لم تكن سنوات اللجوء التي قضاها السوريون في مصر مجرد فترة انتظار للعودة إلى الوطن، بل تحولت بالنسبة لكثيرين إلى تجربة حياة كاملة أعادت تشكيل نظرتهم إلى العمل والمجتمع والعلاقات الإنسانية وحتى في سوريا نفسها.
فبعد أكثر من عقد من الإقامة في بلد احتضن مئات الآلاف من السوريين، يستعد الكثير منهم للعودة إلى بلادهم، بينما عاد العدد الأكبر منهم، وهم يحملون خبرات جديدة وأفكارا مختلفة اكتسبوها خلال سنوات الاغتراب، في رحلة لا تبدو مجرد انتقال جغرافي من بلد إلى آخر، بل انتقال محمل بالتجارب والدروس التي تركتها الحياة في مصر.
فرضت حياة اللجوء على السوريين التكيف مع البيئة الجديدة، والاعتماد على أنفسهم، وبناء حياة من الصفر، وهو ما ترك أثرا واضحا على شخصياتهم وطريقة تعاملهم مع التحديات.
ثقافة العمل والاعتماد على الذاتمن أبرز الدروس التي يتحدث عنها السوريون العائدون من مصر أهمية العمل المستمر والسعي لبناء مصدر دخل مهما كانت الإمكانيات المتاحة.
فالكثير منهم دخل سوق العمل المصري في ظروف صعبة، واضطر إلى خوض تجارب مهنية لم يكن يتخيلها من قبل.
ويقول محمود العبد الله، وهو شاب سوري أقام في القاهرة عشر سنوات، " إن الغربة علمتني أن لا أنتظر الفرصة المثالية، بل أن أصنع فرصتي بنفسي، لقد عملت في أكثر من مجال قبل أن أستقر في مشروعي الصغير، هذه التجربة جعلتني أكثر قدرة على التعامل مع التحديات وأقل خوفا من الفشل".
وخلال السنوات الماضية تمكن آلاف السوريين في مصر من تأسيس مشاريع صغيرة ومتوسطة في مجالات الطعام والتجارة والخدمات والصناعة، ما رسخ لدى كثير منهم ثقافة المبادرة الفردية والسعي إلى خلق فرص العمل بدلا من انتظارها.
في مصر، عاش السوريون وسط مجتمع كبير ومتنوع، وتفاعلوا يوميا مع أشخاص من خلفيات ثقافية واجتماعية مختلفة.
هذا الاحتكاك المستمر أسهم في توسيع آفاق الكثيرين وتعزيز قدرتهم على التكيف مع البيئات المتنوعة.
وتقول رنا الجديداني، وهي سورية عاشت في مدينة السادس من أكتوبر، " إن أهم منا تعلمته خلال سنوات إقامتي في مصر هو تقبل الاختلاف واحترام أنماط الحياة المتنوعة، حيث أن العيش في مجتمع جديد أتاح لي التعرف إلى أفكار وتجارب مختلفة ساعدتني على تطوير نظرتي إلى الناس".
وترى إيمان الأحمد، اختصاصية اجتماعية، " أن تجربة الاندماج النسبي التي عاشها السوريون في مصر أسهمت في تعزيز مهارات التواصل والانفتاح الاجتماعي لديهم، وهي مهارات قد تكون ذا أهمية كبيرة في مرحلة إعادة بناء العلاقات داخل المجتمع السوري".
بعيدا عن الجوانب الاقتصادية، يتحدث كثير من السوريين عن الدروس الإنسانية التي تعلموها خلال سنوات اللجوء.
فقد أجبرتهم الغربة على بناء دوائر اجتماعية جديدة، والاعتماد على الأصدقاء والجيران وزملاء العمل في كثير من المواقف.
ويقول عمر، الذي يستعد للعودة إلى سوريا بعد اثني عشر عاما في مصر، " إن أكثر ما سيحمله معه ليس المال أو الخبرة المهنية، بل شبكة العلاقات الإنسانية التي كونها خلال تلك السنوات".
ويضيف، " أن الغربة جعلته يدرك أهمية التضامن بين الناس، خصوصا في أوقات الأزمات".
كما أسهمت الحياة اليومية المشتركة بين السوريين والمصريين في بناء روابط اجتماعية تجاوزت العلاقة التقليدية بين اللاجئ والمجتمع المضيف، وتحولت في كثير من الحالات إلى صداقات وعلاقات عائلية استمرت لسنوات طويلة.
المفارقة التي يذكرها كثير من السوريين هي أن الابتعاد عن الوطن جعلهم يفهمونه بصورة أعمق.
فالحياة خارج سوريا أتاحت لهم فرصة النظر إلى مجتمعهم من زواية مختلفة، وإعادة التفكير في كثير من القصايا الاجتماعية والثقافية التي كانوا يعتبرونها أمورا بديهية.
وتقول هبة مصطفى، وهي معلمة سورية عاشت في مصر منذ عام 2013، " الغربة جعلتني أكثر تقديرا لتنوع المجتمع السوري وغناه الثقافي، كما أني أصبحت أكثر اهتماما بفكرة المواطنة الجامعة وأقل انشغالا بالانتماءات المناطقية أو الاجتماعية الضيقة التي كانت تحضر بقوة بين البيئات قبل سنوات.
من بين الفئات الأكثر تأثرا بتجربة اللجوء الأطفال والشباب الذين أمضوا سنوات طويلة في مصر.
فهؤلاء نشؤوا بين ثقافتين متقاربتين لكن لكل منهما خصوصيتها، ما منحهم قدرة أكبر على التكيف والانفتاح على البيئات المختلفة.
وبالنسبة لكثير من الأسر السورية، فإن أبناءها سيعودون إلى سوريا وهم يحملون عادات وخبرات وتجارب تعليمية واجتماعية اكتسبوها خلال سنوات الدراسة والحياة اليومية في مصر.
ويرى بعض الأهالي أن هذه التجارب قد تساعد أبناءهم على التعامل بمرونة أكبر مع المتغيرات المستقبلية.
عندما يعود السوريون إلى بلدهم، فإنهم لا يعودون فقط بحقائب السفر والذكريات، بل يعودون أيضا بأفكار مختلفة حول العمل والمجتمع والعلاقات الإنسانية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك