بعد قرون من انتهاء تجارة الرقيق عبر الأطلسي، عادت واحدة من أكثر القضايا التاريخية حساسية إلى الواجهة من العاصمة الغانية أكرا، حيث اختتمت أعمال القمة العالمية للتعويض عن الاستعباد والعدالة التاريخية، وسط مطالب أفريقية بوضع إطار عملي لتعويض المجتمعات التي ما تزال تعاني آثار تلك الحقبة.
على مدار ثلاثة أيام، ناقش المشاركون في القمة تداعيات عقود من الاستعباد والاستعمار، مطالبين بحصر الأضرار التي خلفتها هذه المرحلة، والانتقال من مرحلة الاعتراف بالجرائم التاريخية إلى وضع آليات واضحة لتحقيق ما وصفوه بالعدالة التعويضية.
وفي مقدمة الداعين إلى هذا المسار الرئيس الغاني جون دراماني ماهاما الذي قال إن المرحلة المقبلة يجب أن تتجاوز الاعتراف الرمزي، باتجاه بناء هيكل واضح لعدالة التعويضات، يضمن تحويل القرارات الدولية إلى نتائج عملية.
وأكد ماهاما أن المطلوب هو الحفاظ على الزخم الذي نتج عن قرار الأمم المتحدة الأخير، والعمل على ترجمة الاعتراف الدولي إلى خطوات ملموسة تعالج آثار الماضي.
ويأتي التحرك الأفريقي بعد اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة في مارس/آذار الماضي قرارا بأغلبية 123 صوتا، اعتبر تجارة الرقيق عبر الأطلسي من أبشع الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، ودعا إلى تقديم اعتذارات رسمية وتعويضات للمجتمعات التي تضررت من هذه الحقبة.
وتشير التقديرات التاريخية إلى أن نحو 12.
5 مليون أفريقي تعرضوا للاختطاف والنقل عبر المحيط الأطلسي خلال تجارة الرقيق، نجا منهم أكثر من 10 ملايين، وجرى توزيعهم على مستعمرات في الأمريكتين ومنطقة الكاريبي.
وكانت الولايات المتحدة من أبرز الوجهات التي وصل إليها المستعبدون، إذ تشير التقديرات إلى وصول نحو 400 ألف أفريقي إليها منذ عام 1619، قبل أن يرتفع العدد مع استمرار الاستعباد وتوارثه عبر الأجيال، ليصل إلى نحو أربعة ملايين مستعبد بحلول عام 1860.
ورغم مرور قرون على تلك الحقبة، ما يزال ملف التعويضات حاضرا بقوة، خصوصا في الولايات المتحدة، حيث تطالب قطاعات واسعة من السود الأمريكيين بإعادة طرح القضية في كل موسم انتخابي رئاسي، باعتبارها مرتبطة بآثار اجتماعية واقتصادية ما تزال قائمة.
ويرى المطالبون بالتعويضات أن الاستعباد لم يكن مجرد حدث تاريخي انتهى بانتهائه القانوني، بل ترك فجوات اقتصادية واجتماعية ممتدة بين أجيال، وأن معالجة هذه الآثار تحتاج إلى خطوات تتجاوز الاعتذار إلى إجراءات عملية.
لكن فكرة التعويضات تواجه أسئلة معقدة، حتى بين مؤيديها، أبرزها كيفية تحديد المستفيدين، وطبيعة التعويض، والجهات التي تتحمل المسؤولية عن جرائم وقعت قبل مئات السنين.
وبينما تسعى الدول الأفريقية إلى بناء موقف موحد للدفع باتجاه العدالة التاريخية، يبقى الجدل مفتوحا حول كيفية تحويل إرث الماضي إلى سياسات تعالج آثارا ما تزال حاضرة في حياة ملايين الأشخاص حول العالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك