أعلنت منظمة" أطباء بلا حدود" فصل 18 موظفاً ومنعهم من العمل مستقبلاً عقب تحقيق داخلي موسع كشف عن عشرات المزاعم المتعلقة بالاستغلال والاعتداء الجنسي بحق لاجئات وفتيات سودانيات في شرق تشاد، في واحدة من أخطر القضايا التي تواجهها المنظمة الإنسانية خلال عملياتها على الحدود السودانية.
وقالت المنظمة إن التحقيقات التي أطلقتها بعد تلقيها أواخر عام 2024 بلاغات وصفتها بالخطرة، أفضت إلى رصد نمط من الانتهاكات ارتكبه عاملون محليون وأجانب ضمن برامج الإغاثة المخصصة للاجئين الفارين من الحرب في السودان.
وجاء الإعلان بعد أشهر من أعمال التقصي وجمع الشهادات والإفادات من الضحايا والعاملين وقادة المجتمعات المحلية في مناطق الاستجابة الإنسانية بشرق تشاد، حيث تستضيف البلاد أعداداً كبيرة من السودانيين الذين اضطروا إلى عبور الحدود منذ اندلاع النزاع في أبريل (نيسان) عام 2023.
وأقرت المنظمة بأن الوقائع التي تم التوصل إليها تمثل انتهاكاً جسيماً لقيمها والتزاماتها المهنية والإنسانية، مؤكدة اتخاذ إجراءات تأديبية بحق المتورطين.
وأوضحت أن بعض الادعاءات لم يكن بالإمكان التحقق منها بصورة كاملة أو تحديد المسؤولين عنها، غير أن نتائج التحقيق أظهرت وجود ممارسات استغلالية استهدفت فئات ضعيفة تعتمد على المساعدات والخدمات الأساسية.
ويأتي الكشف عن القضية في وقت تتعرض فيه المنظمات الإنسانية العاملة في مناطق النزاع لتدقيق متزايد بشأن آليات الحماية والرقابة ومنع إساءة استخدام السلطة داخل برامج الإغاثة، وسط مخاوف من أن تكون الانتهاكات المسجلة جزءاً من ظاهرة أوسع يصعب رصدها بسبب إحجام الضحايا عن الإبلاغ.
وفقاً للتقرير الداخلي الذي أنجز العام الماضي ونشرت مضامينه للمرة الأولى خلال الأسبوع الماضي، فقد وثقت" أطباء بلا حدود" 59 ادعاءً تتعلق بالتحرش والاستغلال والاعتداء الجنسي وسوء استخدام النفوذ داخل عملياتها في شرق تشاد.
وأشار التقرير إلى أن بعض الموظفين استغلوا حاجة اللاجئات للمساعدات الإنسانية عبر مقايضة الغذاء والمياه والحليب وفرص العمل أو الخدمات الأساسية بممارسات ذات طابع جنسي، في وقت تضمّن بعض الحالات استهداف فتيات قاصرات.
وكشف التحقيق عن حادثة نُقلت خلالها سبع فتيات لاجئات يعملن بأجر يومي في مركبة تابعة للمنظمة بعد إبلاغهن بأنهن متجهات إلى مواقع مرتبطة بتوزيع المياه وأعمال البناء، قبل أن يتعرضن، بحسب الإفادات الواردة، لاعتداءات وطلبات جنسية.
ورصد التقرير حالات تعرضت فيها موظفات تشاديات للتهديد بفقدان وظائفهنّ إذا رفضن الخضوع لاستغلال جنسي من قبل مشرفين أو زملاء.
وأفادت المنظمة بأن عدداً من الادعاءات تعذر التحقق منه أو تحديد مرتكبيه بسبب نقص الأدلة أو غياب الشهود، لكنها أكدت أن حجم الوقائع المسجلة يشير إلى انتشار الانتهاكات على نطاق أوسع مما كان معروفاً سابقاً.
وأظهرت مقابلات أجريت مع ضحايا وموظفين وقادة مجتمعات محلية أن الخوف من فقدان المساعدات أو فرص العمل أو التعرض للوصم الاجتماعي دفع كثيرات من النساء إلى التزام الصمت وعدم تقديم شكاوى رسمية، في ما وُصف بعض آليات التبليغ بأنه محدود الفاعلية.
وتستضيف تشاد حالياً أكثر من 1.
3 مليون لاجئ سوداني، تشكل النساء والأطفال نحو 86 في المئة منهم، بعدما دفعت الحرب المستمرة في السودان ملايين الأشخاص إلى النزوح واللجوء.
وتعد الأزمة السودانية من أكبر الأزمات الإنسانية الراهنة، مع نزوح أكثر من 11 مليون شخص واحتياج نحو 28 مليوناً إلى مساعدات إنسانية، في وقت تراوح فيه تقديرات عدد القتلى ما بين 150 ألفاً و400 ألف شخص منذ اندلاع النزاع، حسب تقديرات الأمم المتحدة.
لا تعد الاتهامات الأخيرة استثناء في سجل العمل الإنساني بمناطق النزاعات والكوارث، إذ تعترف منظمات الإغاثة الدولية منذ سنوات بأن الاستغلال والانتهاكات الجنسية يمثلان أحد أكثر التحديات استعصاءً داخل البيئات التي تعتمد فيها الفئات الضعيفة على المساعدات للبقاء.
وأشارت" أطباء بلا حدود" في تقريرها إلى أن المؤشرات التي رصدت في شرق تشاد تعكس أنماطاً سبق توثيقها في أزمات إنسانية أخرى، بما في ذلك خلال الاستجابة لتفشي فيروس" إيبولا" في جمهورية الكونغو الديمقراطية عام 2021، عندما كشفت تحقيقات مستقلة عن وقوع حالات استغلال واعتداء جنسي ارتكبها عاملون في مؤسسات صحية وإنسانية مرتبطة بعمليات مكافحة الوباء.
وأعادت النتائج الحالية إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في القطاع الإغاثي، وهي الفضيحة التي تفجرت في غرب أفريقيا عام 2002، حين وثقت تقارير أممية ومنظمات دولية مزاعم واسعة بشأن استغلال لاجئات وقاصرات من قبل عاملين في المجال الإنساني وعناصر من قوات حفظ السلام مقابل الغذاء أو الحماية أو المساعدات الأساسية.
وتشير المنظمة إلى أن أوجه الشبه بين تلك الوقائع والحالات الموثقة حديثاً لا تقتصر على طبيعة الانتهاكات فحسب، بل تمتد إلى العوامل البنيوية التي تسمح بتكرارها، وفي مقدمها اختلال موازين القوة بين مقدمي المساعدة ومستحقيها، وضعف آليات الإبلاغ، والخشية من الانتقام أو فقدان الوصول إلى الخدمات الإنسانية.
ولفت التقرير إلى أن بعض الوقائع المتكررة التي جرى توثيقها في تشاد تحمل سمات قد ترقى إلى مستوى" الاتجار الجنسي" المنظم، بالنظر إلى تكرار الأساليب المستخدمة واستهداف الفئات الأكثر ضعفاً.
وأقر بأن توصيات مشابهة طرحت عقب أزمات سابقة من دون أن تفضي إلى تغييرات جوهرية، مشيراً إلى أن التقييمات التي أجريت عام 2021 خلصت إلى تشخيصات مماثلة، بينما ظلت الثغرات المؤسسية والرقابية قائمة إلى حد كبير، بما سمح باستمرار أنماط الانتهاك نفسها عبر أزمات متعاقبة وفي سياقات إنسانية مختلفة.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)تكشف قضية" الاستغلال الجنسي" عن إشكالية هيكلية ترتبط بطبيعة البيئات الإنسانية التي تنشأ في أعقاب الحروب والنزوح الجماعي.
ففي مثل هذه السياقات، تتجمع أعداد هائلة من السكان الذين فقدوا مصادر دخلهم وشبكات حمايتهم الاجتماعية في مناطق تعاني أصلاً ضعف مؤسسات الدولة ومحدودية الرقابة، مما يخلق فجوة واسعة في موازين القوة بين مقدمي المساعدات ومستحقيها.
ويصبح الوصول إلى الغذاء والمياه والرعاية الصحية وفرص العمل الموقتة مورداً نادراً يخضع في كثير من الأحيان لسلطة موظفين ميدانيين أو متعاقدين محليين، الأمر الذي يرفع أخطار الاستغلال بما فيه الاستغلال الجنسي حتى داخل المؤسسات التي تمتلك سياسات صارمة للحماية.
وتشير خبرات الاستجابة الإنسانية في دول السودان وجنوب السودان والكونغو الديمقراطية وهايتي إلى أن الخطر لا يكمن فقط في غياب القواعد، بل في صعوبة تطبيقها وسط التوسع السريع للعمليات الإغاثية.
فمع تدفق ملايين النازحين واللاجئين خلال فترات زمنية قصيرة، تضطر المنظمات إلى توظيف أعداد كبيرة من العاملين المحليين تحت ضغط الحاجة الملحة، وغالباً قبل استكمال إجراءات التدقيق والتحقق من الخلفيات المهنية والسلوكية، إضافة إلى أن التنقل المستمر للسكان عبر الحدود، وتغير مواقع المخيمات، وغياب الوثائق الرسمية، تجعل من الصعب تتبع المشتبه بهم أو توثيق الوقائع بصورة مكتملة، في وقت تتعثر فيه آليات الشكاوى التقليدية بسبب الأمية أو الخوف من الانتقام أو انعدام الثقة في جدوى الإبلاغ.
في هذا السياق، رأى إريك ريفز الباحث والمتخصص في الشأن السوداني أن الفتيات والنساء النازحات يواجهن آثاراً متراكمة تبدأ من آثار العنف والنزوح ولا تنتهي عند حدود المخيمات، وأوضح أن هذه المخاوف تكتسب أهمية إضافية في شرق تشاد، حيث تواجه المجتمعات اللاجئة تحديات متزامنة تشمل الاكتظاظ ونقص الخدمات الأساسية وصعوبة التنقل خلال موسم الأمطار، وأفاد بأن نقل مبادرات محلية متخصصة في الدعم النفسي، مثل فريق" زمزم" النسائي الذي يقدم المساندة لضحايا العنف الجنسي، يسلط الضوء على معضلة أخرى تتمثل في هشاشة منظومة الحماية نفسها، إذ إن أي اضطراب في خدمات الدعم أو الإحالة قد يترك الناجيات من الانتهاكات من دون قنوات آمنة للحصول على المساعدة أو الإبلاغ عن التجاوزات، مما يجعل الوقاية المؤسسية والاستجابة السريعة جزءاً لا يتجزأ من العمل الإنساني وليس مجرد إجراء إداري مكمل له.
تتجاوز تداعيات تقرير" أطباء بلا حدود" حدود المساءلة الداخلية لتطاول واحدة من أكثر القضايا حساسية في العمل الإنساني المعاصر، وهي الثقة.
فالمؤسسات الإغاثية تستمد شرعيتها أساساً من قدرتها على حماية الفئات الأكثر ضعفاً، وعندما تتحول العلاقة بين مقدم المساعدة ومتلقيها إلى أداة استغلال، فإن الضرر لا يقتصر على الضحايا المباشرين، بل يمتد إلى صدقية المنظومة الإنسانية بأكملها.
ومن المرجح أن يدفع التقرير الجهات المانحة والحكومات والشركاء الدوليين إلى تشديد متطلبات الرقابة والتدقيق والتبليغ، في وقت تواجه فيه عمليات الإغاثة أصلاً ضغوطاً مالية وتشغيلية متزايدة نتيجة تعدد الأزمات العالمية.
أما على مستوى العدالة، فإن الطريق يبدو أكثر تعقيداً من مجرد فصل الموظفين المتورطين، فكثير من الانتهاكات تقع في بيئات حدودية نائية تفتقر إلى البنية القضائية الفاعلة، بينما يظل جمع الأدلة وحماية الشهود وضمان استمرار الضحايا في إجراءات التقاضي تحديات جوهرية.
وتزداد الصعوبة عندما تكون الوقائع قد حدثت وسط موجات نزوح متلاحقة أو عندما يغادر الضحايا والجناة المحتملون مواقع الأحداث إلى مناطق أخرى، إضافة إلى أن تصنيف 18 موظفاً ضمن قوائم" غير القابلين للتوظيف" لا يضمن بالضرورة منع عودتهم إلى القطاع الإنساني ما لم تعتمد آليات مشتركة لتبادل المعلومات بين المنظمات المختلفة، وهي ثغرة أقر بها التقرير نفسه.
في شرق تشاد، حيث يعتمد مئات الآلاف من اللاجئين السودانيين على المساعدات للبقاء، تبدو المعضلة أكثر تعقيداً، إذ إن تراجع الثقة لا يمكن أن يقود إلى الانسحاب من العمل الإنساني بقدر ما يفرض إصلاحه.
فالتجارب أظهرت أن العقوبات الفردية، على أهميتها، لا تشكل رادعاً كافياً عندما تبقى العوامل المؤسسية المنتجة للأخطار قائمة، من ضعف تبادل المعلومات بشأن المخالفين، إلى محدودية الرقابة الميدانية، وغياب قنوات الإبلاغ الآمنة والمستقلة، ولهذا ينظر إلى القضية بوصفها اختباراً لقدرة القطاع الإنساني على الانتقال من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى بناء منظومات وقاية ومساءلة تمنع تكرارها من الأساس، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار شريان المساعدات لملايين المدنيين الذين لا يملكون بديلاً آخر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك