البطولة الحالية، بنظامها الجديد الذي يضم 48 منتخباً وتتوزع مبارياتها عبر قارة كاملة وثلاث دول، ليست مجرد حدث رياضي، بل هي" حالة دراسية" حية لكيفية إدارة المخاطر العابرة للحدود، من تأمين المطارات وسلاسل الإمداد، إلى إدارة الحشود البشرية والجماهير بالمدرجات، والتعامل مع الأزمات السيبرانية والفنية اللحظية في البث والتحكيم التقني.
في هذا المونديال، الخطأ الواحد كفيل بهدم سمعة مؤسسية ودولية بُنيت عبر سنوات.
الفارق بين المهارة والمنظومةفي كُتب الاستراتيجية الرياضية، هناك قاعدة تقول: " الهجوم يبيع التذاكر، لكن الدفاع والمنظومة هما من يحصدان البطولات".
وإذا أسقطنا هذا المفهوم على إدارة الأزمات، سنجد أن الكيانات الذكية – سواء كانت منتخبات أو شركات هي التي لا تراهن على الفردية الفذة فقط، بل تبني منظومة مرنة قادرة على امتصاص الصدمات.
وهنا نأتي إلى الحدث الأقرب لقلوبنا كمصرين.
المشاركة الرابعة لمنتخب مصر في تاريخ المونديال.
ويقود هذه الملحمة لاعب تاريخي هو حسام حسن كمدير فني للمنتخب وجيل تاريخي يتزعمه الأسطورة محمد صلاح، وسط آمال عريضة ومستحقة من الشعب المصري لتحقيق إنجاز تاريخي يتجاوز مجرد التمثيل المشّرف.
ولكن، كيف نضمن تحويل هذا الأمل الطموح إلى واقع ملموس على أرض الميدان؟ الإجابة تكمن في قدرة الجهاز الفني والإداري ومعهم اللاعبين على تفعيل قواعد استمرارية الأعمال.
" الاختبار الأول".
الدرس البلجيكي وفخ النشوة المبكرةلقد قدم لنا المنتخب المصري في مباراته الافتتاحية الحالية ضد منتخب بلجيكا القوي نموذجاً تطبيقياً رائعاً لما نعنيه بالجاهزية.
البداية الموفقة والأداء الممتاز الذي ظهر به الفراعنة في تلك المباراة من كافة النواحي – التكتيكية والبدنية والذهنية – لم يكن وليد الصدفة، بل عكس التزاماً صارماً بـ" سيناريو اللقاء" المخطط له خلف الكواليس، وإدارة ذكية للمخاطر الهجومية للمنافس.
لكن، ومن منظور إدارة الأزمات، فإن النجاح الافتتاحي المبهر يحمل معه خطراً مستتراً يُعرف بـ" مخاطر الارتخاء والنشوة المبكرة".
التعادل مع منتخب بلجيكا هو خطوة ممتازة علي الطريق، لكن" الاستمرارية" هي الشفرة الحقيقية لتحقيق الإنجاز التاريخي المطلوب.
البطولة مجمعة ونَفَسُها طويل، والعبور الآمن للدوار القادمة يتطلب ألا تفرغ الشحنة الذهنية والبدنية في محطة واحدة، بل يجب البناء على هذا الفوز كقاعدة انطلاق، وإعادة شحن الرادار الاستباقي للمباريات التالية فوراً.
خطة الطوارئ البديلة تحت ضغط النيرانالمنتخب المصري في هذه البطولة يواجه" أزمة إدارة توقعات وضغوط جماهيرية" غير مسبوقة، بجانب التحديات اللوجستية المتمثلة في التنقل بين ولايات و دول ذات مساحات شاسعة وفروق توقيت ومناخ متباينة.
النجاة والتميز هنا يتطلبان من إدارة المنتخب تبني ثلاثة إجراءات من صلب علم إدارة المخاطر:1.
تفكيك" شفرة الفردية" والخطة (ب): الرهان على نجم بحجم محمد صلاح أمر طبيعي، ولكن علم استمرارية الأعمال يفرض وجود" خطة طوارئ بديلة" جاهزة ومجربة مسبقاً (SOPs).
ماذا لو فُرضت رقابة صارمة على مفتاح اللعب؟ ماذا لو حدثت إصابات مفاجئة وسط ضغط المباريات؟ المنظومة الناجحة هي التي لا يصيبها الشلل التنظيمي والتكتيكي عند غياب أي عنصر، بل تملك البديل الجاهز للاندماج فوراً.
2.
إدارة الأزمات السيكولوجية والذهنية: الضغط الإعلامي وشائعات السوشيال ميديا وقت البطولات المجمعة تشبه" ضباب المعركة" الذي تحدثنا عنه سابقاً.
الإدارة الذكية هي التي تفرض" فقاعة حوكمة صارمة" لحماية تركيز اللاعبين، وعزلهم عن المؤثرات الخارجية، والتعامل مع أي هزة نفسية (مثل خسارة مباراة أو خطأ تحكيمي) كأزمة مؤقتة يتم احتواؤها فوراً لضمان استمرارية التركيز في اللقاء التالي.
3.
المرونة اللوجستية واختبارات الإجهاد (Stress Tests): السفر الطويل والإجهاد البدني يمثلان أكبر المخاطر التشغيلية التي تهدد المنتخبات.
الجاهزية هنا تعني رصداً دقيقاً للياقة اللاعبين عبر الأنظمة الرقمية الحديثة، والتنبؤ بالإصابات قبل حدوثها، وإدارة عمليات الاستشفاء بدقة هندسية صارمة.
الدرس المستفاد للمديرين والإدارات التنفيذيةإن الدرس الذي يقدمه لنا مونديال 2026، وتجربة الفراعنة الحالية، هو أن تحقيق الإنجازات الكبرى لا يحدث بالصدفة أو بالأمنيات وحدها.
الإنجاز هو نتاج تلاقي الموهبة مع التخطيط الاستراتيجي الصارم.
يا عزيزي المسئول وصانع القرار في شركتك، تذكر دائماً وأنت تتابع مباريات كأس العالم، أن شركتك هي منتخبك، وأن الأزمات التي قد تواجه الشركة لا تختلف عن المفاجآت التي تحدث في الملعب.
لا تراهن على وجود" نجم واحد" ينقذ المؤسسة، بل استثمر في بناء إدارة ذكية تملك سيناريوهات بديلة، وراداراً استباقياً للمخاطر، لتضمن أن كيانك سيبقى في الملعب، ينافس، ويحقق الانتصارات مهما تغيرت ظروف اللعبة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك