في ربيع عام 1976، كان لبنان يغرق أكثر فأكثر في أتون حرب أهلية بدت قبل نحو عام بلا أفق ولا ضوابط.
انهار الجيش اللبناني، وتفككت مؤسسات الدولة، وتحولت الجبهات إلى خطوط تماس مفتوحة بين القوى المسيحية من جهة، التي عرفت بالجبهة الوطنية، ورأت بالوجود الفلسطيني المسلح خطراً مباشراً عليها، والحركة الوطنية اللبنانية والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى.
وفي خضم هذا الانهيار، كانت دمشق تراقب بقلق ما يجري على حدودها الغربية، خشية أن يؤدي سقوط لبنان في الفوضى إلى تهديد مصالحها الإقليمية وتقويض نفوذها في المشرق.
تحت عنوان منع التقسيم واستعادة الاستقرار، دخلت أولى طلائع القوات السورية إلى لبنان على مراحل خلال عام 1976، قبل أن يتحول الوجود العسكري المحدود إلى تدخل واسع النطاق شمل عشرات آلاف الجنود وكرس دور دمشق لاعباً رئيساً في الحرب اللبنانية.
لكن ما بدأ تدخلاً تحت شعار الوساطة وفرض التهدئة، تطور مع مرور السنوات إلى نفوذ سياسي وأمني واسع جعل دمشق صاحبة الكلمة الفصل في كثير من المحطات اللبنانية، وصولاً إلى مرحلة الوصاية التي استمرت عملياً حتى انسحاب قواتها عام 2005، بعد اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري.
وقد بدأ التدخل العسكري السوري في لبنان على مراحل خلال عام 1976، لكن التاريخ الذي يعد عادة بداية دخول القوات السورية النظامية هو الأول من يونيو (حزيران) 1976، عندما عبرت قوات كبيرة من الجيش السوري الحدود اللبنانية بصورة علنية وواسعة النطاق دعماً للقوات المسيحية في مواجهة الحركة الوطنية اللبنانية والفصائل الفلسطينية، إنما قبلها دخلت سوريا بصورة متخفية وغير معلنة إلى لبنان عسكرياً.
لكن ماذا كانت تعرف الولايات المتحدة عن هذا التدخل؟ وهل فوجئت واشنطن بدخول القوات السورية إلى لبنان؟ وكيف قرأت أجهزة الاستخبارات الأميركية حسابات الرئيس السوري حافظ الأسد وأهدافه الحقيقية من وراء إرسال قواته إلى الأراضي اللبنانية؟في هذا التحقيق، تنفرد" اندبندنت عربية" بنشر مجموعة من الوثائق السرية التي أعدتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية" سي آي إيه" منتصف ونهاية سبعينيات القرن الماضي، في محاولة لقراءة التدخل السوري وتأثيره في مستقبل البلاد والمنطقة.
في الـ17 من مارس (آذار) عام 1976، أعدت الوكالة المركزية الأميركية مذكرة استخبارية حملت عنوان" التدخل السوري في لبنان"، كشفت فيها عن معرفتها ببدء دخول سوريا عسكرياً إلى لبنان إنما بصورة محدودة وغير معلنة، وقد أتى في نص الوثيقة السرية التي حملت رقم التصنيف CIA-RDP85T00353R000100260011-6" التدخل المحدود للقوات العسكرية السورية النظامية في وسط لبنان هذا الأسبوع يعد إجراء من الرئيس (حافظ) الأسد يهدف إلى وقف تدهور الوضع الأمني وفرض حل سياسي على لبنان، فيما يبدو أن إدخال نحو 1000 جندي سوري نظامي، متخفين جزئياً كعناصر إضافية من جيش التحرير الفلسطيني، ومدعومين على ما يبدو ببعض الدبابات، كان مقامرة محسوبة لتحقيق ثلاثة أهداف فورية: المساعدة في ملء الفراغ العسكري الذي نتج من الانهيار السريع للجيش اللبناني، ومنع القوات المسلمة بقيادة الملازم أحمد الخطيب (انشق عن الجيش اللبناني) من مهاجمة القوات المسيحية المدافعة عن الرئيس سليمان فرنجية، وتسريع استقالة فرنجية والسيطرة على اختيار خلفه".
ويقول الأميركيون في الوثيقة" نعتقد أن الأسد مستعد لزيادة، بصورة مدروسة، عدد القوات السورية النظامية في وسط لبنان وشماله إذا كان ذلك ضرورياً لكسر المأزق السياسي في بيروت، فيما يعتقد السوريون أن استقالة فرنجية ضرورية، وأنهم يريدون التحكم في اختيار خليفته، لكنهم لا يحاولون حرمان المسيحيين من الرئاسة، كما أنهم غير مستعدين الآن لفرض حكومة يهيمن عليها المسلمون على لبنان".
وتكشف واشنطن حينها عن أن رئيس أركان القوات المسلحة السورية اللواء حكمت الشهابي أبلغ السفير الأميركي لدى سوريا ريتشارد مورفي الشهر الماضي أن جيش التحرير الفلسطيني (المدعوم من سوريا) غير قادر على توفير الأمن في مختلف أنحاء لبنان، في دلالة على نيتهم الحضور بصورة محدودة في لبنان، وأن السوريين لا ينوون بقاء دائماً في البلاد.
أما الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، فتكمن معضلته في أنه راهن بجزء كبير من هيبته على نجاح الوساطة السورية في الحرب الأهلية اللبنانية، و" ينظر إلى الأسد عموماً في العالم العربي باعتباره حكماً في السياسة الداخلية اللبنانية، وهو معني بالحفاظ على المكانة التي اكتسبها من خلال جهوده حتى الآن، ويريد تجنب إعطاء خصومه، ولا سيما الرئيس المصري محمد أنور السادات، ذخيرة إضافية لانتقاده.
لذلك وعلى رغم حذره ورغبته في عدم استفزاز رد فعل إسرائيلي في لبنان، يبدو أن الأسد خلص إلى أن صورة من صور التدخل عبر القوات النظامية أصبح مخاطرة ضرورية لحماية انخراطه السياسي الكبير في لبنان، والحفاظ على أوراق اعتماده القيادية في العالم العربي".
على رغم التأكيدات السورية بأن الدور عسكرياً في لبنان سيكون محدوداً، لكن الأميركيين حينها اعتقدوا أن السوريين سيتصرفون بهدف فرض اختراق سريع، ولن يترددوا في جلب قوات إضافية، وأكثر أشكال الضغط السوري ترجيحاً سيكون الإدخال التدريجي لمزيد من القوات السورية النظامية إلى وسط لبنان، لكن لا توجد نية لديهم لإرسال وحدات سورية كبيرة إلى جنوب لبنان، أو ينشروا وحدات سورية كبيرة قرب الحدود اللبنانية - الإسرائيلية الحساسة.
وتضيف الوثيقة" ويبقى احتمال أخير، وهو أن ينجح اللبنانيون بطريقة ما في التورط مجدداً في حرب أهلية متجددة على رغم وجود أعداد محدودة من القوات السورية النظامية.
وفي مثل هذه الظروف، نعتقد أن سوريا ستشعر بأنها مضطرة إلى التدخل على نطاق أوسع لفرض هدنة".
في المقابل، تكشف عن أن القادة الإسرائيليين قللوا حينها من أهمية مسألة التدخل الأجنبي في لبنان، ورفضوا التعليق على التقارير التي تتحدث عن وجود قوات سورية نظامية داخل لبنان، مكتفين بالقول إن الموضوع" قيد الدراسة"، إلا أن الملحق العسكري الإسرائيلي في تل أبيب أبلغ أن جميع القوات الفلسطينية الموجودة في لبنان والمرتبطة بسوريا باتت الآن تحت السيطرة السورية، وأن أية قوات إضافية تدخل لبنان لا بد أن تكون سورية.
كما صرح وزير الدفاع (حينها) شيمون بيريز في مقابلة أجريت معه بأن إسرائيل ستبقى" مراقباً سلبياً" للتطورات في لبنان، وأشار إلى أن إسرائيل لن تتدخل إذا أرسل السوريون قواتهم ما دام بقيت بعيدة من جنوب لبنان وظلت تلك المنطقة هادئة.
وأتى في نص الوثيقة" نعتقد أن الإسرائيليين سيرسلون قوات عبر الحدود إذا تدخل السوريون في لبنان بوحدات مدرعة كبيرة، أو إذا ركز جيش التحرير الفلسطيني أو أية قوات عربية أخرى قوات كبيرة في جنوب لبنان قرب الحدود الإسرائيلية، أو إذا بدأت القوات الفدائية (الفلسطينية) أو الوحدات المسلمة الموالية للخطيب بتكثيف قصف المستوطنات الإسرائيلية أو زيادة العمليات عبر الحدود.
وهذا ما حصل بالفعل عام 1978 حين نفذت إسرائيل مع عرف بـ" عملية الليطاني"، وهي عملية عسكرية برية قالت إنها هدفت لإبعاد خطر الفدائيين الفلسطينيين من جنوب لبنان.
رد الفعل العربية: إدانة من دون عرقلةرأى الأميركيون حينها أن التحرك السوري إلى لبنان، وأي تدخل عسكري سوري أوسع، من المرجح ألا يواجه معارضة علنية كبيرة من معظم الدول العربية، وباستثناء مصر والعراق، اللتين تمتلكان أسبابهما الخاصة للخلاف مع سوريا، ستدين الدول العربية التدخل السوري على انفراد لكنها لن تقول شيئاً علناً لعرقلته، فيما" معظم الدول العربية ترى أن سوريا وحدها قادرة فعلياً على السيطرة على الوضع في لبنان.
وعلى رغم أنها لا تحب فكرة إرسال دولة عربية قواتها إلى دولة عربية أخرى، فإنها ستقبل على الأرجح بالحكم السوري باعتباره البديل العملي الوحيد".
أسابيع ودخلت قوات سورية إضافيةبعد أسابيع قليلة من إعداد الوثيقة المنشورة تفاصيلها أعلاه، أعدت وكالة الـ" سي آي إيه" وثيقة جديدة مؤرخة في الـ19 من مايو (أيار) 1976، وفيها يكشف الأميركيون عن دخول قوات سورية إضافية إلى لبنان، وقد" دخل خلال الأسبوعين الماضيين، أكثر من ألف جندي سوري نظامي إلى لبنان، وكان معظمهم متخفياً كأفراد من قوات الصاعقة الفلسطينية المدعومة من دمشق، وتتمركز هذه القوات بصورة رئيسة في منطقتي طرابلس (شمالاً) وبيروت العاصمة".
وأتى في نص الوثيقة" نعتقد أن هناك حالياً أكثر من 5 آلاف جندي سوري داخل لبنان، إضافة إلى أكثر من ألفي جندي آخرين في سوريا قرب الحدود اللبنانية الشرقية، يمكنهم الدخول خلال وقت قصير إذا دعت الحاجة".
وبعد أقل من أسبوعين، وتحديداً في الأول من يونيو من العام نفسه دخلت القوات السورية إلى لبنان بصورة كبيرة، وضمن آلاف المقاتلين ومئات الدبابات، فيما يقرأ هذا التاريخ على أنه يوم الدخول العسكري الفعلي لسوريا إلى لبنان.
في السياق، تكشف وثيقة سرية أميركية اطلعت عليها" اندبندنت عربية" عن واقع انتشار السوريين منتصف يونيو.
الوثيقة أعدت في 16 يونيو وحملت رقم التصنيف CIA-RDP79T00936A013400010030-5، وفيها يكشف الأميركيون عن أن القوات السورية تعمقت بالفعل داخل المناطق الفلسطينية - اليسارية في جنوب لبنان، وواصلت توطيد مواقعها في سهل البقاع في الشرق.
وأتى في نصها" يبدو أن الصراع في جنوب لبنان يقترب من مرحلته الأخيرة، فبعد نحو عام من القتال، باتت القوات الفلسطينية - اليسارية محاصرة داخل مدينة صيدا والميناء الحيوي المتصل بها، ويعد هذا أهم منفذ متبق للفلسطينيين إلى العالم الخارجي.
وعلى الأرجح أن دمشق تعتزم حرمان الفلسطينيين من هذا المنفذ.
تأمل سوريا في تحييد المقاومة الفلسطينية وإجبار الزعماء العرب على تركيز اهتمامهم على مؤتمر القمة العربية المقبل، بدلاً من الاستمرار في دعم الإمدادات العسكرية والنقدية للفلسطينيين وحلفائهم في لبنان".
وتكمل" كما أن سوريا تسعى إلى منع أي تقارب بين الفلسطينيين والعراق، وهو تقارب ازداد في الأشهر الأخيرة ضد سوريا، العمليات السورية (داخل لبنان) تعزز كذلك مكانة الرئيس حافظ الأسد أمام الزعماء العرب الآخرين.
فالرئيس السوري عازم على إثبات أنه قادر على التعامل مع التهديد الفلسطيني من دون اللجوء إلى مساعدات خارجية، وقد استخدمت القوات السورية دعماً جوياً ومدفعياً في عملياتها الجارية حول مدينة صور".
فيما تعد هذه الوثيقة مهمة جداً لأنها كتبت بعد نحو أسبوعين فقط من الاجتياح السوري الواسع للبنان، وتظهر بوضوح أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية كانت ترى أن هدف دمشق لم يعد مجرد الوساطة أو وقف الحرب الأهلية في لبنان، بل كسر القوة العسكرية الفلسطينية في لبنان، والسيطرة على الموانئ والممرات الاستراتيجية، وفرض تسوية سياسية بقيادة سورية.
أبرز حلفاء السوريين في لبنانبعد نحو سنتين على دخول القوات السورية إلى لبنان، وتحديداً في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1978، أعدت وكالة" سي آي إيه" تقريراً تفند فيه أبرز حلفاء السوريين في لبنان، وعلى رأسهم الرئيس اللبناني السابق سليمان فرنجية.
تقول الوثيقة التي تحمل رقم التصنيف CIA-RDP80T00634A000400010051-6" كان أبرز داعم معروف لسوريا في لبنان خلال السنوات الأخيرة هو الرئيس السابق سليمان فرنجية.
تعود جذور علاقة فرنجية بسوريا إلى عام 1950، وقد تعززت هذه العلاقة وترسخت مع مرور الوقت.
وكان اللبنانيون غالباً ما ينظرون إلى ارتباط فرنجية بالسوريين – كما هو حال جميع هذه التحالفات – باعتباره زواج مصلحة.
فالسوريون لا يسيطرون على فرنجية بالكامل".
ويكمل كاتبو التقرير الأميركي" كان فرنجية، زعيم إحدى العائلات الإقطاعية التقليدية التي تستند قوتها إلى روابط القرابة والولاءات الإقليمية، يعتمد على السوريين للحفاظ على نفوذه السياسي.
واتسمت فترة رئاسة فرنجية (1970-1976) بتزايد التوتر بين الطوائف في لبنان، وتصاعد المشاركة الفلسطينية في الأحداث التي قادت إلى الحرب الأهلية اللبنانية.
وكان فرنجية غير قادر على وقف أعمال العنف.
وخلال الحرب الأهلية ظل فرنجية متمسكاً بولائه لسوريا وغيرها من القوى المحافظة التي كانت تعارض الحركة الوطنية اللبنانية بقيادة كمال جنبلاط والفلسطينيين".
وفي الخلاصة، يقول الأميركيون إن فرنجية اعتمد على سوريا بسبب عزلته السياسية.
فقد نُبذ في السنوات الأخيرة من ولايته من قبل قادة مسلمين معتدلين مثل رئيس الوزراء السابق رشيد كرامي، وكذلك من قبل زعماء مسيحيين مثل الرئيس المنتخب إلياس سركيس.
وأدى ذلك إلى تعميق الانقسام بين المسيحيين والمسلمين، وكانت سوريا على يقين تقريباً من أن هذه التحركات والردود الفعل ستقوض سلطته".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك