رئيس «فالكامبي» يرى أن الذهب يستعيد موقعه كأصل استراتيجي في عالم لا يمكن التنبؤ به.
البنوك المركزية، خصوصاً في الأسواق الناشئة، تزيد مشترياتها من الذهب بوصفه بديلاً جزئياً عن الدولار.
سويسرا تتمسك بدورها مركزاً عالمياً لتكرير الذهب، لا بسبب التقنية وحدها، بل بسبب الثقة والرقابة والتمويل.
ملف الذهب القادم من الإمارات يحضر في المقابلة من زاوية التوريد المسؤول والعناية الواجبة، لا من زاوية الانسحاب من السوق.
إيلاف من دبي: في زمن تتكاثر فيه العقوبات، وتتبدل فيه قواعد التجارة، وتفقد الأسواق جزءاً من قدرتها على التنبؤ، يعود الذهب إلى موقعه القديم بثوب جديد.
لم يعد المعدن الثمين مجرد ملاذ آمن للمستثمرين عند الاضطراب، بل بات، وفق قراءة أحد أبرز مسؤولي صناعة التكرير في سويسرا، أداة سيادية تلجأ إليها الدول لحماية احتياطياتها، وتنويع اعتمادها المالي، وتحصين عملاتها في عالم أكثر تقلباً.
في مقابلة أجرتها «سويس إنفو» مع سيمون نوبلوخ، الرئيس التنفيذي الجديد لشركة «فالكامبي»، إحدى أبرز مصافي الذهب في سويسرا والعالم، برز محور يتجاوز سؤال الأسعار القياسية: لماذا تعود الدول إلى الذهب الآن؟ يجيب نوبلوخ بأن المعدن الثمين يستعيد مكانته، لا كعملة مباشرة، بل كأصل استراتيجي في المعاملات العامة والاحتياطيات الوطنية، خصوصاً مع تزايد استخدام النظام المالي والعقوبات كأدوات ضغط.
تولى نوبلوخ منصبه في الأول من حزيران (يونيو)، على رأس مصفاة تتخذ من باليرنا في كانتون تيتشينو مقراً لها.
وهذه المنطقة الواقعة في جنوب سويسرا تحولت منذ سبعينات القرن الماضي إلى أحد أهم مراكز تكرير الذهب في العالم، مستفيدة من القرب من تقاليد صناعة المجوهرات في شمال إيطاليا، ومن شبكة سويسرية تجمع بين الخدمات المصرفية، واللوجستية، والرقابة، وتكرير المعادن الثمينة.
لكن المقابلة لا تكشف فقط عن مصنع يحوّل الذهب إلى سبائك عالية النقاء.
بل تكشف عن صناعة تقف عند تقاطع المال والسيادة والسياسة.
فحين تشتري البنوك المركزية الذهب بقوة منذ عام 2022، لا يكون ذلك مجرد قرار استثماري.
بحسب نوبلوخ، يرتبط الأمر جزئياً بامتلاك بديل للدولار، وبوعي متزايد لدى الدول المنتجة بضرورة الاحتفاظ بجزء من مواردها داخل البلاد، بدلاً من خروجها بالكامل إلى الأسواق العالمية.
في هذه النقطة تحديداً، يصبح الذهب أكثر من سلعة.
فهو، كما يقول نوبلوخ، لا يُستهلك، ولا يختفي، ولا يصدأ.
وتملك البنوك الوطنية كميات كبيرة منه في احتياطياتها، كما يدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في دعم الاستثمارات العامة ومدخرات الأفراد وصناديق التقاعد.
هذه الطبيعة المادية تمنحه قدرة على الصمود أمام تقلبات العرض والطلب، وتجعله، في نظر كثير من الدول، أداة استقرار لا مجرد أصل للمضاربة.
هذه العودة إلى الذهب تأتي في لحظة تتغير فيها «الحقائق الثابتة» التي اعتادت الأسواق الاعتماد عليها.
فمع الحروب، والعقوبات، والتوترات الجيوسياسية، وتراجع اليقين في النظام المالي، يصبح المعدن الثمين مساحة دفاعية للدول والمستثمرين معاً.
نوبلوخ يختصر ذلك بالقول إن الذهب سيبقى أصلاً وسلعة استراتيجية في المستقبل، لأنه يحتفظ بوظيفة الثقة حين تتراجع الثقة في الأدوات الأخرى.
غير أن الثقة في الذهب لا تنفصل عن الثقة في مصدره وطريقة تكريره.
هنا تدخل سويسرا إلى المشهد لا بوصفها صاحبة تكنولوجيا حصرية، بل بوصفها منظومة رقابة وتمويل وسمعة.
فإنتاج ذهب عيار 999.
9 لم يعد حكراً على سويسرا، والتقنية باتت متاحة في مراكز أخرى.
لكن نوبلوخ يرى أن ما يميز سويسرا هو الأمان، وانخفاض مخاطر التأمين، ووجود نظام راسخ للمعادن الثمينة، وخطوط ائتمان، وخبراء فحص معتمدين يوفرون طبقة إضافية من الرقابة.
بعبارة أخرى، لم تعد المنافسة في صناعة الذهب قائمة فقط على من يستطيع الوصول إلى أعلى درجة نقاء، بل على من يستطيع إثبات سلسلة الثقة من المنجم أو المصدر إلى السبيكة النهائية.
ولهذا السبب تكتسب معايير مثل «التسليم الجيد» الصادرة عن رابطة سوق لندن للسبائك، وإرشادات التوريد المسؤول، أهمية حاسمة في صناعة تُقاس فيها الأخطاء بسمعة الدول والشركات معاً.
وتحضر الإمارات في المقابلة من هذه الزاوية الحساسة: كيف تتعامل مصفاة سويسرية كبرى مع الذهب القادم من مركز تجاري عالمي نشط؟ سُئل نوبلوخ عن ارتفاع واردات سويسرا من الذهب القادم من الإمارات إلى 420 طناً، مقارنة بمتوسط 150 طناً في سنوات سابقة.
فأوضح أن أحد أسباب الزيادة كان طلب المستثمرين الأميركيين على سبائك «كومكس» في ظل مخاوف الرسوم الجمركية، ما استدعى تحويل جزء من الذهب إلى مواصفات قابلة للتسليم في السوق الأميركية.
وبالنسبة إلى «فالكامبي»، لا تقوم المقاربة على تجاهل موقع الإمارات في تجارة الذهب العالمية، ولا على الانسحاب من التعامل معها، بل على ما يصفه نوبلوخ بالعناية الواجبة المعززة.
ويقول إن الشركة لا تستورد من الإمارات إلا من علامتين تجاريتين معتمدتين، هما «سام للمعادن الثمينة» و«الاتحاد للذهب»، مع طلب بيانات مطابقة لكل شحنة، تتضمن بلدان منشأ المواد، والأرقام التسلسلية، والتزاماً مكتوباً بالمعايير والعقوبات الدولية.
هنا يظهر أحد أكثر جوانب المقابلة أهمية لجمهور الخليج: الإمارات ليست هامشاً في تجارة الذهب، بل مركز رئيسي في حركة المعدن الثمين بين الأسواق.
والسؤال لم يعد ما إذا كانت المراكز الجديدة ستزيح سويسرا من موقعها، بل كيف سيتقاطع دور هذه المراكز مع منظومات التكرير والرقابة التقليدية.
نوبلوخ يعرض المسألة بوصفها تكاملاً مشروطاً بالامتثال، لا صداماً حتمياً بين المراكز القديمة والجديدة.
وفي خلفية كل ذلك، تقف «فالكامبي» باعتبارها مصنعاً لا واجهة مالية فقط.
يشدد نوبلوخ على أن المصافي ليست دائماً هي المشتري، بل غالباً ما تكون مقدمة خدمة تتسلم الذهب من بنوك أو تجار معادن معتمدين لمعالجته.
ومن هنا يرى أن التركيز على المصافي وحدها لا يكفي لفهم تجارة الذهب، ما لم يُطرح أيضاً سؤال الجهات التي ترسل الذهب، ومسؤولية البنوك والتجار في سلاسل التوريد.
هذه النقطة تعيد النقاش إلى أصل المسألة: الذهب سلعة عالمية، لكنه في الوقت نفسه سجل طويل من الثقة.
كل سبيكة تحمل رقماً، وكل شحنة تحتاج إلى وثائق، وكل مصدر يخضع لاختبار السمعة.
وفي عالم تتداخل فيه العقوبات، والاضطرابات الجيوسياسية، وطلب البنوك المركزية، تصبح السبيكة الصغيرة شاهداً على شبكة واسعة من المال والسياسة والقانون.
ومن داخل مصنع تبدو فيه العملية صناعية صارمة، لا رمزية ولا غامضة، يرسم نوبلوخ صورة لصناعة تتغير تحت ضغط الأسواق والسياسة.
فالذهب الذي كان يُنظر إليه تقليدياً باعتباره ملاذاً للمستثمر وقت الخوف، يعود اليوم إلى قلب الحسابات السيادية: احتياطيات وطنية، بدائل جزئية عن الدولار، تحصين للعملات، وإدارة للمخاطر في عالم لم تعد قواعده مضمونة كما كانت.
الخلاصة أن مقابلة «سويس إنفو» مع رئيس «فالكامبي» لا تضيء على شركة سويسرية فقط، بل على تحوّل أوسع في النظام المالي العالمي.
فحين تزيد البنوك المركزية مشترياتها، وتتمسك سويسرا برقابة صارمة، وتبرز الإمارات كمركز حيوي في تدفق المعدن، يصبح الذهب لغة مشتركة بين الدول والأسواق: لا يَعِد بالربح دائماً، لكنه يعد بشيء قد يكون أثمن في زمن الاضطراب، وهو الثقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك