يشهد الشرق الاوسط تحولات عميقة قد يعيد رسم توازناته السياسية والاقتصادية والامنية خلال السنوات المقبلة.
فمسارات التفاهم المحتملة بين القوى الدولية والاقليمية، واعادة توزيع مراكز النفوذ، تشير الى ان المنطقة تتجه نحو مرحلة مختلفة عن تلك التي سادت خلال العقود الماضية.
في خضم هذه التحولات، يجد الاردن نفسه امام لحظة دقيقة تتداخل فيها التحديات الخارجية مع الضغوط الداخلية بصورة لم تعد قابلة للتعامل معها بمنطق ادارة الازمات التقليدي.
لكن في الوقت نفسه، تفتح مسارات التفاهم المحتملة بين الولايات المتحدة وايران الباب امام انتقال تدريجي من سياسة المواجهة المفتوحة الى سياسة ادارة النفوذ وتقاسم المصالح، وهو تحول قد يفرض على كثير من الدول الصغيرة والمتوسطة في المنطقة اعادة النظر في ادوارها وتحالفاتها ومصالحها الاستراتيجية.
بالنسبة للاردن، لا يكمن التحدي في التكيف مع هذه المتغيرات فقط، بل في القدرة على المحافظة على موقعه السياسي وتعزيز حضوره في معادلة اقليمية تتغير بسرعة.
وفي موازاة ذلك، يبرز ملف الوصاية الهاشمية على المقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس بوصفه احد اكثر الملفات حساسية في السياسة الخارجية الاردنية، فهو لا يمثل بعدا دينيا فحسب، بل يشكل احد المرتكزات الاساسية للدور الاردني في المنطقة.
وخلال الفترة الاخيرة، تصاعدت التوترات المرتبطة بمحاولات اسرائيلية لتغيير بعض الوقائع القائمة في القدس بصورة تدريجية، وهو ما يضع الاردن امام تحد طويل الامد للحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم.
ولا يتعلق الامر هنا بخلاف سياسي عابر، بل بملف يمس احد عناصر التوازن الاقليمي التي استقرت لعقود طويلة، واي تغيير في هذه الترتيبات سيضيف اعباء سياسية ودبلوماسية جديدة على الاردن، في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات متسارعة.
لكن التحديات الخارجية ليست وحدها مصدر القلق.
فالداخل الاردني يمر بمرحلة اقتصادية واجتماعية دقيقة، لم تعد تعبر عنها المؤشرات المالية وحدها، بل اصبحت جزءا من تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين.
ارتفاع تكاليف المعيشة، واستمرار معدلات البطالة، واتساع رقعة الفقر، ساهمت في تنامي حالة من القلق المجتمعي.
كما ان تصاعد الحديث عن الفساد اصبح يشكل تحديا مباشرا امام بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
وسواء استندت مشاعر القلق الى وقائع مثبتة او الى تراكمات طويلة من خيبات الامل، فان النتيجة واحدة، وهي اتساع الفجوة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.
وهذه الفجوة قد تصبح التحدي الاكثر حساسية اذا لم تجر معالجتها بصورة مؤسسية جادة، تقوم على الشفافية والكفاءة والعدالة في توزيع الفرص والموارد.
ورغم كل ذلك، لا يزال الاردن يمتلك عناصر قوة مهمة تتمثل في استقرار مؤسساته، وخبرته الطويلة في ادارة الازمات، وموقعه الجيوسياسي، وشبكة علاقاته الدولية.
غير ان هذه المقومات لم تعد كافية بمفردها.
فالمرحلة المقبلة ستختبر قدرة الدولة على تجديد عقدها الداخلي، وبناء ثقة جديدة مع المجتمع، بالتوازي مع المحافظة على توازناتها الخارجية.
الاردن لا يقف اليوم على حافة الانهيار كما يصوره البعض، ولا يعيش حالة من الاطمئنان الكامل كما يعتقد البعض الاخر.
بل يقف امام لحظة مفصلية ستحدد شكل حضوره في الشرق الاوسط الذي يتشكل من جديد.
ويبقى السؤال الاهم ليس ماذا سيحدث للأردن، بل كيف سيختار الأردن ان يتموضع داخل هذا المشهد الجديد.
فالشرق الاوسط يتغير بالفعل، والسؤال لم يعد ما اذا كانت التحولات ستصل الى الاردن، بل كيف سيستعد الاردن للتعامل معها قبل ان تفرض عليه معادلات جديدة قد لا يشارك في صياغتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك