يشهد العالم يوم الأحد 21 يونيو/حزيران ظاهرة فلكية سنوية تُعرف بالانقلاب الصيفي، حين تبلغ الشمس أقصى ارتفاع لها شمالا فوق ما يُعرف اصطلاحا بمدار السرطان قبل أن تبدأ رحلتها الظاهرية نحو الجنوب.
ويحدث الانقلاب هذا العام عند الساعة 11: 24 صباحا بتوقيت مكة المكرمة، أي قبل أذان الظهر في مكة المكرمة بساعة كاملة.
ولا تقتصر أهمية هذا الموعد على كونه بداية فصل الصيف فلكيا وأطول نهار في السنة بالنسبة لسكان النصف الشمالي من الأرض، بل يرتبط أيضا بإحدى أعظم القصص العلمية في التاريخ.
list 1 of 2لغز كوني جديد.
حطام نجوم ميتة يتوهج مجددا في أعماق الفضاءlist 2 of 2من ذيل أضاء سماء عام 1910 إلى شبح خافت في عام 1986.
مذنب هالي بعد 40 عاماففي مثل هذا اليوم قبل أكثر من ألفي عام، استغل عالم وجغرافي ومدير مكتبة الإسكندرية القديمة" إيراتوستينس" (Eratosthenes) هذه الظاهرة ليحقق إنجازا بدا مستحيلا في عصره وهو قياس محيط الأرض بدقة مذهلة مستخدما ظلال الشمس فقط.
ويقول الدكتور عمر فكري، رئيس قسم القبة السماوية السابق بمكتبة الإسكندرية ونائب رئيس الجمعية العربية للقباب السماوية، إن إيراتوستينس لفت انتباهه ما ورد في بعض البرديات عن اختفاء الظلال تقريبا في أسوان يوم الانقلاب الصيفي، مقابل ظهورها في الإسكندرية.
وبعد سنوات من المتابعة والقياس، تحقق من رؤية أشعة الشمس في قاع بئر بأسوان في الوقت الذي كانت فيه مسلات الإسكندرية تلقي ظلالا واضحة، ومن مقارنة زاوية هذا الظل بالمسافة بين المدينتين، استطاع حساب محيط الأرض بدقة مدهشة.
ويؤكد فكري أن عبقرية التجربة لم تكن في أدواتها البسيطة، بل في الفكرة التي حولت ملاحظة يومية إلى أحد أعظم الإنجازات العلمية في التاريخ.
الهندسة الفلكية.
كيف جسد القدماء ميل الأرض في حجارتهم؟يرجع السبب العلمي وراء هذه الظواهر التاريخية المذهلة إلى ميل محور الأرض عن مستوى مدارها حول الشمس بنحو 23.
5 درجة؛ إذ لولا هذا الميل الدقيق لما وجدت الفصول الأربعة أصلا على كوكبنا، ولما ارتفعت الشمس صيفا جهة الشمال أو انخفضت شتاء نحو الجنوب.
هذا الانتقال الظاهري للشمس عبر الفصول لم يكن مجرد رصد عابر، بل تحول إلى ركيزة أساسية لنشوء علم الفلك الأثري لدى الحضارات القديمة التي طوّعت الهندسة المعمارية لتتطابق مع حركة الكون.
ففي بريطانيا، اصطف بناء" ستونهنج" (Stonehenge) الحجري الشهير بدقة بالغة مع شروق الشمس يوم الانقلاب الصيفي، بينما شيد الفراعنة في مصر القديمة معابد فريدة تتفاعل مع هذه الدورة الشمسية؛ أبرزها معبد الكرنك الذي يتعامد محوره الرئيسي مع شروق الانقلاب الشتوي، ومعبد أبو سمبل الكبير الذي تخترقه أشعة الشمس مرتين سنويا لتضيء وجوه التماثيل في عمق الجبل عبر ظاهرة تعامد الشمس الشهيرة.
ولم يقتصر هذا الإبداع الحسابي على ضفاف النيل، بل امتد إلى حضارة المايا في المكسيك التي صممت هرم" تشيتشن إيتزا" (Chichen Itza) ليعكس ظلالا ضوئية تشبه ثعبانا هابطا على درجات الهرم خلال الاعتدالين الربيعي والخريفي.
تبرهن هذه الأبنية مجتمعة على عبقرية تاريخية؛ حيث حوّل القدماء معابدهم إلى تقاويم حجرية عملاقة لتحديد مواسم الزراعة وتنظيم حياتهم بدقة متناهية بالتناغم مع قلب الكون.
" على خطى إيراتوستينس".
تجربة تتكرر كل عاملم تبقَ تجربة إيراتوستينس حبيسة كتب التاريخ.
فمنذ افتتاح مكتبة الإسكندرية الجديدة عام 2002، بدأت القبة السماوية بالمكتبة في تنظيم فعالية سنوية تحمل اسم" على خطى إيراتوستينس"، تُنفَّذ بانتظام منذ عام 2003 وحتى اليوم.
ويشرح عمر فكري أن الطلاب يُقسَّمون إلى مجموعات صغيرة، وتُزوَّد كل مجموعة بأدوات بسيطة تشمل أوراقا وأقلاما ومنقلة وآلة حاسبة وميزان مياه وأدوات لتثبيت عمود القياس.
ثم يتولى الطلاب قياس طول الظل وحساب زاويته بأنفسهم، قبل مقارنة النتائج مع المسافة المعروفة بين الإسكندرية وأسوان للوصول إلى تقدير لمحيط الأرض.
وفي الوقت نفسه، يجري التواصل مع فرق موجودة في أسوان للتأكد من اختفاء الظل تقريبا هناك، كما يتم تبادل النتائج مع مشاركين من دول عربية وأجنبية، ما يحول التجربة إلى احتفال علمي عالمي.
من مكتبة الإسكندرية إلى مدارس قطر والجزائرلم تعد التجربة حكرا على مصر، فقد شاركت مؤسسات علمية وأندية فلكية عربية عديدة في إعادتها خلال السنوات الماضية، من بينها فعاليات في الجزائر وسلطنة عمان وتونس وليبيا.
كما شهدت قطر عام 2016 تجربة مميزة ضمن أولمبياد قطر المدرسي لعلم الفلك، حيث شارك مئات الطلاب في قياس محيط الأرض بالتزامن مع تعامد الشمس فوق مدينة دار السلام في تنزانيا، بعد حساب المسافة بين المدينتين ومقارنة نتائج القياسات، في محاكاة حديثة لفكرة إيراتوستينس باستخدام أدوات العصر الحديث.
ويقول عمر فكري إن النتائج غالبا ما تكون قريبة بشكل مدهش من القيمة الحقيقية لمحيط الأرض، خصوصا عند حساب متوسط نتائج جميع المجموعات المشاركة.
وحتى عندما تظهر فروق، فإنها تبقى ضمن هامش الخطأ المقبول علميا.
ويرى عمر فكري أن القيمة الحقيقية للتجربة تتجاوز مجرد حساب محيط الأرض، فالهدف الأهم هو تعليم الطلاب التفكير خارج الصندوق، وإدراك أن العلوم ليست مواد منفصلة كما تبدو في الكتب المدرسية.
فإيراتوستينس لم يكن فلكيا فقط، بل كان جغرافيا وشاعرا ورياضيا ومفكرا متعدد الاهتمامات.
بل إن كثيرا من علماء العصور القديمة جمعوا بين الطب والفلسفة والرياضيات والجغرافيا والأدب.
ولهذا يدعو فكري الطلاب إلى استثمار ما توفره لهم أدوات العصر من إنترنت وذكاء اصطناعي ومصادر معرفة مجانية، وعدم الاكتفاء بما تقدمه المناهج الدراسية وحدها.
ربما تكمن روعة قصة إيراتوستينس في أنها تذكرنا بأن أعظم الاكتشافات لا تبدأ دائما بمختبرات ضخمة أو أقمار صناعية معقدة، بل قد تبدأ بظل مسلة وبئر في مدينة بعيدة وسؤال يرفض صاحبه تجاهله.
قبل أكثر من ألفي عام، نظر رجل إلى اختلاف بسيط في الظلال فاستطاع أن يقيس كوكبا كاملا.
واليوم، ما زال آلاف الطلاب يعيدون التجربة نفسها في عصر الأقمار الصناعية ونظام تحديد المواقع (جي بي إس)، ليكتشفوا أن جوهر العلم لم يتغير، وهو الفضول، والملاحظة، وجرأة السؤال.
وكما يردد عمر فكري، هناك دائرتان متداخلتان: دائرة العلم ودائرة الجهل.
وكلما اتسعت دائرة العلم اتسعت حدود المجهول أمامنا.
لذلك يبقى الشغف بالمعرفة والبحث والاستكشاف أعظم ما يمكن أن يتعلمه الإنسان من تجربة إيراتوستينس الخالدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك