسي والأمني، ومن التدخل إلى ضبط الحدود، ومن الوصاية إلى الشراكة المشروطة مع الدولة اللبنانية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك