الحذر عقب الإعلان عن التوصل إلى تفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران تتضمن تخفيف التوترات في الخليج وإعادة فتح مضيق هرمز والسماح تدريجيا بعودة النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية.
وقد انعكس هذا التطور مباشرة على أسعار النفط التي سجلت تراجعا ملحوظا بعد أشهر من الارتفاعات المرتبطة بالمخاوف الجيوسياسية في المنطقة.
وتراجعت أسعار خام برنت إلى ما دون 80 دولارا للبرميل للمرة الأولى منذ أشهر، بعدما كانت قد تجاوزت 90 دولارا خلال ذروة التوترات العسكرية بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها.
ويرى خبراء الطاقة أن الأسواق تتفاعل أساسا مع احتمال زيادة المعروض النفطي العالمي نتيجة رفع القيود عن الصادرات الإيرانية وإعادة حركة الملاحة الطبيعية بمضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية المنقولة بحرا.
غير أن السؤال الذي يطرح نفسه في تونس هو: هل يمكن أن يؤدي هذا الاتفاق إلى انخفاض أسعار المحروقات محليا؟ من الناحية النظرية، كل انخفاض مستدام في أسعار النفط العالمية ينعكس إيجابيا على الدول المستوردة للطاقة، وتونس من بين أكثر الدول تأثرا بتقلبات أسعار النفط باعتبارها تستورد جزءا كبيرا من حاجياتها من المحروقات والغاز.
ولذلك فإن أي تراجع في الأسعار العالمية من شأنه أن يخفف الضغوط على ميزانية الدولة وعلى ميزان المدفوعات وعلى احتياطي العملة الصعبة.
وتنفق تونس سنويا مبالغ ضخمة لدعم المحروقات والطاقة.
وعندما ترتفع أسعار النفط عالميا ترتفع معها فاتورة الواردات الطاقية، وهو ما يؤدي إلى اتساع عجز الميزان التجاري وزيادة الضغوط على المالية العمومية.
أما في حال استقرت الأسعار عند مستويات أدنى لفترة طويلة، فإن الدولة ستتمكن من تقليص حجم الدعم الموجه للطاقة وتوجيه جزء من الموارد نحو قطاعات أخرى مثل الاستثمار والبنية التحتية والخدمات الاجتماعية.
كما أن انخفاض أسعار المحروقات ينعكس عادة على كلفة النقل والإنتاج بالنسبة للمؤسسات الاقتصادية، وهو ما يساعد على تحسين القدرة التنافسية للمنتوجات التونسية ويخفف من الضغوط التضخمية التي عانى منها المستهلك التونسي خلال السنوات الأخيرة.
فالمحروقات تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في أسعار النقل والبضائع والخدمات، ولذلك فإن تراجع أسعارها قد يساهم في كبح نسق ارتفاع الأسعار.
لكن رغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن الحديث عن تأثر إيجابي فوري للإقتصاد التونسي يبقى سابقا لأوانه.
فالسوق النفطية العالمية مازالت تترقب التطبيق الفعلي لبنود الاتفاق الأمريكي الإيراني ومدى التزام الطرفين به.
كما أن عودة الصادرات الإيرانية إلى مستوياتها الطبيعية قد تستغرق وقتا بسبب الجوانب اللوجستية والمالية والتأمينية المرتبطة برفع العقوبات واستئناف حركة الشحن البحري بشكل كامل.
وقد حذر عدد من المحللين من أن الأسواق ربما تبالغ في تقدير سرعة عودة الإمدادات النفطية إلى وضعها الطبيعي.
إضافة إلى ذلك، تعتمد تونس في تحديد أسعار المحروقات على عدة عوامل أخرى غير سعر النفط الخام فقط، من بينها سعر صرف الدينار مقابل الدولار وكلفة النقل والتكرير والخيارات المالية للحكومة.
لذلك فإن أي انخفاض عالمي لا ينعكس آليا أو بنفس النسبة على الأسعار المحلية.
ومع ذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحا في حال نجاح الاتفاق الأمريكي الإيراني واستمرار تدفق النفط عبر مضيق هرمز وعودة الصادرات الإيرانية بكميات كبيرة إلى السوق العالمية، يتمثل في استمرار الضغوط" النزولية" على أسعار النفط خلال الأشهر المقبلة.
وقد تستفيد تونس من هذا الظرف لتقليص فاتورة الطاقة وتحسين توازناتها المالية والحد من الضغوط التضخمية التي تثقل كاهل المواطنين والمؤسسات على حد سواء.
وبالتالي، يمثل الاتفاق الأمريكي الإيراني تطورا إيجابيا بالنسبة للاقتصاد التونسي باعتباره اقتصادا مستوردا للطاقة.
وإذا تحول هذا الاتفاق إلى تسوية دائمة تسمح بعودة النفط الإيراني بكامل طاقته إلى الأسواق العالمية، فإن تونس قد تكون من بين المستفيدين الرئيسيين من انخفاض أسعار النفط، سواء عبر تخفيف العبء على ميزانية الدولة أو عبر دعم القدرة الشرائية للمواطنين وتحسين مناخ الاستثمار والنمو الاقتصادي.
إلا أن تحقيق هذه المكاسب يبقى رهينا باستقرار الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة واستمرار تراجع أسعار النفط على المدى المتوسط والبعيد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك