القانون الثاني عشر: " لم أجعل أحداً يبكي"في" يوميات ماعت"، لا نبدأ من الحكاية.
بل من اللحظة التي يقف فيها القلب وحده أمام الميزان.
في قاعة الحقيقتين، في يوم الحساب كما تصوره المصري القديم، يوضع القلب في كفة، وتوضع ريشة ماعت في الكفة الأخرى.
وهناك.
لا صوت يعلو، ولا حجة تُقال.
لا يُسأل الإنسان عمّا قال، بل عمّا فعل.
وماذا كان الأحرى به أن يفعل.
ومن بين اثنين وأربعين قانوناً، يخرج اليوم هذا القانون.
ليس الأطول، ولا الأصعب، لكنه الأثقل: " لم أجعل أحداً يبكي".
قانون واحد، لكن هذه المرة له اسم حزين.
في فجر الأحد، الثاني عشر من أبريل 2026، كانت الإسكندرية لا تزال نائمة حين فتحت بسنت سليمان بثاً مباشراً على فيسبوك من شقتها بالطابق الثالث عشر في سموحة.
لم تكن تبحث عن جمهور، كانت تبحث عن أحد يسمع.
استمر البث قرابة ساعة، تحدثت فيه عمّا تراكم في قلبها من ظلم وإرهاق وخوف على ابنتيها، والمئات يشاهدون، والتعليقات تتوالى، بلا يدٍ تمتد ولا قلبٍ يصل.
ثم، في نهاية البث، وقفت على الشرفة.
وانتهى كل شيء.
والبث لا يزال حياً.
كانت كلماتها الأخيرة واضحة:" حسبي الله ونعم الوكيل في من ظلمني.
"قبل ذلك الفجر – رحلة الأربع سنوات.
تلك اللحظة لم تبدأ في ذلك اليوم الحزين.
فبحسب ما تداولته تقارير صحفية بعد وفاتها، كانت بسنت قد خاضت لسنوات نزاعات أسرية وقضائية معقدة، طلبت الطلاق منذ السنة الأولى للزواج.
لم تتحدث عن شرٍّ مطلق، بل عن غياب التفاهم.
حاولت تسويةً ودية من أجل طفلتيها، لكن الزوج رفض، ثم غادر البلاد ليعمل في الخارج، تاركاً إياها بلا طلاق رسمي، وبلا نفقة، بينما وجد في تشجيع أسرته دعماً لهذا الغياب كوسيلة ضغط.
أربع سنوات من الانتظار.
ثم المحاكم.
ثم جدل قانوني بين الغيبة والهجر.
ثم الخلع.
ثم نزاع جديد على شقة الحضانة.
وفي منشور قبل أيام من رحيلها، تحدثت عن سنوات خاضتها وحدها: محاكم، مستشفيات، تربية طفلتيها، استكمال دراستها، وفاة والدها، حريق منزلها، وخسائر متلاحقة.
كل مرحلة كانت تضيف كسراً جديداً في القلب.
حتى لم يعد القلب يحتمل.
القانون الثاني عشر: " لم أجعل أحداً يبكي.
"لكن ماعت لا تسأل بسنت وحدها.
تلتفت… وتسأل الآخرين حولها.
تسأل الزوج الذي غاب أربع سنوات، وترك خلفه زوجة معلّقة: أبكيتَها؟تسأل الأهل والأصدقاء وكل من رأوا في الغياب وسيلة ضغط: أبكيتُموها؟تسأل منظومة تجعل إنهاء علاقة مستحيلة رحلة استنزاف: أبكيتِها؟تسأل من شاهدوا البث، وكتبوا" لا يا بسنت"، ثم توقفوا عند الكلمات: أبكيتُموها؟تسأل المنصة التي شهدت لحظة انهيار بلا تدخل: أبكيتها؟ماعت لا تسأل عن النوايا.
تسأل عن النتيجة، عن الأثر.
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾شقة الحضانة – حين لا يعود السقف مأوي بل امتداداً للظلمعلّقت الدكتورة مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي على الواقعة، ووصفتها بأنها" استغاثة أخيرة كتبت بدموع القهر"، مؤكدة أن وصول الأم إلى مرحلة" يضيق بها الفضاء الرحب فلا تجد متسعاً إلا في الموت" مؤشر خطير على أن الأمان قد" اغتيل بين مطرقة التعنت وظلم ذوي القربى وسندان الحاجة".
وهنا تتضح الصورة أكثر: النزاع الأخير لم يكن على جدران، بل على ما تعنيه هذه الجدران.
على مأوي، إن سقط، لم يبقَ بعده ما يحمي.
وحين يصبح هذا المأوي نفسه موضع نزاع، تضيق جدران هذا البيت بما رحبت وبمن فيها.
لم تكن بسنت تبحث عن مأوي لنفسها فقط.
بل كانت تبحث عن المأوي لابنتيها معها.
قانون ماعت لا يقول: " لا تُبك أحد" فقط، بل يقول أيضاً: لا تكن سبباً… ولا شريكاً… ولا شاهداً صامتاً.
الصمت الرقمي – ذنب المشاهدةيبقى سؤال لم يُطرح بما يكفي:مئات حضروا اللحظة كاملة.
رأوا، كتبوا، صرخوا… ثم انتهى كل شيء عند الشاشة.
لا نعرف من حاول التدخل فعلاً.
لكننا نعرف أن النهاية حدثت كما حدثت.
ميزان ماعت لا يسمع ما نقول… بل يرى ما نفعل – وما لم نفعل.
حملت أثقال الغياب، والنزاع، والظلم، والصمت، والزمن.
وحين وقف قلبها أمام الريشة، لم يكن ثقيلاً بما فعلت… بل بما حُمِّل.
لكن الميزان لا يزال قائماً.
الذين أبكوها، يوماً بعد يوم، وقراراً بعد قرار، سيقفون أيضاً.
بل: ماذا فعلتم… وماذا لم تفعلوا؟ليس مجرد وصمة عار.
بل نظام مختل وخطيئة مجتمع بأكمله.
ربما يبدأ ذلك الاهتمام بالأولاد.
بألّا نُبكي أمهاتهم.
ملاحظة: إن كنت تمر بضغوط نفسية، فأنت لست وحدك.
خط دعم الصحة النفسية في مصر 08008880700 أو 16328 متاح مجاناً على مدار الساعة.
المقال الثالث: ماعت تسأل – هل كنت مخادعًا؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك