تتجدد احتجاجات مواطنين في مدينة الموصل العراقية على فترات متقاربة، على خلفية حرمانهم من حق استغلال أراضيهم وبناء مساكن عليها، بسبب نزاعات ملكية وشبهات فساد ونفوذ جهات.
ويؤكد الأهالي أنهم الحلقة الأضعف في نزاعات قانونية امتدت لسنوات، مطالبين القضاء بالتدخل لحسم الملف.
فتحت الاحتجاجات التي نظمها مواطنون من أهالي منطقة" المثنى الثانية" في الموصل، أمس الجمعة، ملف الفساد والنفوذ الحزبي والجماعات المتنفذة، التي يتهمها سكان ومسؤولون محليون بالتسبب في تحويل آلاف المواطنين إلى متضررين من ملفات لم يكونوا طرفاً فيها.
ورفع المحتجون، الذين يملكون تلك الأراضي بوثائق رسمية، مطالبهم بإنهاء قرار منع البناء على أراضيهم، مؤكدين أن الأزمة تعود إلى عام 2021، عقب صدور قرار قضائي بوقف أعمال البناء في نحو 300 قطعة أرض بسبب شبهات تزوير، من دون أن يكون لهم أي علاقة بها.
وقال الأهالي إنهم اقتنوا تلك الأراضي بشكل رسمي وبمبالغ مالية كبيرة، بعد استكمال الإجراءات القانونية والحصول على سندات ووثائق رسمية من دائرة العقارات والموافقات اللازمة من الدوائر المختصة، إلا أنهم وجدوا أنفسهم لاحقاً أمام ملف معقد، أفرز تبعات نزاعات واتهامات مرتبطة بجهات أخرى.
وتعكس القضية واحدة من أكثر الإشكاليات تعقيداً في مرحلة ما بعد تنظيم" داعش"، إذ تحولت ملفات الأراضي والعقارات في أجزاء من نينوى إلى ساحات نزاع بين قوى سياسية وفصائل مسلحة وجهات متنفذة، بينما بقي المواطن الحلقة الأضعف في معادلة النفوذ.
وتأتي احتجاجات الجمعة بعد أيام قليلة من تظاهرة سابقة شهدتها الموصل الثلاثاء الماضي، طالب خلالها عشرات المواطنين بتمكينهم من البناء على أراضٍ يملكونها، مؤكدين أن جماعات متنفذة منعتهم من استغلالها لأكثر من عقدين، ومحمّلين الحكومة المحلية مسؤولية استمرار الأزمة.
وأكد مشاركون في تلك التظاهرة أن مجموعات متنفذة تمنع البناء في بعض المناطق وتفرض قيوداً غير قانونية، فيما أشار آخرون إلى تعرض بعض أصحاب الأراضي لضغوط وابتزاز مالي مقابل السماح لهم باستغلال أملاكهم.
ووفقاً لخالد الشمري، أحد المتضررين من أصحاب الأراضي، فإن المواطنين" يدفعون ثمن صراعات وملفات فساد لا علاقة لهم بها"، مضيفاً في تصريح لـ" العربي الجديد" أن العائلات اشترت الأراضي وفق الإجراءات القانونية المعتمدة.
وأضاف أن" من ارتكب المخالفة أو استفاد من الفساد يجب أن يحاسب، ولا يجوز تحميل المواطن البسيط نتائج أخطاء الجهات المتنفذة أو الصراعات القائمة بينها"، داعياً السلطات القضائية إلى" حسم الملف وإنصاف المتضررين".
من جانبه، أكد مسؤول محلي في نينوى، فضل عدم ذكر اسمه، أن العديد من الملفات العقارية العالقة في المحافظة ترتبط بـ" تداخل النفوذ السياسي والأمني الذي برز بعد تحرير المدينة من تنظيم داعش"، موضحاً لـ" العربي الجديد"، أن" نزاعات بين جهات مسلحة وقوى نافذة ساهمت في تعطيل استثمار أراضٍ وممتلكات تعود لمواطنين لسنوات طويلة".
وأضاف أن" الأزمة لا تقتصر على منطقة أو ملف بعينه فقط، بل تشمل قضايا مشابهة ما زالت تنتظر الحسم، بينما يبقى المواطن المتضرر الأول من استمرار الخلافات وتعقيدات الإجراءات القانونية"، مؤكداً" لا توجد معالجات قريبة لهذه الملفات".
ومنذ تحرير الموصل من يد تنظيم" داعش" عام 2017، برزت اتهامات متكررة بشأن تمديد نفوذ أحزاب وفصائل مسلحة في الملفات الاقتصادية والعقارية في المحافظة، عبر ما يعرف بالمكاتب الاقتصادية أو شبكات النفوذ، التي اتهمت من قبل مواطنين ومسؤولين محليين بالتدخل في بسط نفوذها على أراض وعقارات ومشاريع استثمارية، وهو ما تسبب بشبهات فساد كبيرة أثرت على حق المواطنين في استغلال أراضيهم".
كما أثيرت في السنوات الماضية ملفات تتعلق بتحويل أراضٍ زراعية إلى قطع سكنية بصورة غير قانونية من قبل تلك الجهات ذاتها، وبيعها أو التصرف بها، الأمر الذي أدى إلى تراكم نزاعات عقارية معقدة ما زالت آثارها مستمرة حتى يومنا هذا.
ويرى الناشط الحقوقي رائد المعماري، أن استمرار بقاء هذه الملفات عالقة من دون حسم يطرح تساؤلات جدية، بشأن قدرة مؤسسات الدولة على حماية حقوق المواطنين في مواجهة شبكات النفوذ والفساد.
وقال رائد المعماري، لـ" العربي الجديد"، إنه" من غير المقبول أن يدفع المواطن البسيط ثمن ملفات فساد المتنفذين لسنوات طويلة، بينما لا توجد أي حماية قانونية لحقوق الناس"، مشيراً إلى أن تعطيل البناء لا ينعكس فقط على حق السكن، بل يخلق أعباء اقتصادية واجتماعية ونفسية متراكمة على العائلات المتضررة".
وشدد على أنه" يتحتم على السلطة القضائية البت في القضايا العالقة، ومحاسبة الجهات التي يثبت تورطها في التجاوزات القانونية أو عمليات الفساد"، مؤكداً أن" استعادة ثقة المواطنين بالدولة تبدأ من ضمان حقوقهم أولاً، وعدم تحميلهم كلفة الصراعات والنفوذ والمخالفات التي ارتكبها آخرون".
ويجد أصحاب الأراضي أنفسهم عالقين بين قرارات قضائية لم تُحسم بعد، ونفوذ جهات تعطل مصالحهم وتضع يدها على ممتلكاتهم، في مشهد يعكس واقعاً تتحول فيه بعض الفئات إلى ضحايا لنزاعات وملفات فساد، بينما تبقى التظاهرات والاحتجاجات وسيلة للتعبير عن مطالب هذه الشريحة المتضررة واستعادة حقوقها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك