افتتح المتحف الوطني معرض وفعاليات يوم عُمان بعنوان: (عُمان وإيطاليا: ألفا عام من التلاقي الحضاري)، في متحف بريرا الكبير بمدينة ميلانو في الجمهورية الإيطالية، ويستعرض المعرض الحوار المتواصل والروابط التاريخية التي جمعت الحضارتين على مدى ما يقارب ألفي عام عبر شبكات حيوية من التجارة والمعرفة والتبادل الثقافي، متتبعًا هذا التواصل الحضاري من خلال المكتشفات الأثرية، وأدب الرحلات، ورسم الخرائط، والفنون، ليكشف عن التقاليد المشتركة واللقاءات الفكرية التي أسهمت في تشكيل إرث ثري امتد عبر البحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي.
ويستمر المعرض حتى (13 سبتمبر 2026م).
يأتي تنظيم المعرض في إطار مبادرة (يوم عُمان) التي يتبناها المتحف الوطني، الهادفة لإبراز الموروث الحضاري والتاريخي والثقافي والعلمي لسلطنة عُمان في أحد المتاحف العالمية العريقة على المستويات الإقليمية والدولية بهدف الوصول إلى شريحة واسعة من الجمهور في الخارج.
حضر حفل الافتتاح صاحب السمو السيد نزار بن الجلندى بن ماجد آل سعيد سفير سلطنة عُمان المُعتمد لدى الجمهورية الإيطالية، وسعادة جمال بن حسن الموسوي، الأمين العام للمتحف الوطني، وعدد من المسؤولين والمهتمين بالشأن الثقافي والمتحفي في الجمهورية الإيطالية.
وقال سعادة جمال بن حسن الموسوي، الأمين العام للمتحف الوطني: يتشرف المتحف الوطني بتقديم هذا المعرض في رحاب مكتبة برايدينسي الوطنية العريقة، إحدى أبرز الصروح الثقافية في إيطاليا، بوصفه أول مبادرة متحفية من نوعها تنظمها سلطنة عُمان في الجمهورية الإيطالية.
وعلى امتداد القرون الماضية، أسهم عدد من أبرز العلماء والرحالة والمفكرين الإيطاليين في الكشف عن جوانب مهمة من تاريخ عُمان وآثارها وتراثها المعماري وعاداتها وتقاليدها، فضلًا عن جغرافيتها وجيولوجيتها وتنوعها الطبيعي ونظمها الإدارية، كما ترك بعضهم بصمات مميزة في مسيرة التاريخ العُماني ذاته.
وأضاف: يركز هذا المعرض على الإرث الأثري المشترك، وما وثقته أدبيات الرحلات والمؤلفات التاريخية والخرائط والأعمال الفنية من أوجه التلاقي والتفاعل بين البلدين.
كما يسلط الضوء على الروابط الحضارية التي جمعت الثقافتين عبر العصور، ومنها نظام الأفلاج لإدارة المياه، المعروف في صقلية باسمه العربي (القنوات)، ودور اللُّبان في الطقوس والممارسات الدينية في كل من المسجد والكنيسة.
كما شكلت القارة الإفريقية إحدى الساحات التاريخية التي التقت فيها التجربتان العُمانية والإيطالية خلال مراحلهما الإمبراطورية.
يستعرض معرض «عُمان وإيطاليا: ألفا عام من التلاقي الحضاري» التواصل الحضاري بين البلدين عبر محاور جغرافية وفكرية متسلسلة تبدأ من العصور الكلاسيكية القديمة؛ إذ كانت عُمان مركزًا إستراتيجيًّا لشبكات التجارة البحرية وطريق اللبان الذي وثقه مؤلفون قدماء مثل إسطرابون وبلينيوس الأكبر وبطليموس.
ومن هذا المنطلق، يقابل المعرض بين الموروث العقائدي والفني للعصر الحديدي في عُمان المتمثل في مجسم الثعبان البرونزي المكتشف في سيح القاع بولاية الحمراء وبقايا الوعاء الفخاري من موقع سلوت الأثري، وبين الأصداء الفنية والتجارية القادمة من روما والمتمثلة في مِقبضي إناء على هيئة أفعى يعود منشؤهما إلى إيطاليا الرومانية ومكتشفين في جزيرة مَحُوت، بالإضافة إلى لوح بخط المسند العربي الجنوبي من حواضر سمهرم يبرز المكانة الرفيعة للبان في العالم القديم.
كما يعقد المعرض مقارنة هندسية لأساليب إدارة المياه واستدامة البيئة بين أنظمة الأفلاج العُمانية والقنوات المائية المماثلة في صقلية خلال الحكم العربي الإسلامي بمدينة باليرمو، ويبرز هذا الجانب مخطوط (دفتر فلج العزيزي) لربيعة بن ماجد الكندي يعود إلى العام (1891م).
وفي بُعد الإشعاع المعرفي والعلمي، يحتوي المعرض على مخطوطة (أرجوزة في تشريح العين) للشيخ الطبيب راشد بن عميرة الرستاقي يعود إلى الفترة (1887م)، وكتاب الحاج في آسيا، أو رحلات الدكتور والجراح أنجيلو ليغرينزي الصادر عام (1705م)، ومخطوط (النونية الكبرى) للملاح العُماني أحمد بن ماجد السعدي والمدرج في ذاكرة العالم لليونسكو عام (2025م) كشاهد على ريادة علوم البحار.
ويدمج المعرض أثر اعتناق عُمان المبكر للإسلام وازدهار دراساتها الفقهية كمركز للفكر الإباضي بجماليات التقاليد الفنية لنسخ المصاحف، حيث تُعرض مخطوطات عُمانية نفيسة مثل (بيان الشرع) و(قاموس الشريعة) المطبوع في زنجبار، ومصاحف مخطوطة بالألوان المائية، وصولً إلى شرق إفريقيا عبر كتاب (ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة السواحيلية).
ويقابل هذا العطاء الفكري صدى الاهتمام بالدراسات القرآنية في الغرب متمثلًا في النسخة الطباعية الأوروبية الفاخرة لكتاب (النصوص الكاملة للقرآن) المترجمة بواسطة لودوفيكو ماراتشي في بادوفا بإيطاليا من القرن (18م).
ويسترسل المعرض في توثيق التراث المعماري المشترك بمسقط عبر إبراز الوجود التاريخي للرهبنة الأوغسطينية الذي يمثله اليوم مبنى بيت الجريزة التابع للمتحف الوطني، وحصن الميراني الذي يجسد تراكم الخبرات الهندسية والعسكرية العُمانية والإيطالية والبرتغالية.
وتتجلى الروابط مع جمهورية البندقية في توثيق رحالتها مثل ماركو بولو للموانئ العُمانية، واستمرارية التبادل النقدي الذي تمثله عملات (الزيكينو) و(الدوكات) الذهبية المكتشفة في السيب والوافي، بالإضافة إلى التفاعل فني حديث عبر زهرية زجاجية عُمانية من طراز (فينيني) صممت في جزيرة مورانو عام (1994م).
كما يضم المعرض مجموعة فريدة من مقتنيات السلطان قابوس بن سعيد آل سعيد طيب الله ثراه وتتمثل في خرائط تاريخية نادرة سُكّت في البندقية بنقش على النحاس تعود إلى القرن السادس عشر الميلادي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك