خلال أيام قليلة، انتقلت مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب عبر مسار دبلوماسي متقلب، من إعلان مباغت عبر وساطة باكستانية، إلى توقيع مرتجل في قصر فرساي بفرنسا، ثم ترقّب في منتجع سويسري لمفاوضات أُرجئت في اللحظة الأخيرة.
بدأ المسار ليل الأحد بتوقيت واشنطن، وفجر الاثنين بتوقيت إسلام آباد، حين أعلن الوسيط الباكستاني التوصل إلى مذكرة تفاهم بين إيران والولايات المتحدة لإنهاء الحرب التي شنتها واشنطن وتل أبيب على طهران في 28 فبراير/شباط.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد قال ليل الأحد، عبر منصته" تروث سوشال"، إن" الاتفاق مع جمهورية إيران الإسلامية اكتمل الآن"، مضيفا: " يا سفن العالم، شغّلي محركاتك.
فليتدفق النفط! "، في إشارة إلى إعادة فتح مضيق هرمز الإستراتيجي.
وفي طهران، استيقظ معظم الإيرانيين على نبأ الاتفاق، بعدما خلدوا إلى النوم وسط مخاوف من تجدد المناوشات الليلية بين القوات المسلحة الأمريكية والإيرانية، والتي تزايدت في الأيام السابقة.
وزاد من تلك المخاوف تهديد طهران بشن ضربات صاروخية على إسرائيل، ردا على قصف إسرائيلي للضاحية الجنوبية في بيروت، معقل حليفها حزب الله.
لكن صورة التصعيد تبدلت بعد إعلان الاتفاق، مع حديث عن توجه نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إلى سويسرا لحضور حفل توقيع رسمي في 19 يونيو/حزيران، على أن يمثل الطرف الإيراني محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى وكبير المفاوضين.
وبقيت تفاصيل مذكرة التفاهم طي الكتمان، ليعلن ترمب، الثلاثاء، أنه سيعقد مؤتمرا صحفيا لقراءتها كاملة، قبل أن يُستعاض عن ذلك بإطلاع مسؤول أمريكي رفيع المستوى الصحفيين على تفاصيلها، الأربعاء، عبر الهاتف.
وبينما كان الترقب يسبق التوقيع المقرر اليوم الجمعة، فتح ترمب الباب أمام تكهنات جديدة، إذ قال في ختام قمة مجموعة السبع في فرنسا، بعد ظهر الأربعاء، إن التفاهم قد يوقّع خلال ساعات أو في اليوم التالي.
وفي الوقت ذاته، بدأت تقارير من طهران تلمّح إلى احتمال أن يحمل الاتفاق توقيع رئيسي البلدين.
في مساء اليوم نفسه، استضاف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظيره الأمريكي في قصر فرساي، بينما أعلنت طهران أنها لا تزال تدرس نص مذكرة التفاهم، وأكدت سويسرا أن حفل التوقيع سيقام الجمعة.
لكن ترمب فاجأ الجميع، هذه المرة، بإعلانه توقيع الاتفاق على هامش العشاء.
وبحسب رواية وزير الاقتصاد الفرنسي رولان ليسكور لإذاعة" آر تي إل"، فقد أعرب الرئيس الأمريكي عن رغبته في توقيع الاتفاق داخل القصر التاريخي.
وقال ترمب، وفق ليسكور: " توصلنا إلى اتفاق مع إيران وسأوقعه".
وأضاف الوزير الفرنسي أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو غادر مأدبة العشاء بحثا عن طابعة، لتزويد ترمب بنسخة ورقية من المذكرة التي تقع في صفحة ونصف صفحة.
وعاد روبيو بالاتفاق مطبوعا، ووقّعه ترمب بينما كان لا يزال جالسا إلى مائدة العشاء، بين ماكرون والسيدة الفرنسية الأولى بريجيت.
ولاحقا، قال ماكرون إن قرار ترمب توقيع المذكرة كان" مرتجلا تماما".
وفي المقابل، كان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يقوم بالأمر نفسه، بحسب صور وزعتها وسائل الإعلام.
بعد توقيع فرساي، اتجهت الأنظار إلى منتجع بورغنشتوك الجبلي في وسط سويسرا، حيث كان من المقرر أن تقام الجمعة مراسم رسمية تنطلق بموجبها مفاوضات تهدف إلى التوصل لاتفاق نهائي خلال مهلة 60 يوما، قابلة للتمديد بموافقة الطرفين.
لكن المفاجأة غلبت التوقع مجددا.
فقد أُرجئت المباحثات، وبدت مذكرة التفاهم على المحك، مع تصاعد وتيرة المواجهات بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، حيث تتمسك طهران بأن يكون وقف النار ملزما لإسرائيل.
وقبل إعلان التأجيل رسميا، كان الصحفيون المعتمدون لتغطية أنشطة البيت الأبيض ينتظرون في قاعدة أندروز الجوية قرب واشنطن، للصعود إلى الطائرة مع جيه ديه فانس نائب الرئيس الأمريكي، أو في مدينة زيورخ السويسرية بانتظار حافلة تقلهم إلى المنتجع الفاخر.
لكنهم تلقوا رسالة مقتضبة تفيد بأن فانس لن يغادر الولايات المتحدة، رغم ما تردد عن أن إدارة بورغنشتوك طلبت بهدوء من النزلاء المغادرة، لإفساح المجال أمام عقد المباحثات.
وبقي عدد من الصحفيين في سويسرا تحسبا لإعلان مفاجئ إضافي يعيد خلط الأوراق، غير أن هذا الاحتمال تراجع بعد ظهر الجمعة، مع تأكيد طهران أنها ليست في عجلة من أمرها لعقد الاجتماع في سويسرا، بعد توقيع التفاهم عن بعد.
ومع ذلك، ترك المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي باب الاحتمالات والمفاجآت مفتوحا، بقوله: " نخطط لعقد اجتماع في الأيام المقبلة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك