لم يكن خروج نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، بتصريحاته الحادة والأخيرة الموجهة إلى أعضاء في الحكومة الإسرائيلية، مجرد زلة لسان في مؤتمر صحفي عابر بالبيت الأبيض، بل كان أشبه بطلقة تحذيرية كاشفة إطلقت لتكشف عن حجم الرمال المتحركة تحت أقدام التحالف التاريخي العريق بين واشنطن وتل أبيب.
فحين يقف الرجل الثاني في الإدارة الأمريكية ليقول بلهجة تقترب من التوبيخ إن دونالد ترامب هو رئيس الدولة الوحيد في العالم المتعاطف مع إسرائيل في هذه اللحظة، ولو كنت في الحكومة الإسرائيلية لما هاجمت الحليف القوي الوحيد المتبقي لي، ملوحاً بأن ثلثي الأسلحة الدفاعية الإسرائيلية صُنعت بأيدي دافعي الضرائب الأمريكيين؛ فإننا هنا لسنا أمام خلاف بروتوكولي، بل أمام مشهد درامي يستدعي التفكيك والتحليل.
والسؤال الجوهري المتداول في عواصم القرار اليوم هو: هل هذا الصدام العلني المستمر بين نائب الرئيس وإسرائيل يمثل تحولاً بنيوياً في أروقة السياسة الأمريكية؟ أم أنه سيناريو مرسوم بذكاء، مُتفق عليه بين الإدارة الأمريكية وتل أبيب لإدارة الوقت الحرج، لحين الإنتهاء من الإنتخابات القادمة، وتمرير الإتفاق الأمريكي الإيراني الأخير دون الإضرار بمستقبل الحزب الحاكم؟لفهم بواعث هذا التوتر الظاهري أو الحقيقي، علينا أن ننظر إلى الخريطة الكبرى، في السابع عشر من يونيو 2026، وقعت الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم تضع حداً للنزاع العسكري المرير الذي إستمر لقرابة أربعة أشهر، وليفتح الباب لـ 60 يوماً من المفاوضات التقنية والشاملة لتفكيك البرنامج النووي الإيراني وفتح مضيق هرمز من جديد مقابل رفع مشروط وصارم للعقوبات الإقتصادية وتسييل صادرات النفط الإيراني.
هذا الإتفاق، ، جاء ليتضمن بنداً صاعقاً لإسرائيل الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على كافة الجبهات، بما في ذلك الجبهة اللبنانية وحزب الله،هنا مكمن العاصفة؛ فإسرائيل التي كانت ترى في المواجهة العسكرية فرصة لتقويض النفوذ الإيراني بالكامل وتصفية حساباتها مع حزب الله، وجدت نفسها فجأة خارج غرفة المفاوضات، بل ومُطالبة أمريكياً بالإنصياع لإتفاق لم تكن طرفاً في صياغته، ومن هنا إنطلقت شرارات الهجوم من وزراء اليمين المتطرف في حكومة بنيامين نتنياهو ضد الإدارة الأمريكية وضد ترامب شخصياً، متهمين واشنطن بـ خيانة الأمن الإسرائيلي عبر تقديم حبل إنقاذ مالي ونفطي لطهران.
إذا أخذنا الصدام على محمل الجد سنقرأ المشهد بوصفه إنعكاساً لتحول عميق غير مسبوق في العقل الجمعي الأمريكي،فقد كشفت إستطلاعات الرأي الأخيرة عن حقيقة صادمة لصناع القرار في تل أبيب،60 %من البالغين الأمريكيين باتوا يملكون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 75% بين الشباب في الفئة العمرية من 18 إلى 29 عاماً، والأخطر من ذلك أن النظرة السلبية بدأت تتسلل إلى القواعد الشبابية للحزب الجمهوري نفسه، حيث أبدى 57% من الجمهوريين دون الخمسين عاماً عدم رضاهم عن السياسات الإسرائيلية،نائب الرئيس جي دي فانس، بصفته يمثل تيار أمريكا أولاً والقاعدة الشعبوية الشابة، يدرك أن الإستمرار في تقديم صك على بياض لإسرائيل لم يعد بضاعة رابحة في سوق الإنتخابات الأمريكية، لقد نمت قوة إسرائيل الإقتصادية والعسكرية لدرجة تجعل دافع الضرائب الأمريكي يتساءل بصوت مرتفع لماذا نستمر في دفع 3.
8 مليار دولار سنوياً لدولة غنية ترفض الإنصات لإستراتيجيتنا الإقليمية؟
التحول هنا حقيقي، ويمهد لإعادة صياغة مذكرة التفاهم الأمنية بين البلدين قبل إنتهاء صلاحيتها في عام 2028، لتتحول من صيغة المتبوع والتابع غير الممتن إلى صيغة الشراكة القائمة على المصالح المتبادلة والندية والقدرة على لجم الحليف عند الضرورة.
على الناحية الآخرى من التحليل الإستراتيجي، يبرز رأي يرى أن المشهد برمته ليس سوى سيناريو متفق عليه لتقاسم الأدوار وإدارة الأزمة الحالية حتى تمر العاصفة الإنتخابية الأمريكية بسلام.
وفي العلوم السياسية الأمريكية، هناك ما يُعرف بـ المعارضة الوظيفية، تحتاج إدارة ترامب في هذه اللحظة بالذات إلى إظهار العين الحمراء لإسرائيل أمام الناخب الأمريكي المتذمر من الحروب، وأمام الأطراف الدولية والإيرانية، لتثبت أنها وسيط قوي وقادر على فرض شروطه، وأنها لا تخضع لإملاءات تل أبيب، هذا التراشق يسمح لترامب وفريقه بتمرير إتفاق إيران وإعادة تدفق النفط عالمياً، وهي ورقة إقتصادية رابحة جداً لخفض التضخم قبل أسابيع من توجه الناخبين إلى صناديق الاقتراع.
وفي المقابل، فإن نتنياهو يحتاج بدوره إلى هذا الصدام العلني مع واشنطن؛ لكي يظهر أمام جمهوره الداخلي واليمين المتطرف في إسرائيل في مظهر القائد الصلب الذي يتحدى الإملاءات الأمريكية لحماية أمن بلاده، مغازلاً اليمين ومبرراً إستمرار بعض ضرباته الإستراتيجية في جنوب لبنان كحالة دفاعية منفصلة عن الموقف الأمريكي، إنها لعبة الخلاف المسيطر عليه؛ حيث تضمن واشنطن تدفق السلاح والمعلومات الإستخبارية الحيوية لإسرائيل خلف الكواليس، بينما يُترك المسرح العام لتبادل التهم والتوبيخ، حفظاً لماء وجه الطرفين أمام قواعدهما الشعبية.
إن ما يجري بين نائب الرئيس الأمريكي وإسرائيل، هو مزيج معقد بين الفرضيتين، لا يمكن القول إن التحالف قد إنفرطت عراه، فالولايات المتحدة وإسرائيل شريكان عضويان في بنية الأمن الإقليمي، والولايات المتحدة لا يمكنها الإستغناء عن أقوى حليف تكنولوجي وعسكري لها في الشرق الأوسط.
ولكن، يبدو أن قواعد اللعبة القديمة قد إنتهت إلى غير رجعة، إن الإتفاق الأمريكي الإيراني لعام 2026، وإعادة هندسة التوازنات في المنطقة، أجبرت واشنطن على إستخدام لغة خشنة لم تعتدها تل أبيب، وسواء كان ما نراه خلافاً حقيقياً ناتجاً عن تباين عميق في تقدير المصالح، أو سيناريو مرسوماً بذكاء لتمرير الإنتخابات؛ فإن الحقيقة الثابتة هي أن رداء الدعم الأعمى اللامشروط قد تمزق، وأن السياسة الأمريكية باتت محكومة ببراجماتية شديدة، تعلي من شأن الحسابات الداخلية والإقتصادية لواشنطن، حتى لو تطلب الأمر توجيه صفعة علنية على وجه الصديق الحميم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك