قناه الحدث - "سكن في بنتهاوس مطل على الضاحية".. إسرائيل تنشر جديدا عن نصرالله العربي الجديد - ترامب يعاين طائرته الرئاسية المُهداة من قطر الجزيرة نت - نظام الطيبات في مواجهة العلم.. هل الدجاج والخضراوات أعداء للصحة؟ سكاي نيوز عربية - مقتل جندي و5 أشخاص في ضربات إسرائيلية على جنوب لبنان العربي الجديد - مونديال الطائرة للناشئين في قطر.. قرعة متوازنة ومنافسة مرتقبة القدس العربي - ناغلسمان يتجه للإبقاء على تشكيلة ألمانيا أمام ساحل العاج العربية نت - "إم جي إكس" في أبوظبي تدرس صفقة للاستحواذ على "داي ون" العربي الجديد - واشنطن تنتقد حزمة إصلاحات كوبا الاقتصادية العربي الجديد - تظاهرات لليوم الـ20 في ألبانيا ضد مشروع كوشنر وإيفانكا ترامب القدس العربي - ترامب يكشف عن طائرة قطرية ستنضم إلى أسطول طائرات الرئاسة- (صور)
عامة

"مذكرات المشي".. التاريخ والفلسفة وكوارث الطبيعة في الريف الياباني

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 ساعة

منذ الصفحات الأولى من كتاب" الأشياء تصبح أشياء أخرى: مذكّرات المشي" (راندوم هاوس، نيويورك، 2025) للكاتب والمصور والرحالة الأميركي كريغ مود، نجد ممرّات سرية، وجاذبية تقودنا بهدوء عبر مدن اختُزلت إلى هي...

منذ الصفحات الأولى من كتاب" الأشياء تصبح أشياء أخرى: مذكّرات المشي" (راندوم هاوس، نيويورك، 2025) للكاتب والمصور والرحالة الأميركي كريغ مود، نجد ممرّات سرية، وجاذبية تقودنا بهدوء عبر مدن اختُزلت إلى هياكل محترقة، وأصبحت طرقها المهجورة ذاكرة أبادتها الحروب، ومحتها كوارث الطبيعة التي لا يمكن إيقافها.

يمضي مود في كتابة سيرة المشي خلال فترة إغلاق حدود اليابان بسبب جائحة كورونا، مؤكداً أن الخطوات أكثر تحرّراً من الأفكار، وهي تشكّل رموزها عبر استعراض شرائح من الوجوه، والحكايات القديمة والحديثة، وتسلّق الغابات، وصالات الباتشينكو، وأشجار الصنوبر.

يتسول الكاتب تجارب الآخرين لتصبح جزءاً من تجربته، كما يقوم بمقاربات إنسانية بين محارق المدن في الحروب والحروب النفسية لطفل متبنّى، في حج علماني متقشف على طرق الحج المقدس الياباني القديم.

الحياة العنيدة تفيض فوق حافة القدريبدأ كريغ مود كتابه بمشهدٍ ليس شخصياً، بل كوني وعنيف.

في المقدمة الأولى للكتاب، يعود بنا إلى الإعصار العظيم الذي ضرب شبه جزيرة كيي اليابانية عام 1889، الحدث الذي دمر مساحات واسعة من الريف الياباني، لا يعدّه واقعة تاريخية، بل لحظة انكسار للطبيعة نفسها.

يصف الأرض وكأنها انفكت من ثباتها، فيما اجتاحت السيول القرى، والأضرحة، والمنازل، حتى تموّجت مثل بحر ساكن للموت.

كما يقول: " الأرض المقدسة تحولت كلها إلى طين.

ذلك الطين اللعين".

من لعنة الخراب استمدّ الكاتب خطوته الأولى، في مسير أقرب إلى الاعتراف أمام قوة مجهولة، ومواجهات كلُّ شيء فيها قابل للمحو وإعادة البناء من جديد.

محاولة لفهم الإرث العائلي، والطبقي، والنفسي في اليابانالمقدمة الثانية للكتاب تحمل رسالة الفقد أيضاً، لكن الفقد هذه المرة هو فقد داخلي لصديق طفولة شاركه تمرّده، يوم كان، حسب تعبير الشاعرة الإيرانية فروغ فرخزاد، " كلّ صندوق صغير يخبّئ سرّاً".

ذلك الصديق وضع علامات حيوية في وعيه، ومنحه دافعاً لعبور الطرق الترابية وتخطّي حدود المألوف.

" براين" الذي رافقه في البدايات المضطربة لطفلين من عائلتين مختلفتين في حي فقير، لا يزال حاضراً في كلِّ تفصيل يوميِّ من ملاحظاته لسلوك البشر، وأصوات لهجاتهم، حتى في اختياره وجبة من قوائم الطعام المحلي.

في بلدتهما المشتركة، كان الناس يتحدثون بلهجات خشنة مليئة باللعنات، بينما يكتشف في لهجات أهل القرى اليابانية" فوضى لذيذة من الموسيقى، تجعلني يا براين أفكر فيك".

كانت عائلة الكاتب، حسب اعترافاته أثناء لقاء رجل ياباني، تعيش من أجور العمل في صناعة محرِّكات للطائرات الحربية.

الطائرات التي قامت بحملات القصف الهمجي على اليابان، فأحرقت سبعاً وستين مدينة، وأودت بحياة ما يعادل إبادة جميع سكان بلدته عشرات المرات.

مع ذلك، يحاول الكاتب أن ينجو من أنفاق الماضي وأن يعيد تشكيل فهمه لنفسه مما خبره، وكوّن ذاته التي ترفض، وتنقلب، وتنهدم، وتبلغ صحوتها، من خلال ممارسة المشي طقساً زهدياً ينقّي العين.

يرى مود العالم من خلال إنسان لم يعد قادراً على رؤيته، فيختزل التقديم الثاني لصديقه بأن يكتب: " دعني أكون عينيك قدر ما أستطيع".

الكاتب في هذه المذكرات يرسم خريطة للتقاطعات التي لا يمكن أن ندركها إلا بعد مرور عقود من الزمن.

السيرة الذاتية، التي يحاول توثيقها في رحلته عبر الأرياف اليابانية النائية، تكشف لنا وهم الانفصال، كما أدركه مارتن لوثر كينغ في رسالته الشهيرة من سجن برمنغهام عام 1963، عندما تحدث عن شبكة التبادلات الحتمية: " لا أستطيع أن أكون ما ينبغي أن أكونه، حتى تكون أنت ما ينبغي أن تكونه".

الحياة حقيقة كما يراها الكاتب لا يمكن أن تُنسج إلا من شبكة خيوط متعددة، ومن هذا النسيج، تنهض إشارات تواجه تيار الانجراف العالمي بين ضفتي التفاهة والممارسات القمعية المتطرفة.

أما صوره الفوتوغرافية التي يتضمَّنها الكتاب، فهي لا تقوم على جوهر رثائي، كما يرى المفكر الفرنسي رولان بارت.

بالنسبة إلى مود: " الكاميرا بين العين والعالم أداة قوية؛ درع واقٍ.

مجهر وتلسكوب في آن".

وإن كانت صور الأمكنة التي يلتقطها تبدو على حافة التلاشي، إلا أن أثراً إنسانياً واحداً لمركبة معطلة، أو صخراً من الصخور الربانية على مسارات الشِّنتو، كافٍ للاستدلال على الروابط العنيدة بين حياة متشظية وحياة أخرى.

يقول في مذكراته: " وقعتُ في حبّ المشي الطويل، وفي أن أتغير بصمت من خلال حياة الآخرين التي أسمعها عبر النوافذ المفتوحة".

معنى أن تكون متبنّياً بالنِّسبة إلى الكاتب، هو ما أوجد لديه حرية البحث عن انتماءات أخرى، غير التي يجد الإنسان نفسه مرتبطاً بها منذ الولادة.

لقد عاش الكاتب طفولته داخل فقاعة صغيرة منفصلة عن الآخرين، فيها شيء من الوحدة، وشيء من البُعد والطابع الأسطوري، ذلك الغموض الدائم حول الأصل.

مهما حاول الكاتب أن يغلّف حقائق التبني باللُّطف، إلا أنها تبقى مثل جروح خفيفة يدفعها إلى الداخل، ويقوم بتحولات ذهنية صغيرة تشبه حركات راقصة الباليه، ليحاول فهم الامتلاء الذي لم يعرفه أبداً.

يمشي مود على طرق واقعية، إلا أنه يمشي أيضاً داخل الخريطة التي تشير إلى ما هو أبعد مما يمكن رؤيته، إلى طبقات تتراكم أعمق وأكثر غرابة مما تخيل يوماً.

تجوله الفردي تحوّل إلى منصّات للتفكير، لقراءة العالم الأوسع عن قرب، ولجعل العالم الداخلي مرئياً.

يرى مود العالم من خلال إنسان لم يعد قادراً على رؤيتهتاريخياً، كثير من الطرق التي اكتشفها الكاتب في الريف الياباني أعيد تشكيلها بفعل آلات الحرب المتقلّبة.

مدن يمكننا أن نلاحظ أعضاءها المبتورة في فراغها المعماري الباهت.

فقدان شيء أكبر من المدينة نفسها يتحسَّسه كريغ مود عبر الوقت، والمسافة، والجهد المقصود، والانتباه الهادئ لفهم الروابط القديمة.

يقول: " المشي الحقيقي الوحيد هو إعادة المشي"، ولا يمكن أن تقودنا الطرق إلى فهم واضح من زيارة واحدة.

أثناء عبوره، لا يفرِّق كريغ مود بين المعابد، والمقابر، وشجرة الأرز اليابانية (السوغي)، والجبال المقدسة.

جميعها بالنسبة إليه لهب حيّ يلمع في زاوية العين، وما حدث هو على مسافة حميمة لما سيحدث في المستقبل، لو أمكننا قراءة السيرة الذاتية للمسارات، والمدن، والنباتات، والأشياء: " يمرُ الوقت، وتمضي الحياة، وهذا ما يحدث: الأشياء تصبح أشياء أخرى".

هو يكتشف خلال مسيره أن الرحلة ليست مجرد مشي عبر اليابان، بل محاولة لفهم الإرث العائلي، والطبقي، والنفسي، وتحويل الغضب القديم إلى تعاطف، والضيق إلى اتساعٍ يسميه الكاتب بالكلمة اليابانية «يويو» (yoyū): وتعني مساحة داخلية من الوفرة تسمح بالغفران، والصبر، والحبّ.

حسب تعبير الكاتب" كلّ خطوة هي اعتذار"، وهو يحتاج إلى مشي ملايين الخطوات تحت قصف مندفع يحوِّل العالم إلى آلة من الضجيج الأبيض.

يتساءل: " كيف يمكن لعمودٍ واحد من خشب السرو في وسط منزل أن يكون قد شهد قصة تمتدّ عبر قرون، وكيف يمكن للقنابل أن تحوِّل ذلك التاريخ إلى دخان؟ " لكنَّ الذاكرة لديه لا تقف في حداد على ما مضى، بل تستخلص منه ذرّة طلع تشعّ بالإمكانات الجديدة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك