تُعد إيطاليا واحدة من أكثر الدول الأوروبية تقدما في متوسط الأعمار، إذ يبلغ متوسط العمر فيها نحو 49 عاما كما ترتفع فيها نسبة من تجاوزوا 65 و80 عاما بشكل ملحوظ.
وخلف هذه الأرقام يبرز سؤال لافت: ما سر طول عمر الإيطاليين؟ لكن الإجابة هذه المرة لم تأتِ فقط من الدراسات والمعامل، بل من جيل الشباب نفسه.
في عالم يتسارع بإيقاع مرهق، تحاصره الضغوط الرقمية والإشعارات التي لا تتوقف، بدأ جيل زد يبحث عن أسلوب حياة مختلف، بعيدا عن هوس الإنتاجية والسعي الدائم للإنجاز.
list 1 of 2إيصال يكفي لتطويق الأرض مرتين.
كم شجرة ندفع ثمنها مع كل فاتورة ورقية؟list 2 of 2التسوق الاستعراضي.
هل تشتري لإشباع حاجتك أم لكسب إعجاب الآخرين؟ومن هنا ظهر اتجاه جديد يُعرف باسم" نونا ماكسينغ" – كلمة" نونا" تعني الجدة في اللغة الإيطالية – وهو نمط يستلهم بساطة حياة الجدات الإيطاليات القائمة على الطعام العائلي والمشي اليومي والعلاقات الإنسانية الدافئة والعيش بإيقاع أكثر هدوءا.
ويعكس هذا التوجه رغبة متزايدة لدى جيل جديد في تحقيق توازن حقيقي بين الصحة النفسية والجسدية، بعيدا عن الضغوط المستمرة وثقافة الإنجاز التي لا تنتهي.
من هوس الإنتاجية إلى متعة العيشيقوم مفهوم" نونا ماكسينغ" على رفض ثقافة" التحسين المستمر" التي انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي.
هذه الثقافة التي تركز على الإنتاجية العالية، ومحاولات التحسين المستمرة للوضع الوظيفي ومتابعة أحدث أنظمة اللياقة البدنية، واتباع حميات غذائية معقدة، والسعي الدائم نحو نسخة" مثالية" من الذات، هذا السعي الدائم نحو الكمال تسبب لدى كثير من الشباب في شعور بالإرهاق والضغط النفسي.
في المقابل، يقدم نمط" نونا ماكسينغ" فلسفة مختلفة تماما: الصحة والسعادة لا تأتيان من التعقيد والسعي المستمر، بل من العادات اليومية البسيطة والمتكررة.
فممارسات بسيطة مثل المشي المنتظم وإعداد الطعام في المنزل والتواصل الإنساني الحقيقي هي أساس نمط الحياة الذي تمثله الجدات الإيطاليات.
ترتبط صورة الجدة الإيطالية بالدفء العائلي والطعام المنزلي والعلاقات الاجتماعية المتينة، وهي صورة تعكس في الواقع نمط حياة ساهم في جعل العديد من النساء الإيطاليات، خاصة فيما يُعرف بـ" المناطق الزرقاء"، يتمتعن بصحة جيدة حتى مراحل متقدمة من العمر.
ولا يعود ذلك إلى الجينات أو الحظ، بل إلى أسلوب حياة متوارث يقوم على الحركة اليومية الطبيعية كالمشي، وإعداد الطعام من مكونات طازجة وبسيطة، والحفاظ على الروابط الأسرية القوية، والمشاركة المستمرة في الحياة الاجتماعية والمجتمعية.
وتمثل هذه العادات نهجا متكاملا للحياة يركز على التوازن والارتباط بالآخرين والاستمتاع بالتفاصيل اليومية، بعيدا عن السعي وراء المعايير الجمالية أو ضغوط الثقافة الرقمية الحديثة.
الصحة النفسية في قلب الفلسفةأحد أبرز أسباب اتجاه الشباب إلى هذا الاتجاه هو تركيزه على الراحة النفسية.
فالحياة اليومية للجدات الإيطاليات غالباً ما تقوم على إيقاع أبطأ وأكثر استقراراً، بعيداً عن التوتر الناتج عن المتابعة المستمرة للأخبار والمنصات الرقمية.
هذا الهدوء يمنح مساحة أكبر للتواصل الإنساني الحقيقي، ويقلل من الضغوط المرتبطة بالمقارنات الاجتماعية التي أصبحت جزءاً من الحياة السريعة المعاصرة.
كما أن الانتقال من السرعة إلى البطء، ومن الضغط إلى الاستقرار، يؤدي إلى انخفاض ملموس في مستويات التوتر والقلق، وبالتالي تحسن الصحة العقلية وزيادة الشعور بالرضا الداخلي والمعنى.
يمثل الترابط الاجتماعي أحد أبرز عناصر" نونا ماكسينغ"، إذ تقوم حياة الجدات الإيطاليات على علاقات إنسانية متينة ودور فعال داخل الأسرة والمجتمع، بعيداً عن العزلة أو الاكتفاء بالتواصل الافتراضي.
فهن يشاركن في تفاصيل الحياة اليومية، ويحافظن على صداقات طويلة الأمد وروابط عائلية قائمة على الدعم المتبادل والحضور المستمر.
وتشير دراسات عديدة إلى أن هذا النوع من التفاعل الاجتماعي الحقيقي يرتبط بتحسن الصحة النفسية والجسدية، ويعزز الشعور بالاستقرار والانتماء والهدف من الحياة، وهو ما يفسر انجذاب كثير من الشباب إلى هذا النمط الهادئ والمتوازن من العيش.
وأظهرت دراسة نُشرت في" هارفارد غازيت" عن تطور البالغين، أن جودة العلاقات الإنسانية تُعد من أهم العوامل المرتبطة بالسعادة والصحة الجيدة مع التقدم في العمر.
وتابعت الدراسة حياة 268 شخصا على مدار ما يقرب من 80 عاما وتُعد واحدة من أطول الدراسات في العالم حول حياة البالغين.
الطعام المنزلي والحركة اليوميةيقوم هذا الأسلوب على العودة إلى نمط الحياة البسيط القائم على الطعام التقليدي المعد من مكونات طازجة وطبيعية، مع تقليل الاعتماد على الأطعمة المصنعة والوجبات السريعة.
كما يُنظر إلى تناول الطعام باعتباره تجربة اجتماعية وثقافية تعزز الروابط الإنسانية، وليس مجرد وسيلة سريعة للحصول على الطاقة.
ويرتكز هذا النمط على نظام غذائي قريب من حمية البحر المتوسط، الذي يعتمد على الطبخ المنزلي والمكونات الموسمية الطازجة.
أما النشاط البدني، فلا يرتبط ببرامج رياضية قاسية أو تدريبات مكثفة داخل الصالات الرياضية، بل يعتمد على الحركة اليومية الطبيعية مثل المشي والتسوق والأعمال المنزلية والعمل في الحديقة، ما يجعل الحركة جزءا تلقائيا ومتوازنا من الحياة اليومية.
وتجب الإشارة إلى أن صورة" الحياة المثالية" للجدات الإيطاليات على الإنترنت قد تكون مبالغا فيها نوعا ما.
إذ تتضمن الحياة أيضاً مسؤوليات عديدة وعملاً منزلياً مستمراً، وليس فقط الراحة والبطء الرومانسي.
هل يمكن تطبيق" نونا ماكسينغ" في حياتنا الحالية؟رغم أن كثيرين لا يملكون رفاهية العيش بإيقاع بطيء بالكامل في ظل ضغوط العمل والالتزامات اليومية، فإن جوهر" نونا ماكسينغ" لا يقوم على الانعزال عن الحياة الحديثة، بل على إدخال عادات أكثر هدوءا وتوازنا داخل الروتين اليومي بشكل تدريجيا وواقعيا.
ويمكن تطبيق بعض مبادئ هذا الأسلوب عبر خطوات بسيطة مثل تقليل الوقت أمام الشاشات، والمشي لمسافات قصيرة يومياً، والاعتماد على الطعام المنزلي قدر الإمكان، ومنح العلاقات العائلية والاجتماعية مساحة أكبر من الاهتمام.
كما أن تخصيص وقت للراحة أو ممارسة أنشطة هادئة بعيداً عن الضغوط الرقمية، مثل الاستماع إلى الموسيقى أو تناول الطعام دون تشتيت أو قضاء وقت مع الأسرة والأصدقاء، قد يساعد على استعادة جزء من التوازن النفسي المفقود.
ويرى كثيرون أن قوة هذا الاتجاه لا تكمن في السعي إلى الكمال أو تغيير الحياة بالكامل، بل في تبني عادات صغيرة ومستدامة تُحدث مع الوقت أثراً حقيقياً على الصحة النفسية وجودة الحياة.
قد لا يكون أسلوب" نونا ماكسينغ" وصفة سحرية لطول العمر، لكنه يعكس رغبة متزايدة لدى الشباب في التحرر من الضغوط المرتبطة بالسرعة والإنتاجية الدائمة، كما يسلط الضوء على قيمة العادات اليومية الصغيرة التي غالباً ما يتم تجاهلها: المشي والطعام المنزلي وقضاء الوقت مع العائلة والأصدقاء والقدرة على الاستمتاع بالحياة بوتيرة أهدأ وأكثر وعياً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك