قبل يوم من مغادرتها منصبها، فجرت مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية تولسي غابارد جدلاً واسعاً في واشنطن، بعدما أفرجت عن وثائق ومراسلات سرية قالت إنها تكشف دوراً مباشراً للطبيب المتقاعد أنتوني فاوتشي في تضليل البيت الأبيض عبر التأثير في التقييمات الاستخبارية حول منشأ فيروس كورونا، وفي النقاشات المرتبطة بتمويل أبحاث الفيروسات في مختبر ووهان الصيني.
وبحسب بيان صادر عن الاستخبارات الوطنية فإن فاوتشي، الذي شغل منصب مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية بين عامي 1984 و2022، كان على صلة بأبحاث ممولة أميركياً حول فيروسات كورونا لدى الخفافيش في مختبر ووهان، وهي أبحاث تقول غابارد إنها باتت موضع تدقيق في ضوء فرضية التسرب المختبري بوصفها أحد التفسيرات المحتملة لنشوء الجائحة.
ويتهم البيان فاوتشي بأنه عمل مع قيادات داخل مجتمع الاستخبارات للتأثير في مسار التقييمات الرسمية حول منشأ الفيروس، ودفع باتجاه ترجيح رواية المنشأ الطبيعي الحيواني، في مقابل تهميش فرضية التسرب من المختبر، كما تزعم أن فاوتشي استخدم علاقاته داخل الأجهزة الاستخباراتية لتقديم خبراء وعلماء اختارهم بنفسه، لترجيح الفرضيات التي يريدها أن تخرج للعلن.
وأكدت غابارد أن الوثائق الجديدة تظهر أن فاوتشي لم يكن مجرد مسؤول صحي يقدم مشورة علمية، بل لعب دوراً أوسع في توجيه النقاش داخل مجتمع الاستخبارات، وأضافت أن الأميركيين يستحقون" الشفافية والحقيقة والمساءلة" بعد أعوام من الجدل حول منشأ الفيروس، والرقابة على الآراء المخالفة، والتستر على معلومات قالت إنها كانت ضرورية لفهم ما حدث.
وصوّرت المسؤولة الأميركية قرار الكشف عن الوثائق في سياق تعريف الشعب الأميركي بـ" القصة الحقيقية"، وقالت إن فاوتشي موّل أبحاثاً خطرة حول فيروسات كورونا، مرتبطة بشركات الأدوية الكبرى وتطوير لقاحات تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات، مشيرة إلى أن" التكتيكات التي استخدمت لإخفاء الحقيقة مأخوذة مباشرة من دليل الدولة العميقة فقيادات مسيسة تسعى لخدمة مصالحها مثل الدكتور فاوتشي غطّت على أخطائها وإساءاتها لاستخدام السلطة، وتلاعبت بالاستخبارات، وكذبت على الكونغرس، وقوضت رئيساً منتخباً شرعياً عبر تقييد وصوله إلى حقائق مهمة كانت ضرورية للحفاظ على أمن البلاد".
وتشير المواد المنشورة، وفق مكتب مديرة الاستخبارات الوطنية، إلى أن عدداً من محللي الاستخبارات الذين دفعوا باتجاه أخذ فرضية التسرب المختبري بجدية تعرضوا للتهميش أو التهديد بإنهاء مسيرتهم المهنية، بينما أبلغ بعضهم عن ضغوط داخلية وعمليات انتقام بعد اعتراضهم على طريقة تعامل مجتمع الاستخبارات مع الملف، وقد أحالت غابارد بعض هذه الإفادات إلى المفتش العام لمجتمع الاستخبارات لمراجعتها.
وقالت غابارد إن المراسلات الجديدة تتناقض مع شهادة فاوتشي أمام لجنة مجلس النواب المعنية بجائحة كورونا عام 2024، حين سئل تحت القسم عما إذا كان قد تواصل مع وكالات استخبارات أميركية بشأن الأبحاث الفيروسية قبل الجائحة أو خلالها أو بعدها.
وبحسب البيان، فإن فاوتشي تهرب من الإجابة قبل أن يقول إنه لا يعلم بحدوث ذلك، وهي إجابة تصفها غابارد بأنها غير صحيحة في ضوء الوثائق التي أفرج عنها.
تأتي هذه الخطوة بعد مراجعة استمرت عاماً كاملاً لرفع السرية عن وثائق مرتبطة بمنشأ جائحة كورونا، تنفيذاً لتوجيهات الرئيس ترمب.
وعلى رغم أن الوثائق لا تقدم حكماً نهائياً بشأن منشأ الفيروس، فإنها تكشف جانباً جديداً من الصراع السياسي والمؤسسي الذي رافق التحقيق في الجائحة.
وفي إحدى المراسلات التي أفرج عنها، تساءل مسؤول استخباراتي عما إذا كان من الحكمة أن يستند مجتمع الاستخبارات إلى نصيحة فاوتشي في تحقيق داخلي بالغ الحساسية، خصوصاً في ظل الانقسام الحاد حول منشأ الفيروس، غير أن مسؤولاً آخر رد بأن فاوتشي لا ينبغي أن ينظر إليه في هذا السياق بوصفه صانع سياسات، بل خبيراً متخصصاً يمتلك معرفة واسعة بالأبحاث الحالية والتاريخية في مجال فيروسات كورونا.
وكتب المسؤول في إحدى الرسائل: " في هذه الحالة تحديداً، ونظراً إلى خلفية الدكتور فاوتشي، فإننا نرغب بالتأكيد في متابعة مقترحاته بشأن الأشخاص الذين ينبغي التواصل معهم.
فهو هنا ليس صانع سياسات، بل هو خبير مختص، وربما يعرف أكثر من معظم الناس من هم الخبراء الحقيقيون في فيروسات كورونا".
وتقول غابارد إن هذه المراسلات تعزز مزاعم سابقة أدلى بها مبلغ في وكالة الاستخبارات المركزية، تحدث عن تأثير غير مبرر لفاوتشي في تقييم مجتمع الاستخبارات لأصول كورونا، كما ذهب البيان المرافق للوثائق إلى اتهام فاوتشي بالعمل مع قيادات وصفها بـ" المسيسة" داخل مجتمع الاستخبارات لإخفاء دوره في تمويل أبحاث خطرة، والتأثير في التقييمات الرسمية المتعلقة بمنشأ الفيروس.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)وخلال الجائحة، اتهم محافظون فاوتشي ومسؤولين آخرين في الصحة العامة بتقليل أهمية فرضية التسرب المختبري، أو صرف الانتباه عنها، على رغم وجود تمويل أميركي سابق لأبحاث مرتبطة بفيروسات كورونا في ووهان، المدينة التي ظهر فيها المرض أولاً.
وفي حين تعيد الوثائق فاوتشي إلى قلب واحدة من أكثر القضايا إثارة للانقسام في السياسة الأميركية، فإنها قد تشكل أساساً لاستجوابه مجدداً تحت القسم مع استئناف الجمهوريين تحقيقاتهم في الجائحة، بعد أكثر من عام على حصوله على عفو استباقي من الرئيس السابق جو بايدن تحسباً لملاحقته من إدارة ترمب.
ومن المرجح أن تعيد الوثائق الجديدة إشعال الجدل داخل الكونغرس وبين الأوساط العلمية والسياسية حول تمويل الأبحاث الفيروسية، وحدود الرقابة عليها، ودور المسؤولين الصحيين في تشكيل الرواية العامة خلال الجائحة.
كما قد تمنح الجمهوريين مادة جديدة لتوسيع تحقيقاتهم في إدارة ملف كورونا، لا سيما في ما يتعلق بتمويل الأبحاث في ووهان، وتعامل المؤسسات الأميركية مع فرضية التسرب من المختبر.
وعلى رغم أن قدراً كبيراً من المواد بات معروفاً، فإن ما نشرته غابارد يؤكد سعيها إلى جعل الأسئلة المحيطة بفاوتشي، وأصول كورونا، والدعم الفيدرالي لأبحاث الفيروسات، جزءاً من إرثها كرئيسة للاستخبارات الوطنية.
وبينما وجهت غابارد ضربتها الأخيرة، يستعد بيل بولتي، الذي تعرض لانتقادات من الحزبين بسبب افتقاره إلى الخبرة الاستخباراتية لتولي منصبها مؤقتا، وسط مخاوف أثارها أعضاء في مجلس الشيوخ من احتمال أن يسعى إلى استغلال المنصب لاستهداف خصوم ترمب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك