تحتاج قضية تعيين حملة الماجستير والدكتوراه إلى قدر من الصراحة يفصل بين احترام العلم وبين تحميل الدرجة العلمية ما لا تحتمله.
فالحصول على مؤهل أكاديمي رفيع يمنح صاحبه مكانة علمية، ويعزز فرصه في المنافسة، لكنه لا يصدر للدولة أمرًا بإنشاء وظيفة حكومية، ولا يحول التعيين إلى حق تلقائي بمجرد اجتياز مناقشة الرسالة.
المشكلة أن المطالبة بالاستفادة من الكفاءات العلمية تحولت، في بعض الأحيان، إلى ربط مباشر بين الحصول على الماجستير أو الدكتوراه وبين استحقاق وظيفة دائمة في الجهاز الإداري.
وهذا الربط قد يبدو مفهومًا من الناحية الإنسانية، لكنه لا يستقيم قانونيًا أو إداريًا، كما يتعارض مع الاتجاه العام نحو حوكمة التعيينات ورفع كفاءة الإنفاق العام.
الوظيفة الحكومية ليست مكافأة اجتماعية تمنح لصاحب المؤهل الأعلى، وإنما موقع تنظيمي تنشئه الدولة لأداء مهمة تحتاج إليها جهة عامة.
ولا يكفي لقيام هذا الاحتياج أن يتقدم شخص يحمل درجة علمية، مهما كانت قيمتها؛ إذ يجب أولًا أن تكون هناك وظيفة فعلية، واختصاصات واضحة، ودرجة مالية مدرجة في الموازنة، وحاجة مؤسسية إلى التخصص المطلوب.
هذا هو المنطق الذي يقوم عليه قانون الخدمة المدنية بالنسبة إلى الوظائف الخاضعة لأحكامه.
فالتعيين يرتبط بوجود وظيفة شاغرة وممولة، ويتم من خلال إعلان وامتحان، وفق ترتيب النتائج وقواعد المفاضلة التي حددها القانون.
وقد يكون المؤهل الأعلى أحد عناصر الترجيح عند تساوي المتقدمين، لكنه لا يمثل في ذاته قرار تعيين، ولا يتقدم على شرط الاحتياج أو على معايير الكفاءة والجدارة وتكافؤ الفرص.
ولو أصبح الحصول على الماجستير أو الدكتوراه سببًا كافيًا للتعيين، فسوف تلتزم الدولة بتوفير وظيفة لكل حاصل على درجة علمية، بصرف النظر عن تخصصه، أو طبيعة بحثه، أو حاجة الجهات الحكومية إليه.
وسيظل هذا الالتزام قائمًا مع كل دفعة جديدة، حتى لو لم تكن هناك أعمال حقيقية تسند إلى المعينين أو موارد مالية تتحمل استمرار التوسع في أعداد الموظفين.
كما أن هذا التصور قد يخل بمبدأ تكافؤ الفرص.
فليس من العدل أن تتحول الوظائف العامة إلى مسار مغلق لفئة بعينها لمجرد امتلاكها مؤهلًا أعلى، بينما قد يمتلك متقدمون آخرون خبرات مهنية أو قدرات فنية أكثر اتصالًا بطبيعة الوظيفة.
قيمة المؤهل لا تُنكر، لكن ملاءمة الشخص للعمل لا تُقاس بعدد الشهادات وحده.
وتزداد صعوبة هذا الطرح عندما يوضع بجوار المطالبات المستمرة بإصلاح الجهاز الإداري، وتقليل التضخم الوظيفي، ورفع كفاءة الخدمات، وترشيد الإنفاق.
فقد قدّرت موازنة العام المالي 2025/2026 مخصصات الأجور وتعويضات العاملين بأجهزة الموازنة العامة للدولة بنحو 679.
1 مليار جنيه، بخلاف العاملين بالهيئات والوحدات الاقتصادية، فيما أشارت وثيقة «موازنة المواطن» إلى استفادة نحو 4.
5 ملايين موظف من حزمة تحسين الأجور.
هذه الأرقام توضح أن التعيين الدائم ليس قرارًا بلا تكلفة، بل هو التزام مالي وإداري ممتد تتحمله الدولة طوال المسار الوظيفي للعامل.
ومن ثم لا يمكن المطالبة بتقليل التعيينات غير الضرورية من ناحية، ثم الدعوة إلى تعيين جماعي غير مرتبط باحتياجات الجهات من ناحية أخرى.
الحوكمة لا تعني استبدال مجموعة من الموظفين بمجموعة أخرى، وإنما تبدأ بتحديد حجم العمالة المطلوبة، وطبيعة الوظائف الضرورية، والمهارات التي تحتاج إليها كل جهة، ثم الإعلان عنها بشفافية واختيار الأفضل.
وهو ما يتسق مع التوجه الرسمي نحو إعادة هيكلة إجراءات التعيين، واستخدام وسائل التقييم الإلكتروني، وربط الموارد البشرية بالاحتياجات الفعلية، وتطبيق معايير الكفاءة والجدارة.
كما يتوافق ذلك مع الاتجاه إلى تعزيز دور القطاع الخاص بوصفه المجال الأوسع لخلق فرص العمل، بدل استمرار التعامل مع الحكومة باعتبارها صاحب العمل الطبيعي لكل خريج.
فلا يوجد اقتصاد قادر على توفير وظيفة حكومية لكل حاصل على مؤهل جامعي أو درجة أكاديمية، كما لا يمكن لجهاز إداري أن يكون البديل الدائم عن سوق عمل منتج ومتنوع.
رفض التعيين التلقائي لا يعني، في المقابل، ترك حملة الماجستير والدكتوراه دون مسارات حقيقية.
مسؤولية الدولة والجامعات هي بناء بيئة تستفيد من الباحثين، من خلال دعم البحث التطبيقي، وربط الجامعات بالصناعة، وتمويل الابتكار، والتوسع المدروس في الوظائف البحثية والتخصصية، وإجراء مسابقات نزيهة ومعلنة، وتشجيع الشركات الناشئة ومراكز التطوير داخل القطاعين العام والخاص.
وتحتاج برامج الدراسات العليا نفسها إلى مراجعة دورية، حتى ترتبط احتياجاتها وتخصصاتها بأولويات البحث العلمي والاقتصاد وسوق العمل.
فالجامعة لا تؤدي دورها بمجرد منح المزيد من الدرجات، وإنما بقدرتها على إنتاج بحوث ذات قيمة، وتأهيل باحثين يستطيعون تحويل المعرفة إلى تطبيق وحل ومشروع وفرصة عمل.
أما تعيين أوائل الخريجين معيدين بالجامعات، فيخضع لمسار قانوني وأكاديمي مختلف، تحكمه الخطط المعتمدة واحتياجات الأقسام والوظائف المقررة وشروط التفوق والمفاضلة.
ومن يقع عليه الاختيار وفق هذه القواعد يجب إتمام إجراءاته دون تعطيل أو محاباة، لكن هذا المسار المحدد لا ينشئ قاعدة عامة تلزم الدولة بتعيين كل حاصل على درجة علمية.
الدفاع عن هذه الرؤية ليس خصومة مع الباحثين، بل دفاع عن قيمة العلم وعن سلامة الوظيفة العامة معًا.
فالعلم أكبر من أن يُختزل في مرتب حكومي، والوظيفة العامة أخطر من أن تتحول إلى وسيلة للترضية.
الدولة الرشيدة لا تعيّن لمجرد وجود طالب وظيفة، وإنما تعيّن حين توجد وظيفة تحتاج إلى الأكفأ؛ أما صاحب الدرجة العلمية، فحقه في التقدير والمنافسة العادلة والاستفادة من علمه، لا في قرار تعيين يصدر تلقائيًا مع شهادة التخرج.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك