تروي فرانسواز شواب، تلميذة الفيلسوف فلاديمير جانكلفيتش وكاتبة سيرته والقيّمة على تحرير ونشر مؤلفاته بعد رحيله، أنها كانت غالباً ما تتابع دروس أستاذها الكبير من سيارتها عبر جهاز راديو محمول.
واليوم، وبالتعاون مع شواب والمعهد الوطني الفرنسي للسمعي البصري (INA)، تنشر دار فلاماريون هذه الدروس في كتاب جديد بعنوان" L’Immédiat.
Cours à la Sorbonne, 1959-1960" (2026) أو" الفوري.
محاضرات السوربون 1959-1960"، وقد وضعت له شواب تقديماً يمهد للقارئ الدخول إلى هذا الإرث الفلسفي الفريد.
الكتاب عبارة عن تفريغ كامل للمحاضرات التي ألقاها الفيلسوف في السوربون في السنة الأكاديمية 1959-1960، والتي بثت تباعاً عبر أثير راديو الجامعة وحفظ تسجيلها الصوتي بمعجزة أرشيفية، لأن التقنيين آنذاك كانوا يعيدون استخدام البكرات لتسجيل محاضرات أخرى فوقها، بدل الاحتفاظ بتسجيلاتها الأساسية.
في تلك السنة الجامعية، كانت حرب الجزائر تدوي في الأفق، بينما كان جانكلفيتش يلقي دروسه في موضوع فلسفي بالغ الصعوبة.
وبما أن الكتاب يقرأ بدءاً من عنوانه، يجدر بنا أولاً التوقف عند مصطلح" L’Immédiat" الجانكلفيتشي، والذي تصعب ترجمته إلى اللغة العربية لضرورة ضبط دلالته بحسب سياقه في فلسفة" اللحظة" و" الحضور" و" اللاوساطة".
ولعل التعبير العربي الأكثر دقة نسبياً هو" الفوري" أو" المباشر" و" الآني" و" اللاوساطي" الذي يعني في الوقت عينه" ما يحدث فوراً" و" ما يعطى دون وساطة مفهومية أو تمثلية أو تأويلية"، مشيراً إلى" الانفلات الخاطف" للوجود قبل أن يمسك به الفكر.
قول فرانسواز شواب في المقدمة التي خصت بها هذه الدروس إن جانكلفيتش ألقاها عندما كان السياق الثقافي والفكري قد بدأ يشهد تحولاً واضحاً، إذ أخذت الوسائط والعوائق التي تغذي الغموض، تتراجع أمام ما يعطى مباشرة ومن دون تأخير.
ففي مواجهة هذا الميل، ذهب الفيلسوف إلى التفكير في خصوبة البطء والالتفافات، من أجل استكشاف مختلف أوجه" الآني" و" المباشر" و" الفوري" المطلق الذي لا يتحقق برأيه إلا في مفهوم الله.
لأن كل ما عدا ذلك خاضع للزمن، ويتكشف على نحو متعاقب، ولا يدرك إلا عبر وسائط ومراحل وتوسطات متعددة.
وتتذكر شواب أن أستاذها الكبير كثيراً ما استشهد في مطالع هذه الدروس بالمفارقة الباسكالية الشهيرة" تعز، فلو لم تكن قد وجدتني لما سعيت إليَّ"، مؤكداً أن الإنسان لا يستطيع أن يطلب الله بواسطة" العقل" إلا بدءاً من اللحظة التي يكون فيها" القلب" قد عثر عليه بالفعل، مميزاً بين بعدين متناقضين ظاهرياً: فمن جهة، لا يمكن العثور على الله إلا من دون أن يكون موضوع بحث مسبق، ومن جهة أخرى يتعين الاستمرار في طلبه والبحث عنه على الدوام، حتى بعدما يكون قد تم العثور الفوري عليه بالفعل.
ويرى جانكلفيتش أن هذه المفارقة التي تصدق على مفهوم" الفوري" أو" المباشر"، تؤكد على أن العثور يسبق البحث.
والعكس صحيح أيضاً، إذ ينبغي للمرء أن يتجه دوماً نحو هذا" الفوري" الذي لا يكف عن الانبثاق من جديد، والذي يظل عملاً متجدداً لا يكتمل أبداً، كاشفاً على نحو نموذجي هشاشة الزمن وعابرية لحظاته.
ولأن اللحظة المباشرة تأتي في الحال، لكنها ما إن تنقضي حتى لا تعود أبداً بالمعنى نفسه، فإنها تحضر فوراً، علماً أن حضورها ذاته يتلاشى في اللحظة التي يتحقق فيها، بحيث يغدو ما كان حاضراً منذ توه ماضياً لا يمكن استعادته.
فهل يمكن فعلاً وصول" الفوري" أو" الآني" إلى الآخر أو إلى الحقيقة؟ وهل هذا الوصول مرغوب فيه أصلاً؟ وما هو" الفوري"؟يحاول الكتاب إذا الإجابة عن هذه الأسئلة مجدداً اللقاء بأحد أكثر فلاسفة القرن الـ20 فرادة، ناقلاً لنا تأملاته في فكرة" الآني والمباشر والفوري".
ولأن هذه المحاضرات لا تندرج في إطار النصوص الفلسفية التي أعدها جانكلفيتش للنشر، فإنها تمنح القارئ فرصة نادرة" للإصغاء" إليه وهو يمارس فعل التفلسف مباشرة.
فالتفكر في موضوع الدرس، وهو ههنا" الفوري أو المباشر أو الآني" والأفكار والشروحات التي تناولته، والتي تولدت من أسئلة الطلاب وتفاعلاتهم حول الزمن الذي يباعد بيننا وبين ذواتنا، والذي يتيح لنا، في مفارقة واضحة، معرفة الآخر، لا بل يجعلنا نصير آخرين غير ما كنا عليه، وحول جوهر الفلسفة نفسها بوصفها اقتراباً من العالم، تسمح لنا، نحن القراء، أن نشهد في حركة فكرية حية على الفكر الفلسفي في تشكله وتعمقه في أطروحاته، من خلال إعادة قراءة نصوص أفلاطون وباسكال وبرغسون والقديس فرنسوا دو سال، وسواهم من كبار الفلاسفة والمفكرين والروحانيين التي اعتاد جانكلفيتش استدعاءها ومناقشتها والتأمل في مضمونها بطريقة تنبض بحيوية فريدة في منهجية تقوم على إعادة فحص أطروحاته السابقة الواحدة تلو الأخرى، والنظر إليها من زاوية جديدة، بحيث لا تكون الفلسفة لديه تكراراً لما قيل، بل استئنافاً دائماً للتفكير وتجديداً مستمراً للأسئلة نفسها.
وفلاديمير جانكلفيتش فيلسوف فرنسي ولد عام 1903 في مدينة بورج في عائلة يهودية روسية هاجرت إلى فرنسا هرباً من الاضطهادات المعادية للسامية.
درس الفلسفة في المدرسة العليا للمعلمين، وتأثر بعمق بأستاذه ليون برونشفيك، وأقام علاقة فكرية وثيقة مع هنري برغسون الذي سيظل حضوره واضحاً في مجمل أعماله.
وكان فيلسوفاً وموسيقياً ومقاوماً في الوقت عينه.
فخلال الاحتلال النازي، طرد جانكلفيتش من الوظيفة العامة بسبب أصوله اليهودية، وعاش متخفياً، وانتظم في صفوف المقاومة الفرنسية.
ولأنه لم ينظر إلى الأخلاق كموضوع نظري، وإنما كالتزام عملي، ظل يردد أن الأخلاق الحقيقية ليست كتابة مؤلفات عن الفضيلة، بل المخاطرة من أجل الدفاع عن الإنسان والكرامة.
بعد الحرب العالمية الثانية، شغل جانكلفيتش كرسي" الفلسفة الأخلاقية" في جامعة السوربون لما يقارب الـ30 عاماً، فأثر في أجيال متعاقبة من الطلاب ومن بينهم فرانسواز شواب التي كرست له كتاباً بعنوان" فلاديمير جانكلفيتش، السحر الذي لا يقاوم للذي لا يدرك" (ألبان ميشال، 2023)، استحضرت فيه فكره وجاذبية حضوره، كاشفة عن تلك القدرة النادرة التي امتلكها على الإمساك بما يفلت من التعريف، وعلى الإصغاء إلى ما يختبئ خلف الكلمات والمفاهيم، حيث تنبض أسرار الأخلاق والموسيقى والحب والزمن والوجود نفسه.
وقد ترك جانكلفيتش أعمالاً أصبحت من كلاسيكيات الفكر الفرنسي المعاصر، ك" رسالة في الفضائل"، و" الذي لا نستطيع وصفه والشيء الذي يكاد يكون لا شيئاً" Le je-ne-sais-quoi et le presque-rien و" الموت"، وسواها من الكتب، فضلاً عن دراساته الموسيقية الرفيعة.
ويعرف المتابعون لفكره أن موضوع الزمن شكل الخيط الناظم لفلسفته كلها.
فالإنسان عند جانكلفيتش كائن زمني يعيش في عالم الهشاشة والزوال، وكل لحظة من لحظات وجوده تحمل طابعاً فريداً لا يمكن استعادته.
من هنا جاءت أهمية مفهوم" الفوري" أو" الآني" أو" المباشر"، الذي خصص له محاضرات السوربون المنشورة حديثاً.
تكمن أهمية الكتاب الجديد أولاً في طبيعته الاستثنائية، وتكمن ثانياً في موضوعه الفلسفي البالغ الصعوبة الذي يتأمل في تلك الحقائق الهاربة التي لا تستقر في المفاهيم الجاهزة، والتي تنتمي إلى عالم الإيحاء والحدس واللمحات العابرة.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ويهمني أن أشير في هذا السياق إلى أن جانكلفيتش لا يقصد بمصطلح" الفوري" أو" الآني" ما نفهمه نحن اليوم في زمن السرعة والتكنولوجيا أو الاستجابة الآنية التي فرضتها الثقافة الرقمية، بل يقصد تلك اللحظة الخاطفة التي يلتقي فيها الإنسان بالحقيقة أو بالآخر أو بنفسه، من دون وسائط أو مسالك استدلالية طويلة.
بعبارة أخرى يشير هذا المصطلح في فكر جانكلفيتش إلى نوع من الحدس أو الكشف المفاجئ الذي لا يرد إلى نتيجة منطقية أو إلى حصيلة تفكير استدلالي.
هكذا يفهم القارئ رفض الفيلسوف اعتبار المعرفة المباشرة ثمرة آلية للعمل العقلي.
فالجهد والتفكير الطويلان شرطان ضروريان للمعرفة، ولو أنهما لا يكفيان لظهور الحدس.
ذلك أن الإلهام، شأنه شأن الحقيقة المباشرة، يأتي دوماً على هيئة عطية غير متوقعة، تشبه النعمة.
وللإحاطة بهذا المفهوم، يضرب جانكلفيتش عدة أمثلة يستلها من الفن والأدب والحياة الروحية، مبيناً أن الإنسان قد يقضي سنوات طويلة في العمل والتأمل من دون أن يبلغ لحظة الكشف، بينما قد تحدث هذه اللحظة أحياناً بصورة مجانية وغير منتظرة.
لذلك فإن العلاقة بين" الوساطة" و" الفوري" أو" الآني" ليست علاقة سببية بسيطة، بل علاقة متناقضة وغامضة.
وبما أن مفهوم الزمن يحتل موقعاً محورياً في هذا التحليل لأنه الإطار الذي تنبسط داخله حرية الإنسان والحد الذي لا تستطيع أن تتخطاه، وبما أن الفوري ليس حالاً مستقرة أو دائمة في مجرى الزمن، فإن الفيلسوف يؤكد أنه لا يظهر إلا كـ" ومضة عابرة"، أو" شق من الضوء وسط الظلام"، ما يكسبه قيمة تتأتى من ندرته ومن ظهوره العابر داخل الامتداد الزمني العادي الذي يسوده التكرار والعادة.
لذا يشبه الفيلسوف حياة الفكر، في هذه المحاضرات، بالومضات التي يتجلى فيها الوعي ثم يتوارى.
وعلى النقيض من الحدس، أو المعرفة المباشرة، فإن فعل التعقل، أي هذه المألوفية الفكرية التي تقوم على حركة مستمرة، تجعلنا نذهب ونعود، ونعبر الحدود، ونخطو خطوة خارجها لنعرف ما يوجد على الضفة الأخرى.
ويرى جانكلفيتش أن الحياة الإنسانية الحقيقية لا تتجلى في الاستمرارية الرتيبة، بل في تلك اللحظات النادرة التي يصبح فيها الإنسان قادراً على البدء من جديد.
ففي معظم الأحيان، يعيش الإنسان ضمن أنماط مألوفة ومكررة، غير أن لحظات الاستنارة والحدس والفورية تمنحه القدرة على الخروج من الرتابة والملل وافتتاح معنى جديد لوجوده.
ومن أكثر الأفكار إثارة في الكتاب ربط الفيلسوف بين الحدس أو" المعرفة الفورية" والموت الذي" يقع في نهاية كل الطرق الممتدة بلا نهاية، بغض النظر عن الوجهة".
فنراه يتحدث عن" الموت الصغير"، الذي يسمح للوعي الخروج من ذاته والدخول في عالم الآخر، على غرار حال الوجد أو النشوة لدى بعض المتصوفة.
ولذلك نسمعه يتكلم عن ذلك الموت الذي يمكن اختباره مراراً، والذي يمنحنا حدساً مسبقاً بما سيكون عليه الموت الحقيقي.
وهكذا فإن الوصول إلى" الفوري" ينطوي، على نحو مفارق، على شكل من أشكال الموت، إذ لا يتحقق الحضور المباشر الخالص إلا عبر نوع من التلاشي الموقت للذات وانفصالها عن تعاقب الزمن.
وفي هذه الحركة بين الذات والآخر، بين المعرفة والوجود، تتجدد بحسب جانكلفيتش الحياة الإنسانية الحقيقية.
لكن ذلك لا يعني أن الإنسان قد يبلغ في اللحظة الآنية اتحاداً كاملاً بالحقيقة أو بالآخر، لأن هذا الاتحاد الكامل من شأنه أن يقضي على المعرفة نفسها.
فالمعرفة تفترض دوماً وجود مسافة، ولو كانت صغيرة جداً، بين الذات والموضوع.
لذا يطور جانكلفيتش فلسفته الشهيرة حول" الشيء الذي لا يستطيع وصفه والشيء الذي يكاد يكون لا شيئاً"، أي ذلك الحد الفاصل بين القرب والاتحاد، بين الحضور والغياب، بين المعرفة والذوبان الكامل.
ويؤكد الفيلسوف أن" الفوري" أو" الآني" لا يلغي العلاقة، بل الوسائط، لأن المعرفة المباشرة ليست انعداماً للعلاقة، وإنما هي علاقة من نوع خاص، علاقة ثنائية خالصة بين الذات والآخر، من دون تدخل عناصر ثالثة.
ولهذا السبب يمنح الفيلسوف أهمية استثنائية لفكرة حضور الآخر الذي يحرر الإنسان من عزلته ويكشف أمامه أفق العالم.
يتجلى التأثير البرغسوني بوضوح في هذه الرؤية.
فعلى غرار أستاذه برغسون، يؤمن جانكلفيتش بإمكان حدوث اختراقات حدسية تسمح للإنسان بتجاوز حدود المعرفة العقلية المعتادة، لكنه يرفض في الوقت عينه تحويل الحدس إلى حال يومية مبتذلة.
فالاستثناء يفقد معناه إذا تحول إلى قاعدة، والبطولة تفقد قيمتها إذا أصبحت عادة متكررة.
ولئن كان العصر الرقمي المعاصر يسعى إلى اختزال المسافات وإلغاء الانتظار وتسريع كل شيء، فإن دروس جانكلفيتش تبدو اليوم ذات راهنية لافتة.
فالفيلسوف الفرنسي يذكرنا بأن الحقيقة لا تختزل بالسرعة، وأن بعض الأمور الأساسية في الحياة كالحب والصداقة والمعرفة والإبداع، لا تخضع لمنطق الاستهلاك الفوري، وإنما تحتاج إلى الصبر والانتظار، حتى وإن كانت لحظة انكشافها تأتي فجأة.
لهذا السبب، لا تشكل دروس جانكلفيتش عن" الفوري" أو" الآني" التي يؤلف مجموعها متن الكتاب مجرد وثيقة تاريخية أو مادة أرشيفية، لعلها تمثل مدخلاً ممتازاً إلى عالمه الفكري، وإلى إحدى أكثر التجارب الفلسفية الإنسانية رهافة في القرن الـ20.
فمن خلال قراءة صفحات الكتاب، نستعيد صوت أستاذ السوربون وهو يتحدث بحرارة وحيوية، فنكتشف فيلسوفاً لم يسعَ إلى بناء نسق فلسفي مغلق، بقدر ما سعى إلى مرافقة الإنسان في مواجهة ألغاز الزمن والموت والحب والحقيقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك