تقدم مجموعة" حكايات وفاء" للدكتور محمد عبد السلام أبو خزيم، الصادرة عن دار النخبة للنشر، نصًا سرديًا يقوم على بنية قائمة على المتوالية القصصية، حيث تتحرك الحكايات داخل فضاء واحد تصنعه أسرة وفاء ومركز الترجمة والتدريب والعلاقات الممتدة بين البيت والعمل والجيران والمجتمع، فتبدو الوقائع اليومية الصغيرة مدخلًا لقراءة أوسع في تحولات الأسرة المصرية.
يضعنا الدكتور محمد عبد السلام أبو خزيم - منذ البداية - أمام مفتاح مهم لطبيعة الشخصية المركزية" وفاء.
صورة تتكرر في بيوت كثيرة"، وهي عبارة تتجاوز تقديم الشخصية إلى بناء خطاب كامل حول المرأة والأسرة والحكاية، فوفاء هنا نموذج اجتماعي واسع يحمل من العفوية والتلقائية ما يجعل المواقف اليومية قابلة لأن تتحول إلى صوت وحكايات.
المتوالية القصصية وبنية الحكايةتتكون المجموعة من إحدى وعشرين حكاية، تبدأ بـ" حاملة الراية وصولًا إلى" حلم يتحقق"، هذه القصص تدل على أن الدكتور محمد عبد السلام أبو خزيم لا يقدم حكايات متناثرة، لكنه يبني مسارًا سرديًا يتقدم عبر محطات متتابعة، تبدأ من التعريف بالأسرة ومركزها، ثم تنتقل إلى الصراع والعمل والجيران والطقوس الاجتماعية والعودة والحلم، بما يجعل العمل يقوم على شخصيات مركزية متكررة، وفضاء اجتماعي واحد، وزمن يتحرك إلى الأمام، وصراعات تتغير من حكاية إلى أخرى.
واللافت أن الكاتب اختار كلمة" حكايات" لا" قصص"، وهي كلمة ذات دلالة مهمة، لأنها تستدعي الحس الشعبي والمشافهة والقدرة على التداول، وتمنح النص طابعًا قريبًا من الذاكرة اليومية، فليست كل قصة قابلة لأن تُحكى، لكن" حكايات وفاء" تراهن منذ عنوانها على قابلية السرد، وعلى أن هذه الوقائع يمكن أن تروى في بيت أو جلسة عائلية أو مجلس اجتماعي؛ لأنها تنتمي إلى حياة الناس المباشرة.
وفاء.
مركز الحكاية وخطاب الأسرةتبدأ الحكاية الأولى" حاملة الراية" بتقديم وفاء داخل شبكة عائلية واضحة، زوجها وجدي وأبناؤها ضياء وإباء وفهمي ووالدها صاحب مركز حمادي للترجمة والتدريب في وسط القاهرة، ومنذ البداية، تتحدد وفاء بوصفها شخصية واقعة في قلب عدة دوائر، هي البيت والأب والزوج والأبناء والعمل والمرض والمسؤولية.
إن وصفها بـ" حاملة الراية" يضعها في موقع القيادة الأخلاقية للأسرة، فهي تتقدم في النص باعتبارها من تتسلم راية الاستمرار بعد مرض الأب، وارتباك البيت، وضغوط المركز، وتحولات الأبناء، ومن ثم يصبح خطاب الشخصية قائمًا على الجمع بين العفوية والقوة، وبين الحس الفطري والمسؤولية، وبين الضحك اليومي والقدرة على مواجهة الأزمات.
وينطلق العمل من انشغال واضح بالأسرة، لكنه يقدم الأسرة في صورتها الحية، بما فيها من توتر وصراع واختلاف بين الأجيال، ومن هنا تقوم الحكايات على صراع العمل وصراع السلطة وصراع المال وصراع العادات وصراع التحديث، غير أن هذا الصراع يتحول في كثير من المواضع إلى طاقة لإعادة التماسك.
الأسرة في" حكايات وفاء" فريق مواجهة، إنها السند الذي يواجه به الإنسان ضغوط الحياة من المرض إلى العمل، ومن العوز إلى طقوس الزواج، ومن الغياب إلى العودة، ومن هنا تأتي أهمية شخصية وفاء، فهي تمثل خطابًا اجتماعيًا يرى في الأسرة قيمة مركزية بوصفها شبكة حماية ومقاومة.
من أهم ملامح المجموعة حضور الصراع بين القديم والجديد، خاصة في فضاء مركز حمادي للترجمة والتدريب، فالمركز يظهر بوصفه نموذجًا مصغرًا لتحولات المجتمع، هناك فريق قديم اعتاد السيطرة على إيقاع العمل، وهناك إباء وزملاؤها يمثلون التكنولوجيا والحداثة والابتكار والإيقاع الجديد، فالعمل يضع الزمنين في مواجهة إنسانية، حيث يحمل القديم الروح والخبرة والتدرج، ويحمل الجديد السرعة والمعايير والتكنولوجيا والكفاءة، والصراع الحقيقي هنا بين نمطين في النظر إلى الحياة والعمل والمعنى.
وبهذا المعنى يتحول مركز الترجمة إلى مجاز اجتماعي واسع، يعكس انتقال المجتمع من علاقات العمل التقليدية إلى منطق الإدارة الحديثة، ومن الخبرة الشخصية إلى القياسات، ومن البطء الحرفي إلى السرعة الرقمية، بينما تصبح وفاء - بما تملكه من حس إنساني - نقطة توازن بين العالمين.
السخرية بوصفها نقدًا اجتماعيًاتؤدي السخرية في" حكايات وفاء" وظيفة أساسية، فهي تخفف ثقل الصراع، وتكشف المفارقات الاجتماعية، وتسمح للنص بأن ينتقد العادات من خلال الحكاية لا من خلال الوعظ المباشر.
وتبدو حكاية" خروف العيد" نموذجًا واضحًا لهذا الأسلوب، تجمع بين الطقوس وروح الدعابة الشعبية، لكن خلف الأحداث تظهر قضية أعمق، فالأضحية شعيرة وطقس اجتماعي له أثر واقعي ورمزي، فهو إعلان عن القدرة واستمرار للتقاليد ومجال للمباهاة أحيانًا، ومن هنا تنجح الحكاية في تحويل تفصيلة يومية إلى مشهد دال على علاقة الناس بالطقوس، وبالمظهر الاجتماعي وبالتكلفة الاقتصادية للعادات.
والأمر نفسه يظهر في حكايات الزواج وتجهيز الفتيات، حيث تساعد وفاء فتاتين في جهاز زواجهما، وفي الوقت نفسه تلفت الانتباه إلى التكلفة المبالغ فيها لهذه الزيجات، هنا يتجاور الفعل الخيري مع النقد الاجتماعي، وتصبح الحكاية وسيلة لكشف المفارقة.
وتقدم حكاية" النجاح الزائف" نموذجًا لشخصية تستثمر ثقة الآخرين من أجل تحقيق مصالحها الخاصة، فقد جاءت مدام وفاء بـ" نجاح جابر" إلى المركز كي تكون عينًا لها وتساعدها على متابعة ما يجري داخله، غير أن نجاح حملت مشاعر الحقد تجاه المحيطين بها، واستغلت موقعها وما وصل إليها من معلومات لمصلحتها الشخصية، ومع تتابع الأحداث انكشفت حقيقتها، وخسرت الثقة والمكان والمكاسب التي سعت إليها، وتمنح الحكاية النص بُعدًا اجتماعيًا مألوفًا، فالحياة المحيطة بنا تضم شخصيات تتقن الاقتراب من الآخرين، ثم تحول الثقة إلى وسيلة للصعود، قبل أن تكشف التصرفات حقيقتها، ويصبح النجاح القائم على الخداع طريقًا إلى الخسارة.
تعتمد لغة المجموعة على جملة سردية واضحة، تميل إلى السلاسة والتدرج وتبتعد عن التعقيد، لكنها تحمل في الوقت نفسه جملًا ذات طاقة دلالية، خاصة عندما ينتقل السرد من وصف الواقعة إلى تأمل معناها.
الجملة عند محمد عبد السلام أبو خزيم تميل إلى الحكي الهادئ، ويبدو أن الكاتب يراهن على قرب اللغة من الحياة اليومية، فالأسماء والأماكن والحوارات والطقوس تنتمي إلى واقع مألوف، ومن هذا المألوف تنبع قوة النص، لأن القارئ يشعر أنه أمام بيوت يعرفها، وشخصيات قد يراها في محيطه، ومواقف عاشها أو سمع عنها.
تتحرك المجموعة بين ثلاثة فضاءات أساسية: البيت ومركز العمل والجوار الاجتماعي، وهذه الفضاءات تحمل دلالات واضحة داخل النص.
فالبيت هو فضاء الأسرة والرعاية والمرض وتوزيع الأدوار، والمركز هو فضاء العمل والسلطة والتحول التكنولوجي وصراع الأجيال، أما الجيران والمحيط الاجتماعي فيمثلون فضاء التكافل والرقابة والعادات والطقوس.
ومن خلال هذه الفضاءات، يصبح العمل قراءة في بنية المجتمع المصري المعاصر، حيث تتداخل العائلة بالعمل والمجاملة بالواجب والطقس الاجتماعي بالعبء الاقتصادي.
وفاء وإباء.
صورتان للمرأة بين جيلينتقدم المجموعة صورتين مهمتين للمرأة، وفاء وإباء، وفاء تمثل الجيل الذي يحمل عبء الأسرة، ويدير التوازن بين الأب والزوج والأبناء والمجتمع، أما إباء فتمثل جيلًا أكثر اتصالًا بالتكنولوجيا وأكثر حضورًا في الإيقاع الجديد للعمل والعلاقات.
العلاقة بين وفاء وإباء علاقة بين نموذجين اجتماعيين، وفاء تتحرك بمنطق الخبرة والحدس والحكاية، وإباء تتحرك بمنطق الاتصال الرقمي والمعرفة الحديثة، ومع ذلك يقدم النص هذا الاختلاف باعتباره امتدادًا، فإباء تضيف أدوات جديدة إلى عالم وفاء، ووفاء تحاول احتواء هذا العالم داخل منطق الأسرة.
ومن هنا تتجاوز المجموعة الصورة التقليدية للأم المحافظة والابنة الحديثة، لتصنع علاقة أكثر مرونة، فيها قلق ومتابعة واهتمام، لكنها تظل جزءًا من تماسك الأسرة لا سببًا لانهيارها.
الاقتصاد اليومي في قلب الحكايةرغم أن المجموعة لا تقدم نفسها كنص اقتصادي، فإن الاقتصاد حاضر في تفاصيل كثيرة، مركز الترجمة، سلطة الأب لأنه ينفق أكثر، تكاليف الزواج، خروف العيد، مساعدة الفتيات الفقيرات، وأعباء البيت، هذه التفاصيل تكشف أن العلاقات داخل الأسرة والمجتمع ترتبط بالمال بوصفه وسيلة معيشة ومصدر سلطة ورمزًا اجتماعيًا وسببًا للصراع.
والد وفاء في الحكايات الأولى قبل أن يفارق الحياة يمتلك سلطة داخل البيت لأنه صاحب القدرة الأكبر على الإنفاق، تجهيز الزواج يتحول إلى عبء لأن المجتمع يربط الكرامة بالمظهر، الأضحية تتحول إلى طقس يتداخل فيه الديني والاجتماعي والاقتصادي، بهذا المعنى يتعامل العمل مع الاقتصاد اليومي بوصفه أحد محركات الخطاب، فالأسرة تواجه الحياة بالقدرة على الإنفاق والتدبير والمساعدة وإعادة توزيع الموارد داخل الدائرة القريبة.
الحكاية بوصفها مقاومة للنسيانيمكن قراءة" حكايات وفاء" بوصفها محاولة لحفظ التفاصيل الصغيرة من الزوال، فالعالم الجديد بإيقاعه السريع، يهدد الحكايات اليومية بالاختفاء، بينما يصر الكاتب على تسجيلها.
هذه الحكايات قد تبدو صغيرة، لكنها تكشف ما هو أوسع، فالبيوت تصنع تاريخها عبر المواقف المتكررة التي تمنح الأسرة ذاكرتها الخاصة، ومن هنا يصبح الحكي نفسه فعل مقاومة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك