كشفت دراسة علمية حديثة نشرتها دورية Frontiers in Neuroscience، ونقلها موقع PsyPost، أن ناقلاً كيميائياً وفيراً في الدماغ يُسمى الغلوتامات يرتبط ارتباطاً مباشراً برد الفعل المبالغ فيه تجاه الأخطاء، عبر رفع حساسية الشخص لاكتشاف إخفاقاته، مما يُهيئه للمعاناة من أعراض متداخلة بين القلق والاكتئاب.
القشرة الجزيرية الأمامية.
مركز الرصد الداخليتقع القشرة الجزيرية الأمامية في عمق الدماغ، وتضطلع بمهمة دمج الأحاسيس الجسدية والحالات العاطفية ومعلومات النتائج غير المتوقعة.
ويُظهر الأشخاص المصابون بالقلق نشاطاً مرتفعاً بشكل غير معتاد في هذه المنطقة حين يراقبون أنفسهم بحثاً عن الأخطاء أو يستشعرون تهديدات محتملة.
الغلوتامات.
المحرّك الكيميائي للدماغيُعدّ الغلوتامات الناقل الكيميائي المُحفِّز الرئيسي في الدماغ البشري، إذ يحثّ الخلايا العصبية على إطلاق الإشارات والتواصل فيما بينها.
ويلجأ الباحثون عادةً إلى قياس مزيج من الغلوتامات وجزيء مرتبط به يُسمى الغلوتامين لتقييم مستوى النشاط التحفيزي العام في مناطق دماغية محددة.
القلق والاكتئاب.
وجهان لعملة واحدةنادراً ما تحدث اضطرابات الحالة المزاجية بمعزل عن بعضها؛ إذ يتزامن القلق والاكتئاب في الغالب، ويتشاركان سمات جسدية ونفسية مشتركة.
ويُشير الباحثون إلى هذا الضعف المشترك بوصفه عاملاً عاماً في علم الأمراض النفسية.
قاد الدراسة الباحثان هيوروم بارك وبومسوك جيونغ من المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا، وقد خضع المتطوعون لفحص دماغي باستخدام تقنية مطيافية الرنين المغناطيسي، التي تتيح قياس التركيز الفعلي لجزيئات محددة في أنسجة دماغية مستهدفة، خلافاً للتصوير الوظيفي التقليدي الذي يتتبع تدفق الدم فحسب.
وركّز الفريق على منطقتين مرتبطتين بالحالة المزاجية واتخاذ القرارات: الفص الجزيري الأمامي، والقشرة الجبهية الإنسية.
واستعان الباحثون بنماذج رياضية لرصد كيفية تعديل المشاركين لسلوكهم عقب نتائج غير متوقعة خلال لعبة تجريبية، وهو ما يُعرف بـخطأ التنبؤ، أي الفجوة بين النتيجة المتوقعة والنتيجة الفعلية.
النتائج: الغلوتامات يُضخّم الأخطاءأظهر المشاركون الذين يمتلكون مستويات أعلى من مزيج الغلوتامات في الفص الجزيري الأمامي حساسيةً أكبر لأخطاء التنبؤ، وردود أفعال أشد تجاه المكاسب والخسائر غير المتوقعة.
وارتبط هذا الاختلاف في أسلوب التعلم ارتباطاً مباشراً بنتائج استبيانات الصحة النفسية، إذ تنبأت المستويات المرتفعة من هذه المادة بدرجات أعلى في مؤشر القلق والاكتئاب المجمّع.
وأوضحت النماذج الإحصائية أن الحساسية الشديدة للأخطاء تُشكّل حلقة الوصل بين كيمياء الدماغ ونتائج استبيانات الحالة المزاجية، مما يعني أن كيمياء الدماغ وحدها لا تُحدد وجود الاكتئاب أو القلق بصورة مباشرة، بل تفعل ذلك عبر التأثير في طريقة معالجة الشخص لأخطائه.
تقلبات الغلوتامات أثناء التعلمرصد الباحثون أيضاً تقلبات المادة الكيميائية خلال التجربة، وتبيّن أن تركيز مزيج الغلوتامات في الفص الجزيري انخفض مؤقتاً خلال مراحل محاولة المشاركين كسب النقاط، ولم يعد فوراً إلى مستواه الطبيعي عقب انتهاء المهمة.
ويُشير هذا الانخفاض إلى أن التعلم من المكافآت يستلزم تحولاً مؤقتاً في البيئة الأيضية للدماغ، في حين يظل الاستعداد البيولوجي الكامن المؤشرَ الأقوى على حساسية الشخص للأخطاء.
يرى الباحثون أن الدراسات المقبلة تحتاج إلى متابعة المشاركين لفترات أطول لرصد تطور هذه المؤشرات الكيميائية، فضلاً عن توسيع نطاق فحوصات الدماغ لتشمل شبكات عصبية أوسع.
كما أن اختبار أدوية تُعدّل مستويات المواد الكيميائية المُحفِّزة قد يفتح آفاقاً علاجية جديدة لمساعدة الأشخاص الذين يُفرطون في التفكير بأخطائهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك