في زمن تتسارع فيه رياح العولمة، وتتنافس فيه اللغات والثقافات على عقول الأجيال الجديدة، تبرز قضية الهوية الوطنية باعتبارها التحدي الأكبر أمام المنظومة التعليمية، فالتعليم الحقيقي لا يملأ العقول بالمعلومات فحسب، بل يزرع في النفوس معنى الانتماء، والأمم لا تفقد هويتها دفعة واحدة، بل تتسرب منها تدريجيًا عندما تضعف صلتها بلغتها وثقافتها؛ فاللغة ليست وسيلة للتخاطب فقط، بل وعاء للذاكرة وحارس للهوية.
ولذلك جاءت الإجراءات الأخيرة التي اتخذها وزير التربية والتعليم، بتشكيل لجان لمتابعة نسب النجاح في مواد اللغة العربية والتربية الدينية والدراسات الاجتماعية داخل المدارس الدولية والأجنبية، خطوة تستهدف إعادة التوازن إلى المنظومة التعليمية، من خلال التأكيد على أن هذه المواد ليست ثانوية أو هامشية، وإنما عناصر أساسية في تشكيل وعي الطالب وصياغة شخصيته.
وفي زحام النقاشات التي صاحبت تلك الإجراءات والقرارات، بدت هناك حقيقة أكبر من كل التفاصيل وأكثر عمقًا من كل الجدل الدائر؛ فالقضية في جوهرها ليست أرقام نجاح أو نسب تقييم، وإنما معركة وعي تخوضها الدولة من أجل حماية أحد أهم أركان بقائها، وهي الهوية الوطنية.
فاللغة العربية ليست حروفًا تُكتب على الورق، ولا كلمات تُتلى داخل الفصول الدراسية، بل هي الذاكرة الحية للأمة، والجسر الذي تعبر فوقه الحضارات من جيل إلى جيل، وحين تضعف علاقة الإنسان بلغته الأم، تتسلل الشروخ إلى وجدانه الثقافي، ويصبح أكثر عرضة للاغتراب عن تاريخه وقيمه وانتمائه، فهي وعاء الفكر، ومفتاح الثقافة، والنافذة التي يطل منها الأبناء على تراثهم الحضاري الممتد عبر قرون طويلة من الإبداع والعطاء.
وكل أمة تفقد صلتها بلغتها إنما تفقد تدريجيًا جزءًا من روحها وخصوصيتها.
أما التربية الدينية، فليست اختبارًا يُؤدى في نهاية العام، بل منظومة متكاملة من القيم والمبادئ التي تشكل الضمير الإنساني، وتصنع مواطنًا يعرف معنى المسؤولية، ويحترم الآخر، ويدرك حدود الحقوق والواجبات، فهى المادة التي تزرع في النفوس بذور الأخلاق قبل أن تطالبها بثمار النجاح، وتمثل أحد أهم روافد بناء القيم وتعزيز السلوك الإيجابي لدى النشء، كما تسهم في تكوين الضمير، وتنمية الشعور بالمسؤولية، وترسيخ مبادئ الاحترام والتسامح والانتماء، ومن هنا تأتي أهمية التأكيد على تحقيق نجاح فعلي فيها، يعكس فهمًا واستيعابًا حقيقيين لمضامينها، لا مجرد اجتياز شكلي للاختبارات.
وفي السياق ذاته، تأتي الدراسات الاجتماعية لتربط الطالب بوطنه، فتعرّفه بجغرافيته وتاريخه وتحدياته وإنجازاته، وتمنحه القدرة على فهم مجتمعه والتفاعل معه بوعي وإدراك، إنها المادة التي تحول الوطن من مجرد اسم على الخريطة إلى قصة انتماء تسكن الوجدان.
ومن هنا يمكن فهم التحركات التي يقودها وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف، والتي لا تبدو مجرد إجراءات تنظيمية عابرة، بقدر ما تعكس إدراكًا عميقًا لحقيقة بالغة الأهمية؛ وهي أن بناء الإنسان يبدأ من ترسيخ جذوره قبل توسيع آفاقه، وأن الانفتاح على العالم لا يكتمل إلا إذا كان الإنسان ثابتًا على أرضه، معتزًا بلغته، مدركًا لتاريخه، وواعيًا بقيمه.
لقد اعتاد البعض النظر إلى مواد اللغة العربية والتربية الدينية والدراسات الاجتماعية باعتبارها مواد مكملة للمشهد التعليمي، بينما تكشف الحقيقة أنها تشكل القلب النابض للمنظومة بأكملها، فوجود هذه المواد داخل الجداول الدراسية لا يكفي وحده لتحقيق أهدافها، لأن المادة التي لا تحظى بالاهتمام الحقيقي تتحول مع الوقت إلى مجرد عنوان بلا مضمون، لذلك جاءت القرارات الأخيرة لتبعث برسالة واضحة مفادها أن الهوية ليست بندًا هامشيًا يمكن تجاوزه، بل أساسًا راسخًا لا يقبل التهاون أو الاستثناء.
ورغم ما أثير من اعتراضات هنا وهناك، فإن الأمم الكبرى لم تبنِ نهضتها بالتخلي عن لغاتها أو التهاون في ترسيخ ثقافاتها الوطنية، فالتقدم الحقيقي لا يقوم على استبدال الجذور بالأغصان، ولا على المفاضلة بين الهوية والانفتاح، بل على الجمع بينهما في معادلة متوازنة تصنع إنسانًا قادرًا على مخاطبة العالم بلغاته المختلفة، دون أن يفقد صوته الخاص.
إن الرسالة التي تحملها هذه القرارات تتجاوز أسوار المدارس وقاعات الامتحانات، لتصل إلى كل أسرة مصرية.
فالمسؤولية لا تقع على عاتق المؤسسة التعليمية وحدها، بل تبدأ من البيت الذي يغرس في الأبناء حب اللغة، والاعتزاز بالهوية، واحترام القيم التي تشكل وجدان المجتمع.
وفي النهاية، فإن ما نشهده اليوم ليس مجرد متابعة لنتائج دراسية أو مراجعة لنسب نجاح، بل خطوة مهمة تعيد ترتيب الأولويات داخل المنظومة التعليمية، وتؤكد أن صناعة المستقبل لا تنفصل عن حماية الجذور، وعندما تتحول الرؤية إلى فعل، وتنتقل المبادئ من الأوراق إلى الواقع، يصبح من الممكن أن نرى تعليمًا لا يصنع متفوقين في الامتحانات فقط، بل يبني أجيالًا تعرف من تكون، وإلى أي أرض تنتمي، وأي رسالة تحملها للمستقبل.
فالقضية الأعمق تتعلق برسالة بالغة الأهمية مفادها أن بناء أجيال قادرة على مواجهة تحديات المستقبل لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن الحفاظ على الهوية الوطنية والثقافية.
ومن هنا تكتسب القرارات الأخيرة لوزارة التربية والتعليم أهمية استثنائية، لأنها لا تتعلق بمجرد نسب نجاح أو لوائح تنظيمية، بل تمس سؤالًا أكثر عمقًا: كيف نصنع جيلًا ينفتح على العالم دون أن يفقد ملامح شخصيته أو ينقطع عن جذوره؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك