منذ توسيع إسرائيل عملياتها العسكرية في جنوب لبنان، تسعى المؤسسة الأمنية والعسكرية إلى فرض وقائع ميدانية جديدة تحد من نفوذ حزب الله وتؤمّن المنطقة الحدودية الشمالية.
يأتي ذلك في ظل ما باتت بعض الأصوات الإسرائيلية تصفه بـ" ميدان صيد الجنود"، نتيجة تكرار عمليات الاستهداف التي تطال القوات والآليات المتقدمة على طول الحدود.
غير أن التطورات المتلاحقة على الأرض تشير إلى أن هذا الهدف ما زال يواجه تحديات كبيرة، في ظل استمرار الخسائر البشرية والعسكرية الإسرائيلية وتكرار الهجمات التي تستهدف القوات المتقدمة وآلياتها، الأمر الذي يثير تساؤلات متزايدة داخل إسرائيل بشأن جدوى استمرار العمليات البرية وكلفتها المتصاعدة.
وشكّل مقتل 4 عسكريين إسرائيليين -من جنود النخبة- بينهم قائد الكتيبة 52 في اللواء المدرع 401 المقدم دور جداليا بن سمحون (32 عاما)، خلال استهداف دبابتهم في محيط بلدة كفرتبنيت جنوبي لبنان، أحدث حلقات الاستنزاف الذي تواجهه القوات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني.
وذكرت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن الدبابة التابعة للكتيبة 52 كانت تعمل ضمن قوة قتالية يقودها لواء غفعاتي في منطقة قرية منطيف جنوبي لبنان.
وتحمل الخسارة الأخيرة أهمية خاصة نظرا لرتبة الضابط القتيل داخل أحد أبرز ألوية المدرعات في الجيش الإسرائيلي، وهو اللواء 401، لينضم إلى قائمة طويلة من قادة هذا اللواء الذين سقطوا بين قتيل وجريح منذ اندلاع المواجهات في غزة ولبنان.
كما تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن إصابة 17 جنديا، بينهم عناصر من قوات النخبة وضباط ميدانيون، في واحدة من أقسى الضربات التي تلقاها الجيش الإسرائيلي على الجبهة اللبنانية خلال الأسابيع الأخيرة.
وبالتالي يرتفع عدد قتلى الجيش الإسرائيلي في لبنان إلى 23 عسكريا منذ إعلان وقف إطلاق النار في أبريل/نيسان الماضي.
وفي أعقاب مقتل الجنود الأربعة، سارعت الحكومة الإسرائيلية إلى إطلاق تهديدات بتوسيع الرد العسكري، فيما دعا وزراء في اليمين المتطرف إلى تدمير لبنان بالكامل.
غير أن مراقبين اعتبروا أن هذه التصريحات تعكس في جانب منها حجم الإحباط الناتج عن استمرار الخسائر وعجز العمليات العسكرية عن توفير واقع أمني مستقر على الحدود الشمالية.
وتعكس طبيعة العملية الأخيرة في جنوب لبنان استمرار قدرة حزب الله على استهداف القوات الإسرائيلية حتى في المناطق التي تشهد نشاطا عسكريا مكثفا وغارات جوية متواصلة.
ولا تقتصر كلفة الوجود الإسرائيلي على الخسائر البشرية فقط، بل تمتد إلى الخسائر المادية التي تطال الدبابات والآليات العسكرية.
فخلال الأشهر الماضية تعرضت دبابات ميركافا وآليات هندسية وعسكرية مختلفة للاستهداف عبر الصواريخ الموجهة والطائرات المسيّرة والكمائن الأرضية، ما فرض على الجيش الإسرائيلي اعتماد إجراءات حماية إضافية ورفع مستوى الحذر خلال التحركات البرية.
وتكشف ردود الفعل داخل إسرائيل عن تنامي القلق من تحول الجبهة اللبنانية إلى ساحة استنزاف طويلة الأمد.
وفي وقت سابق، وصف والد أحد الجنود المشاركين في العمليات جنوب لبنان المنطقة بأنها" ميدان صيد للجنود بمسيّرات حزب الله"، كما تصاعدت الانتقادات السياسية والإعلامية للحكومة بشأن استمرار العمليات دون تحقيق نتائج حاسمة على الأرض.
ووفق هيئة البث الإسرائيلية، فقد وجّه والد الجندي -الذي لم تسمّه- رسالة إلى رئيس أركان الجيش إيال زامير، أكد فيها أن الجنود باتوا يواجهون تهديدا دائما يجعلهم يعتمدون على الحظ للبقاء على قيد الحياة.
في المقابل، تظهر المعطيات الميدانية أن حزب الله ما زال يحتفظ بهامش واسع من حرية الحركة والعمل العسكري في مناطق جنوب لبنان.
فالحزب أعلن خلال الأيام الأخيرة التصدي لعدة محاولات تقدم إسرائيلية في محيط كفرتبنيت وأرنون وتلة علي الطاهر، مؤكدا إيقاع خسائر بشرية ومادية في صفوف القوات المهاجمة.
كما تشير العمليات المنفذة إلى استمرار قدرته على الرصد وجمع المعلومات والتخطيط للكمائن واستهداف القوات المتحركة في توقيتات حساسة.
ورغم كثافة الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت عشرات المواقع في جنوب لبنان، فإن تكرار عمليات الاستهداف ضد القوات البرية يوحي بأن التفوق الجوي لم ينجح حتى الآن في إنهاء قدرة حزب الله على القتال أو منعه من إعادة الانتشار والعمل داخل مناطق المواجهة.
كما أن استمرار الاشتباكات بعد أشهر من العمليات العسكرية يعكس صعوبة تحقيق حسم ميداني سريع في بيئة قتالية معقدة تعتمد على المرونة والانتشار اللامركزي.
ومع كل عملية استهداف جديدة تتجدد الأسئلة -داخل المجتمع الإسرائيلي- حول قدرة إسرائيل على تحقيق أهدافها المعلنة، في وقت يواصل فيه حزب الله إظهار قدرته على المبادرة والمناورة وفرض معادلة استنزاف تجعل كلفة البقاء في الميدان أعلى من المتوقع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك